من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّالِث وَهُوَ علم البديع (٤)
وَقَالَ مُحَمَّد بن سَلام أَبَت الْعَرَب إِلَّا أَن عمرا كَانَ يكذب قَالَ وَقلت لخلف الْأَحْمَر وَكَانَ مولى للأشعريين وَكَانَ يتعصب لليمانية أَكَانَ عَمْرو يكذب قَالَ كَانَ يكذب بِاللِّسَانِ وَيصدق بالفعال
وَعَن زِيَاد مولى سعد قَالَ سَمِعت سَعْدا يَقُول وبلغه أَن عَمْرو بن معدي كرب وَقع فِي الْخمر وَأَنه قد دله لقد كَانَ لَهُ موطن صَالح يَوْم الْقَادِسِيَّة عَظِيم الْغناء شَدِيد النكاية لِلْعَدو فَقيل لَهُ فقيس بن مكشوح فَقَالَ هَذَا أبذل لنَفسِهِ من قيس وَإِن قيسا لشجاع
وَعَن أبي مُحَمَّد المرهبي قَالَ كَانَ شيخ يُجَالس عبد الْملك بن عُمَيْر فَسَمعته يحدث قَالَ قدم عُيَيْنَة بن حصن الْكُوفَة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ قَالَ وَالله مَا لي بِأبي ثَوْر عهد مُنْذُ قدمنَا هَذَا الْغَائِط يَعْنِي بَابي ثَوْر عَمْرو بن معدي كرب أَسْرج لي يَا غُلَام فاسرج لَهُ فرسا أُنْثَى من خيله فَلَمَّا قربهَا إِلَيْهِ ليرْكبَهَا قَالَ لَهُ وَيحك أرأيتني ركبت أُنْثَى فِي الْجَاهِلِيَّة فأركبها فِي الْإِسْلَام فأسرج لي حصاناً فأسرجه فَرَكبهُ وَأَقْبل إِلَى محلّة بني زبيد فَسَأَلَ عَن محلّة عَمْرو بن معدي كرب فأرشد إِلَيْهَا فَوقف بِبَابِهِ ونادى أَي أَبَا ثَوْر اخْرُج إِلَيْنَا فَخرج عَلَيْهِ مؤتزراً كَأَنَّمَا كسر وجبر فَقَالَ انْعمْ صباحاً أَبَا مَالك قَالَ أَو لَيْسَ قد أبدلنا الله بِهَذَا السَّلَام عَلَيْكُم قَالَ دَعْنَا مِمَّا لَا نَعْرِف انْزِلْ فَإِن عِنْدِي كَبْشًا شناحاً فَنزل فَعمد إِلَى الْكَبْش فذبحه ثمَّ كشط جلده عَنهُ وعضاه وألقاه فِي قدر جماع وطبخه حَتَّى إِذا أدْرك جَاءَ بِجَفْنَة عَظِيمَة فثرد فِيهَا وَألقى الْقدر عَلَيْهَا فقعدا فأكلاه ثمَّ قَالَ لَهُ أَي الشَّرَاب أحب إِلَيْك اللَّبن أم مَا كُنَّا نتنادم عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ أَو لَيْسَ قد حرمهَا الله ﷿ علينا فِي الْإِسْلَام قَالَ أَنْت أكبر سنا أم أَنا قَالَ أَنْت قَالَ أفأنت اقدم إسلاماً أم أَنا قَالَ أَنْت قَالَ فَإِنِّي قد قَرَأت مَا بَين دفتي الْمُصحف فوَاللَّه مَا وجدت لَهَا تَحْرِيمًا إِلَّا أَنه قَالَ ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ فَقُلْنَا لَا فَسكت وسكتنا فَقَالَ لَهُ أَنْت أكبر سنا وأقدم ِإسلاماً فجَاء بهَا فَجَلَسَا يتنادمان ويشربان ويذكران أَيَّام الْجَاهِلِيَّة حَتَّى أمسيا فَلَمَّا أَرَادَ عُيَيْنَة
الِانْصِرَاف قَالَ عَمْرو بن معدي كرب وَلَئِن انْصَرف أَبُو مَالك بِغَيْر حباء إِنَّهَا لوصمة عَليّ فَأمر بِنَاقَة لَهُ أرحبية كَأَنَّهَا جبيرَة لجين فارتحلها وَحمله عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ يَا غُلَام هَات المزود فجَاء بمزود فِيهِ أَرْبَعَة آلف دِرْهَم فوضعها بَين يَدَيْهِ فَقَالَ أما المَال فوَاللَّه لَا قبلته قَالَ فوَاللَّه إِنَّه لمن حباء عمر بن الْخطاب ﵁ فَلم يقبله عُيَيْنَة وَانْصَرف وَهُوَ يَقُول
جُزيتَ أَبَا ثورٍ جزَاء كرَامةٍفنعمَ الْفَتى المُزْدَارُ والمتضيِّف
قَريتَ فأكرَمتَ القِرَى وأفدتنَاخَبيةَ عِلمٍ لم تكنْ قطُّ تُعرَفُ
وقلتَ حلالٌ أَن نُدِيرَ مدامةًكلونِ انعقاق البْرق والليلُ مسدفُ
وقدَّمتَ فِيهَا حجَّة عَرَبِيَّةترد إِلَى الإنصَاف من لَيْسَ ينصفُ
وأنتَ لنا وَالله ذِي العرشِ قدوةٌإِذا صدَّنا عَن شربهَا المتكلفُ
نقولُ أَبُو ثورٍ أحَلَّ حرامهاوَقَول أبي ثَوْر أسَدُّ وأعرَفُ) // الطَّوِيل //
وغزا عَمْرو بن معدي كرب هُوَ وَأبي الْمرَادِي فَأَصَابُوا غَنَائِم فَادّعى أبي أَنه قد كَانَ مسانداً فَأبى عَمْرو أَن يُعْطِيهِ شَيْئا وَبلغ عمرا أَنه يتوعده فَقَالَ عَمْرو فِي ذَلِك قصيدة أَولهَا
أعاذِل شكتي بدني ورُمحيوكل مقلِّص سَلسِ القيادِ
أعاذل إِنَّمَا أفنى شَبَابِيوأقرحَ عَاتِقي ثقلُ النِّجادِ
تَمَنَّاني ليلقانِي أبيٌّوددت وأينما منى ودادي
وَلَو لاقيتني وَمَعِي سلاحيتكشَّفَ شحمُ قَلْبك عَن سَواد
أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلِيعذيرَك من خَلِيلك من مُرَاد) // الوافر //
وَهَذَا الْبَيْت كَانَ يتَمَثَّل بِهِ على بن أبي طَالب ﵁ إِذا أعْطى النَّاس وَرَأى ابْن ملجم قَاتله الله
وَكَانَ سَبَب موت عَمْرو بن معدي كرب مَا حَكَاهُ ابْن قُتَيْبَة وَغَيره قَالُوا كَانَت مغازي الْعَرَب إِذْ ذَاك الرّيّ ودمستي فَخرج عَمْرو مَعَ شباب من مذْحج حَتَّى نزل الخان الَّذِي دون روذة فتعذى الْقَوْم ثمَّ نَامُوا وَقَامَ كل رجل مِنْهُم لقَضَاء حَاجته وَكَانَ عَمْرو إِذا أَرَادَ الْحَاجة لم يجترىء أحد أَن يَدعُوهُ وَإِن أَبْطَأَ فَقَامَ النَّاس للرحيل وترحلوا إِلَّا من كَانَ فِي الخان الَّذِي فِيهِ عَمْرو فَلَمَّا أَبْطَأَ صحنا بِهِ يَا أَبَا ثَوْر فَلم يجبنا وَسَمعنَا علزا شَدِيدا ومراساً فِي الْموضع الَّذِي دخله فقصدناه وَإِذا بِهِ محمرة عَيناهُ مائلا شدقه مفلوجاً فحملناه على فرس وأمرنا غُلَاما شَدِيد الذِّرَاع فارتدفه ليعدل ميله فَمَاتَ بروذة وَدفن على قَارِعَة الطَّرِيق فَقَالَت امْرَأَته الجعفية ترثية
لقد غادر الركبُ الَّذين تحملوابروذة شخصا لَا ضَعِيفا وَلَا غمرَا
فَقل لزبيد بل لمذحج كلِّهافقدْتُمْ أَبَا ثَوْر سنانكم عَمْرَا
فإِن تجزعوا لَا يُغْنِ ذَلِك عَنْكُموَلَكِن سلوا الرَّحْمَن يعقبكم صبرا) // الطَّوِيل //
قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخهقلت اطبخوا لي جُبَّةً وقميصا
الْبَيْت من الْكَامِل وقائله أَبُو الرقعمق يرْوى أَنه قَالَ كَانَ لي إخْوَان أَرْبَعَة وَكنت أنادمهم أَيَّام الْأُسْتَاذ كافور الإخشيدي فَجَاءَنِي رسولهم فِي يَوْم بَارِد وَلَيْسَت لي كسْوَة تحصنني من الْبرد فَقَالَ إخوانك يقرأون عَلَيْك السَّلَام وَيَقُولُونَ لَك قد اصطبحنا الْيَوْم وذبحنا شَاة سَمِينَة فاشته علينا مَا نطبخ لَك مِنْهَا قَالَ فَكتبت إِلَيْهِم
إخواننَا قصدُوا الصبوحَ بسحرةفَأتى رسولُهُمُ إليَّ خُصُوصا
قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخهقلت اطبخوا لي جُبَّة وقميصا) // الْكَامِل //
قَالَ فَذهب الرَّسُول بالرقعة فَمَا شَعرت حَتَّى عَاد وَمَعَهُ أَربع خلع وَأَرْبع صرر فِي كل صرة عشرَة دَنَانِير فَلبِست إِحْدَى الْخلْع وصرت إِلَيْهِم
وَالشَّاهِد فِيهِ المشاكلة وَهِي ذكر الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لوُقُوعه فِي صحبته تَحْقِيقا أَو تَقْديرا وَهِي هُنَا قَوْله اطبخوا فَإِنَّهُ أَرَادَ خيطوا فَذكر خياطَة الْجُبَّة والقميص بِلَفْظ الطَّبْخ لوقوعها فِي صُحْبَة طبخ الطَّعَام
وَمثل الْبَيْت قَول ابْن جَابر الأندلسي
قَالُوا اتخذ دُهناً لقلبك يَشْفِهِقلتُ ادهنوه بخدها المتوردِ) // الْكَامِل //
وَذكرت باشتهاء أبي الرقعمق قَول بَعضهم
قَالَ لي عُوَّدي غَدَاة أَتَوْنِيمَا الَّذِي تشتهيه واجتهدوا بِي
قلتُ مُغْلًى فِيهِ لسانُ وشاةٍقطعوه فِيهِ بضع عَجِيب
وَأُضيفت إِلَيْهِ كبْدُ حسودٍفُقِئت فَوْقهَا عُيُون الرقيبِ) // الْخَفِيف //
وَقَول الآخر
عِنْدِي لكم يَوْم التواصُل فرحةٌيَا معشر الجلساء والندماء
(أشوي قلوبَ الحاسدينَ بهَا وَألسنةَ الوشاة وأعين الرقباء ...) // الْكَامِل //
وَمن أَمْثِلَة المشاكلة قَول عَمْرو بن كُلْثُوم فِي معلقته
أَلا لَا يجهلنْ أحدٌ علينافنجهل فَوقَ جهل الجاهلينَا) // الوافر //
أَرَادَ فنجازيه على جَهله فَجعل لَفْظَة فنجهل مَوضِع فنجازيه لأجل المشاكلة
وَمثل الأول مَا حُكيَ عَن عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر أَنه كَانَ يشرب فِي متنزه وَعِنْده ماني الموسوس فَقَالَ عبيد الله
أرى غيما تؤلفه جنوبٌوأحسب أَن ستأتينا بهطلِ
فحزمُ الرَّأْي أَن تَأتي برطلِفتشربهُ وتأتيني برطل) // الوافر //
فَقَالَ مَا هَكَذَا قَالَ الشَّاعِر وَإِنَّمَا هُوَ
أرَى غيماً تؤلفهُ جنوبٌأرَاهُ على مساءتنا حَريصَا
فَحرم الرَّأْي أَن تَأتي برطلٍفتشربهُ وتكسوني قميصَا
وَأَبُو الرقعمق هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَنْطَاكِي الشَّاعِر الْمَشْهُور ذكره الثعالبي فِي الْيَتِيمَة فَقَالَ هُوَ نادرة الزَّمَان وَجُمْلَة الْإِحْسَان مِمَّن تصرف بالشعر الجزل فِي أنواح الْجد والهزل وأحرز قصبات الْفضل وَهُوَ أحد المداح المجيدين وَالشعرَاء الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ بِالشَّام كَابْن حجاج بالعرق ومدح مُلُوك مصر ووزراءها فَمن غرر شعره قَوْله يمدح الْوَزير يَعْقُوب بن كلس
قد سمعنَا مقالهُ واعتذارهُوأقلناهُ ذنبهُ وعثارَهْ
والمعاني لمنْ عنيتُ ولكنْبك عرَّضتُ فاسمعي يَا جَاره) // الْخَفِيف // مِنْهَا
(سَحَرتني ألحاظهُ وَكَذَا كلُّ مليحٍ عيونهُ سَحَّارهْ ...)
(مَا عَلىَ مؤثرِ التباعدِ والإعراض لَو آثرَ الرِّضَا والزيارَهْ ...)
وَهِي طَوِيلَة وَأكْثر شعره جيد على هَذَا الأسلوب مثل صريع الدلاء والقصار وَمن شعره على طَرِيق ابْن حجاج قَوْله
كتبَ الحصيرُ إِلَى السريرأَن الفصيلَ ابنُ البعيرِ
فلأمنعنَّ حِمَارَتيسنتَيْن من أكل الشّعير
لاهم إِلَّا أَن تطيرمن الهزَال مَعَ الطُّيُور
ولأخبرَنكَ قصتِيفلقدْ سَقَطت على الخبيرِ
إنّ الَّذين تصافَعُوابالقرعِ فِي زَمن القشُورِ
أسِفوا عَلَيَّ لأنهمْحَضَرُوا وَلم أكُ فِي الحضورِ
لَوْ كنتُ ثمّ لقيل هَلْمنْ آخذٍ بيدِ الضريرِ
(وَلَقَد دخلت على الصّديق الْبَيْت فِي الْيَوْم المطير ...)
متشمراً متبختِراًللصفع بالدَّلوِ الْكَبِير
فأدرت حِين تبَادرُوادلوي فَكَانَ على المدير
يَا للرجالِ تَصَافعوافالصفعُ مفتاحُ السرورِ
هُوَ فِي الْمجَالِس كالبخوروكالقلائدِ فِي النحورِ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَله قصيدة طَوِيلَة مَشْهُورَة أَولهَا
وقوققى وقوققىهَدِيَّة فِي طبقِ
أما ترَوْنَ بَيْنكُمتيْساً طَوِيل الْعُنُق) // من مجزوء الرجز //
وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَتِسْعين وثلثمائة
إِذا مَا نهى النَّاهي فلَج بِي الْهوىأصاختْ إِلَى الواشي فلَجَّ بهَا الهجْرُ
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل فِي الْفَتْح بن خاقَان أَولهَا
مَتى لَاحَ برقٌ أَو بدا طللٌ قفرُجرى مُسْتَهِلٌّ لَا بطىء وَلَا نَزْرُ
وَمَا الشوق إِلَّا لوعةٌ بعد لوعةٍوغُزْر من الآماق تتبعُها غزرُ
فَلَا تذكرا عهْدَ التصابي فَإِنَّهُتقضَّي وَلم يشعرْ بِهِ ذَلِك الْعَصْر
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
هَل الْعَيْش إِلَّا أَن تساعفنا النَّوَىبوَصْل سُعَاد أَو يساعدَنا الدهرُ
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
على أَنَّهَا مَا عِنْدهَا لمُوَاصِلٍوصالٌ وَلَا عَنْهَا لمصطبرٍ صبرُ
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا فِي المخلص
لعمرَّكَ مَا الدُّنْيَا بناقصة الْجَدَاإِذا بقىَ الفَتحُ بن خاقَان والقطر) // الطَّوِيل //
وَمعنى أصاخت استمعت والواشي النمام الَّذِي يشي حَدِيثه ويزينه وَالشَّاهِد فِيهِ المزاوجة وَهِي أَن يزاوج الْمُتَكَلّم بَين مَعْنيين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فَهُنَا زواج بَين نهي الناهي وإصاختها إِلَى الواشي الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي أَن يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا لجاج شَيْء
وَمثله قَوْله أَيْضا
إِذا احتربت يَوْمًا فَفَاضَتْ دماؤُهاتذكرت الْقُرْبَى فَفَاضَتْ دموعُها) // الطَّوِيل //
فزاوج بَين الاحتراب وتذكر الْقُرْبَى الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي ترَتّب فيضان شَيْء عَلَيْهِمَا
وَمن المزاوجة قَول أبي تَمام
وَكُنَّا جمعيا شَرِيكي عنانرضيعى لبان خليلى صفاء) // المتقارب //
وَفِي معنى صدر الْبَيْت قَول أبي نواس
دَعْ عَنْكَ لومي فَإِن اللَّوْمَ إغراءُودَاوِنِي بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن زُرَيْق الْبَغْدَادِيّ
لَا تَعْذِليه فإنَّ العذل يُولِعُهقد قلتِ حَقَّاً وَلَكِن لَيْسَ يسمعهُ) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن شرف القيرواني
قلْ للعذول لَو اطَّلَعت على الَّذِيعاينتهُ لعناكَ مَا يعنيني
أتصدُّني أم للغرَام ترُدُّنيوتلومني فِي الحبّ أمْ تُغْرِينِي
دَعنِي فلستَ مُعَاقباً بجنايتِيإِذْ ليسَ دينكَ لي وَلَا لَك ديني) // الْكَامِل //
وَقَول الصابي
أَيهَا اللائم والمضيق صَدْرِيلَا تلمني فكثرةُ اللوم تُغْرِي
قَدْ أقامَ القَوَامُ حجَّة عشقيوأبانَ العذارُ فِي الحبّ عُذْري) // الْخَفِيف //
قِفْ بالديار الَّتِي لم يعفها القدمُبلىَ وغيرَها الأرواحُ والدِّيَمُ
الْبَيْت من الْبَسِيط وَهُوَ أول قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بهَا هرم بن سِنَان وَبعده
لَا الدارُ غيرَها بعد ُالأنيسُ ولَابالدارِ لَو كَلَّمَتْ ذَا حَاجَة صممُ
دارٌ لأسماء بالغمرَين ماثلةٌكالوحي لي لَهَا من أَهلهَا أرِمُ
يَقُول مِنْهَا فِي مدحه
إِن الْبَخِيل ملوم حَيْثُ كَانَ ولكنّالجوادَ على علاته هرم
هُوَ الجوادُ الَّذِي يعطيكَ نائلهُعفوا ويظلمُ أَحْيَانًا فيظَّلِمُ
فإِن أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍيقولُ لَا غَائِب مَالِي وَلَا حرم) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة
والأرواح جمع ريح وَيجمع على أرياح أَيْضا ورياح وريح بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء والديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الرُّجُوع وَهُوَ الْعود إِلَى الْكَلَام السَّابِق بِالنَّقْضِ والإبطال لنكتة فَهُنَا دلّ صدر الْبَيْت على أَن تطاول الزَّمَان وتقادم الْعَهْد لم يعف الديار ثمَّ عَاد إِلَيْهِ ونقضه فِي عجز الْبَيْت بِأَنَّهُ قد غيرتها الرِّيَاح والأمطار لنكتة وَهِي هُنَا إِظْهَار الكآبة والحزن والحيرة والدهش كَأَنَّهُ أخبر أَولا بِمَا لم يتَحَقَّق ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ عقله وأفاق بعض الْإِفَاقَة فنقض كَلَامه السَّابِق
وَمثله قَول الشَّاعِر
(فأفٍّ لهَذَا الدَّهْر لَا بلْ لأهلهِ ...) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن الطثرية
أليسَ قَلِيلا نظرةٌ إِن نظرتهاإِلَيْك وكلاّ ليسَ مِنْك مِنْك قَلِيل) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْبَيْدَاء
ووالي انتصارٌ إِن غدَا الدهرُ جائراًعليّ بلَى إِن كَانَ من عندكَ النصرُ) // الطَّوِيل //
وَقَول المتنبي
لِجنِّيَّةٍ أم غادةٍ رُفعَ السجفُلِوَحشيةٍ لاما لوحشية شنف) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ فِي شمس الْمَعَالِي قَابُوس بن وشكمير صَاحب جرجان
لم يبْق فِي الأَرْض من شَيْء أهابُ لهُفَلِمْ أهاب انكسار الجفن ذِي السقمِ
أسْتَغْفر الله من قولي غلطتُ بلىَأهابُ شمسُ الْمَعَالِي أمة الْأُمَم) // الْبَسِيط //
وَله فِيهِ أَيْضا
إذَا مَا ظمئتُ إِلَى ريقهِجعلتُ المدامَةَ منهُ بديلَا
وأينَ المدامةُ من ريقهِوَلَكِن أُعللُ قلبا عليلا) // المتقارب //
وبديع قَول السرواندي
كالبدر بلْ كَالشَّمْسِ بلْ ككليهماكالليث بلْ كالغيث هطالِ الديم) // الْكَامِل //
وَمَا ألطف قَول ابْن سناء الْملك
ومليةٍ بالْحسنِ يسخرُ وجههَابالبدر يهزأ رِيقهَا بالقَرْقَفِ
لَا أرتضي بالشمس تَشْبِيها لَهَاوالبدرِ بل لَا أكتفي بالمكتفي) // الْكَامِل //
وَهُوَ من قَول ابْن المعتز
واللهِ لَا كلمتها لَو أَنَّهَاكالبدر أَو كَالشَّمْسِ أَو كالمكتفى) // الْكَامِل //
إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قومرعيناه وَإِن كَانُوا غضابا
نسب غَالب شارخي التَّلْخِيص هَذَا الْبَيْت لجرير وَهُوَ من قصيدة من الوافر أَولهَا
أقلي اللومَ عاذِلَ والعتابَاوَقَوْلِي إِن أصبتُ لَقد أصابَا
أجدَّك مَا تذكر عهدِ نجدٍوحَيّاً طالما انتظروا الإيابَا
بلىَ فارفضَّ دمْعُكَ غير نَزْرٍكَمَا عَيَّنْتَ بالسرَب الطبابَا
وهاجَ الْبَرْق ليلةَ أذرعاتٍهوى مَا تَسْتَطِيع لهُ طلابا) // الوافر //
وَهِي طَوِيلَة وَالسَّمَاء الْغَيْث
وَنسبه الْمفضل فِي اختياراته لمعاوية بن مَالك بن جَعْفَر معود الْحُكَمَاء وَسَاقه فِي قصيدة طَوِيلَة أَولهَا
أجدّ القلبُ من سلمى اجتنابَاوأقصرَ بعد مَا شابَتْ وشابَا
وشابَ لِدَاتهُ وعدلنَ عنهُكَمَا أنضيتُ من لُبْسٍ ثيابَا
فَإِن يكُ نبلها طاشتْ ونبليفقد نرمي بهَا حقباً صيابا
فتصطادُ الرجالَ إذَا رمتهمْوأصطادُ المخبأةَ الكعابَا
مِنْهَا
وكنتُ إذَا الْعَظِيمَة أفزعَتْهُمْنهضتُ وَلَا أدبُّ لَهَا دبابَا
بحمدِ الله ثمَّ عَطاء قَومٍيفكونَ الغنائمَ والرقابَا
إذَا نزل السَّمَاء بِأَرْض قومٍرَعيناهُ وَإِن كَانُوا غضابا
بِكلّ مُقَلصٍ عَبْلٍ شَوَاهُإذَا وُضعتْ أعنتهنّ ثابا) // الوافر //
وَيدل على أَن هَذَا الْبَيْت من هَذِه القصيدة أَنه لم يُوجد فِي قصيدة جرير على اخْتِلَاف رُوَاة ديوانه
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِخْدَام وَهُوَ أَن يُرَاد بلفظٍ لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا ثمَّ يُرَاد بضميره الآخر أَو يُرَاد بِأحد ضميريه أَحدهمَا ثمَّ يُرَاد بِالْآخرِ الآخر فَالْأول كَمَا فِي الْبَيْت هُنَا فَإِنَّهُ أَرَادَ بالسماء الْغَيْث وبالضمير الرَّاجِع إِلَيْهِ من رعيناه النبت
وَجَرِير هُوَ ابْن عَطِيَّة بن الخطفي وَهُوَ لقبه واسْمه حُذَيْفَة بن بدر بن سَلمَة بن عَوْف بن كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم ابْن مرّة يَنْتَهِي نسبه لنزار ويكنى أَبَا حزرة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي وَفتح الرَّاء وَبعدهَا هَاء سَاكِنة وَهِي الْمرة الْوَاحِدَة من الحزر
هُوَ والفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الْإِسْلَام الَّذين لم يدركوا الْجَاهِلِيَّة جَمِيعًا ومختلفٌ فِي أَيهمْ الْمُقدم وَلم يبْق أحد من شعراء عصرهم إِلَّا تعرض لَهُم فافتضح وَسقط
وَكَانَ أَبُو عَمْرو يشبه جَرِيرًا بالأعشى والفرزدق بزهير والأخطل بالنابغة
وَقد حكم مَرْوَان بن أبي حَفْصَة بَين الثَّلَاثَة بقوله
ذهب الفرَزْدقُ بالفخار وَإِنَّمَاخلو الْكَلَام ومرهُ لجرير
وَلَقَد هجا فأمَضَّ أَخطلُ تغلبٍوحَوَى الُّلهى بمديحه المشهورِ
كلُّ الثلاثةِ قد أبر بمدحه بمدحهِوهجاؤُه قد سارَ كلَّ مسيرِ) // الْكَامِل //
فَهُوَ كَمَا ترَاهُ حكم للفرزدق بالفخار والأخطل بالمدح والهجاء وبجميع فنون الشّعْر لجرير
وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء بن جرير الْعَنْبَري وَكَانَ شَيخا قد جَالس النَّاس إِذا لم يَجِيء الأخطل سَابِقًا فهر سكيتٌ والفرزدق لَا يَجِيء سَابِقًا وَلَا سكيتاً وَجَرِير يَجِيء سَابِقًا ومصلياً وسكيتاً
وَحدث مولى لبني هَاشم قَالَ امترى أهل الْمجْلس فِي جرير والفرزدق أَيهمَا
أشعر فَدخلت على الفرزدق فَمَا سَأَلَني عَن شَيْء حَتَّى نَادَى يَا نوار أدْركْت برنيتك يَا نوار قَالَت قد فعلت أَو كَادَت قَالَ فابعثي بدرهم فاشتري لَحْمًا فَفعلت وَجعلت تشرحه وتلقيه على النَّار وَيَأْكُل ثمَّ قَالَ هَات برنيتك فَشرب قدحاً ثمَّ ناولني وَشرب آخر ثمَّ ناولني ثمَّ قَالَ هَات حَاجَتك يَا ابْن أخي فَأَخْبَرته فَقَالَ أعن ابْن الخطفي تَسْأَلنِي ثمَّ تنفس حَتَّى انشقت حيازيمه ثمَّ قَالَ قَاتله الله فَمَا أحسن نَاجَيْته وأشرد قافيته وَالله لَو تَرَكُوهُ لأبكى الْعَجُوز على شبابها والشابة على أحبابها وَلَكنهُمْ هروه فوجدوه عِنْد الهراش نابحاً وَعند الْجد قادحاً وَلَقَد قَالَ بَيْتا لِأَن أكون قلته أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ
إِذا غضِبت عَلَيْك بَنو تَمِيملقِيت القومَ كلهمُ غضابا) // الوافر //
وَقَالَ إِسْحَاق بن يحيى بن طَلْحَة قدم علينا جرير الْمَدِينَة فحشدنا لَهُ فَبينا نَحن عِنْده ذَات يَوْم إِذْ قَامَ لِحَاجَتِهِ فجَاء الْأَحْوَص فَقَالَ أَيْن هَذَا فَقُلْنَا قَامَ آنِفا مَا تُرِيدُ مِنْهُ قَالَ أخزيه وَالله إِن الفرزدق لأشعر مِنْهُ وأشرف فَأقبل جرير علينا وَقَالَ من الرجل قُلْنَا الْأَحْوَص بن مُحَمَّد بن عَاصِم بن ثَابت ابْن أبي الْأَفْلَح قَالَ هَذَا الْخَبيث بن الطّيب ثمَّ أقبل عَلَيْهِ فَقَالَ قد قلت
يقر بعيني مَا يقر بِعَينهَاوَأحسن شَيْء مَا بِهِ الْعين قرت) // الطَّوِيل //
فَإِنَّهُ يقر بِعَينهَا أَن يدْخل فِيهَا مثل ذِرَاع الْبكر أفيقر ذَلِك بِعَيْنِك قَالَ وَكَانَ الْأَحْوَص يَرْمِي بالأبنة فَانْصَرف وَأرْسل إِلَيْهِ بِتَمْر وَفَاكِهَة
وَكَانَ راعي الْإِبِل الشَّاعِر يقْضِي للفرزدق على جرير ويفضله وَكَانَ راعي الْإِبِل قد ضخم أمره وَكَانَ من أشعر النَّاس فَلَمَّا أَكثر من ذَلِك خرج جرير إِلَى رجال من قومه فَقَالَ هَل تعْجبُونَ لهَذَا الرجل الَّذِي يقْضِي للفرزدق عَليّ وَهُوَ يهجو قومه وَأَنا أمدحهم قَالَ جرير فَضربت رَأْيِي فِيهِ ثمَّ خرج جرير ذَات يَوْم يمشي وَلم يركب دَابَّة وَقَالَ وَالله مَا يسرني أَن يعلم أحد وَكَانَ لراعي الْإِبِل والفرزدق وجلسائهما حَلقَة بالمربد بِالْبَصْرَةِ يَجْلِسُونَ فِيهَا قَالَ فَخرجت أتعرض إِلَيْهِ لعَلي أَلْقَاهُ على حياله حَيْثُ كنت أرَاهُ يمر إِذا انْصَرف من مَجْلِسه وَمَا يسرني أَن يعلم أحد حَتَّى إِذا هُوَ قد مر على بغلة لَهُ وَابْنه جندل يسير وَرَاءه على مهر لَهُ أحوى مَحْذُوف الذَّنب وإنسان يمشي مَعَه يسْأَله عَن بعض النسيب فَلَمَّا استقبلته قلت مرْحَبًا بك يَا أَبَا جندل وَضربت بشمالي على معرفَة بغلته ثمَّ قلت لَهُ يَا أَبَا جندل إِن قَوْلك يستمع وَإنَّك تفضل الفرزدق عَليّ تَفْضِيلًا قبيحا وَأَنا أمدح قَوْمك وَهُوَ يهجوهم وَهُوَ ابْن عمي دُونك وَيَكْفِيك عَن ذَلِك إِذْ ذكرنَا أَن تَقول كِلَاهُمَا شَاعِر كريم وَلَا تحْتَمل مني وَلَا مِنْهُ لائمة قَالَ فَبينا أَنا مَعَه وَهُوَ كَذَلِك وَاقِفًا عَليّ وَمَا رد عَليّ بذلك شَيْئا حَتَّى لحق ابْنه جندل فَرفع كرمانية مَعَه فَضرب بهَا عجز بغلته ثمَّ قَالَ لَا أَرَاك وَاقِفًا على كلب من كُلَيْب كَأَنَّك تخشى مِنْهُ شرا أَو ترجو مِنْهُ خيرا وَضرب البغلة ضَرْبَة فرمحتني رمحة وَقعت مِنْهَا قلنسوتي فوَاللَّه مَا عرج عَليّ الرَّاعِي فَيَقُول سَفِيه عوى يَعْنِي جندلاً ابْنه وَلَكِن لَا وَالله مَا عاج عَليّ فَأخذت قلنسوتي فمسحتها ثمَّ أعدتها على رَأْسِي ثمَّ قلت
أجندلُ مَا تقولُ بَنو نميرٍإِذا مَا الأيْرُ فِي استِ أبيكِ غابَا) // الوافر //
فَسمِعت الرَّاعِي قَالَ لِابْنِهِ أما وَالله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة قَالَ جرير وَلَا وَالله مَا القلنسوة بأغيظ أمره لي لَو كَانَ عاج عَليّ فَانْصَرف جرير غَضْبَان حَتَّى إِذا صلى الْعشَاء ومنزله فِي علية لَهُ قَالَ ارْفَعُوا لي باطية من نَبِيذ وأسرجوا لي فأسرجوا لَهُ وأتوه بباطية من نَبِيذ قَالَ فَجعل يهينم فَسمِعت صَوته عَجُوز فِي الدَّار فاطلعت فِي الدرجَة فَنَظَرت إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ يحبو على الْفراش عُريَانا لما هُوَ فِيهِ فانحدرت فَقَالَت ضيفكم مَجْنُون رَأَيْت مِنْهُ كَذَا وَكَذَا فَقَالُوا لَهَا اذهبي لطيتك فَنحْن أعلم بِهِ وَبِمَا يمارس فَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى كَانَ السحر ثمَّ إِذا هُوَ يكبر قد قَالَهَا ثَمَانِينَ بَيْتا يهجو بني نمير فَلَمَّا خَتمهَا بقوله
فغض الطّرف إِنَّك من نميرفَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا
كبر ثمَّ قَالَ أخزيته وَرب الْكَعْبَة ثمَّ اصبح حَتَّى علم أَن النَّاس قد أخذُوا مجَالِسهمْ بالمربد وَكَانَ يعرف مَجْلِسه ومجلس الفرزدق دَعَا بدهن فادهن وكف رَأسه وَكَانَ حسن الشّعْر ثمَّ قَالَ يَا غُلَام أَسْرج لي فأسرج لَهُ حصاناً ثمَّ قصد مجلسهم حَتَّى إِذا كَانَ موقع السَّلَام قَالَ يَا غُلَام وَلم يسلم قل لِعبيد بَعَثْتُك نسوتك تكسبهن المَال بالعراق أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لترجعن إلَيْهِنَّ بميرة تسوءهن وَلَا تسرهن ثمَّ انْدفع فِيهَا فأنشدها فَنَكس الفرزدق وراعى الْإِبِل وأزم الْقَوْم حَتَّى إِذا فرغ مِنْهَا وَسَار وثب راعي الْإِبِل ساعتئذ فَركب بغلته وَبشر وعر وخلا الْمجْلس حَتَّى أوفى إِلَى الْمنزل الَّذِي ينزله ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه ركابكم ركابكم فَلَيْسَ لكم هُنَا مقَام فضحكم وَالله جرير فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم ذَاك شؤمك وشؤم ابْنك قَالَ فَمَا كَانَ إِلَّا ترحلهم فَسَارُوا إِلَى أهلهم سيراً مَا ساره أحد وهم بالشريف وَهُوَ أَعلَى دَار بني نمير فَيحلف بِاللَّه راعي الْإِبِل إِنَّا وجدنَا فِي أهلنا
(فغض الطّرف إِنَّك من نُميرٍ ...)
وَأقسم بِاللَّه مَا بلغه إنسي قطّ وَإِن لجرير لأشياعاً من الْجِنّ فتشاءمت بِهِ بَنو نمير وسبوه وَابْنه فهم يتشاءمون بِهِ إِلَى الْآن
وَحدث أَبُو عُبَيْدَة قَالَ التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فَقَالَ الفرزدق لجرير
فإِنك لاقٍ بالمنازل من مِنىًفَخَاراً فخبرني بمَنْ أنتَ فاخر) // الطَّوِيل //
قَالَ لَهُ جرير لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك قَالَ فَكَانَ أَصْحَابنَا يستحسنون هَذَا الْجَواب من جرير ويتعجبون مِنْهُ
وَعَن الْعُتْبِي قَالَ قَالَ جرير مَا عشقت قطّ وَلَو عشقت لنسبت نسيباً فتسمعه الْعَجُوز فتبكي على مَا فاتها من شبابها وَإِنِّي لأروي من الرجز أَمْثَال آثَار الْخَيل فِي الثرى وَلَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَن يستفزغني لأكثرت مِنْهُ
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ رَأَتْ أم جرير وَهِي حَامِل بِهِ كَأَنَّهَا ولدت حبلاً من شعر أسود فَلَمَّا خرج مِنْهَا جعل ينزو فَيَقَع فِي عنق هَذَا فيقتله وَفِي عنق هَذَا فيخنقه حَتَّى فعل ذَلِك بِرِجَال كثيرين فانتبهت فزعة فأولت الرُّؤْيَا فَقيل لَهَا تلدين غُلَاما أسود شَاعِرًا ذَا شدَّة وَشر وشكيمة وبلاء على النَّاس فَلَمَّا وَلدته سمته جَرِيرًا باسم الْحَبل الَّذِي رَأَتْ أَنه خرج مِنْهَا قَالَ والجرير الْحَبل
وَحدث بِلَال بن جرير أَن رجلا قَالَ لجرير من أشعر النَّاس قَالَ قُم حَتَّى أعرفك الْجَواب فَأخذ بِيَدِهِ وَجَاء بِهِ إِلَى أَبِيه عَطِيَّة وَقد أَخذ عَنْزًا لَهُ فاعتقلها وَجعل يمص ضرْعهَا فصاح بِهِ اخْرُج يَا أَبَت فَخرج شيخ دميم رث الْهَيْئَة وَقد سَالَ لبن العنز على لحيته فَقَالَ أَتَرَى هَذَا قَالَ نعم قَالَ أَو تعرفه قَالَ لَا قَالَ هَذَا أبي أفتدري لم كَانَ يشرب لبن العنز قلت لَا قَالَ مَخَافَة أَن يسمع صَوت الْحَلب فيطلب مِنْهُ لبن ثمَّ قَالَ أشعر النَّاس
من فاخر بِمثل هَذَا الْأَب ثَمَانِينَ شَاعِرًا وقارعهم بِهِ فَغَلَبَهُمْ جَمِيعًا
وَحدث الْمَدَائِنِي قَالَ كَانَ جرير من أعق النَّاس بِأَبِيهِ وَكَانَ ابْنه بِلَال أعق النَّاس بِهِ فراجع جرير بِلَالًا الْكَلَام فَقَالَ لَهُ بِلَال الْكَاذِب مني ومنك ناك أمه فَأَقْبَلت أمه عَلَيْهِ فَقَالَت لَهُ يَا عَدو الله أَتَقول هَذَا لأَبِيك فَقَالَ جرير دعيه فوَاللَّه لكَأَنِّي أسمعها وَأَنا أقولها لأبي
وَنَظِير ذَلِك مَا حكى عَن يُونُس بن عبد الله الْخياط أَنه مر بِهِ رجل وَهُوَ يعصر حلق أَبِيه وَكَانَ عاقاً بِهِ فَقَالَ لَهُ وَيحك أتفعل هَذَا بأبيك وخلصه من يَده ثمَّ أقبل على الْأَب يعزيه ويسكنه فَقَالَ لَهُ الْأَب أخي لَا تلمه وَاعْلَم أَنه ابْني حَقًا وَالله لقد خنقت أبي فِي هَذَا الْموضع الَّذِي خنقني فِيهِ فَانْصَرف الرجل وَهُوَ يضْحك ولأبيه يَقُول
مَا زَالَ بِي مَا زَالَ بِيطَعْنُ أبي فِي النسبِ
حَتَّى تربيتُ وَحَتَّىسَاءَ ظَنِّي بأبى) // الرجز //
وَنَشَأ ليونس ولد يُقَال لَهُ دُحَيْم فَكَانَ أعق النَّاس بِهِ فَقَالَ يُونُس فِيهِ
جلا دُحيمٌ عماية الريبِوالشكَّ مني والظنَّ فِي نسبي
(مَا زَالَ بِي الطن والتشكك حَتَّى عقتى مثل مَا عققت أبي ...) // المنسرح //
وَقَالَ يُونُس بن عبد الله الْخياط جِئْت يَوْمًا إِلَى أبي وَهُوَ جَالس وَعِنْده أَصْحَاب لَهُ فوقفت عَلَيْهِم لأغيظه وَقلت أَلا أنْشدكُمْ شعرًا قلته بالْأَمْس قَالُوا بلَى فأنشدتهم
يَا سائليَ مَن أَنا أَو مَن يناسبُنيأَنا الَّذِي لَا لَهُ أصلٌ وَلَا نسبُ
الْكَلْب يختال فَخْراً حِين يُبْصرنيوَالْكَلب أكرمُ مني حِين ينتسب
لَو قَالَ لي النَّاس طرّاً أَنْت أَلأمنامَا وهمَ النَّاس فِي ذاكم وَلَا كذبُوا) // الْبَسِيط //
قَالَ فَوَثَبَ إِلَى أبي ليضربني وعدوت من بَين يَدَيْهِ فَجعل يَشْتمنِي وَأَصْحَابه يَضْحَكُونَ
رَجَعَ إِلَى بَقِيَّة أَخْبَار جرير
حدث أَبُو العراف قَالَ قَالَ الْحجَّاج لجرير والفرزدق وَهُوَ فِي قصره بجرين الْبَصْرَة ائتياني بلباس أبيكما فِي الْجَاهِلِيَّة فَلبس الفرزدق الديباج والخز وَقعد فِي قبَّة وشاور جرير دهاة بني يَرْبُوع فَقَالُوا لَهُ مَا لِبَاس آبَائِنَا إِلَّا الْحَدِيد فَلبس جرير درعاً وتقلد سَيْفا وَأخذ رمحاً وَركب فرسا لعباد بن الْحصين يُقَال لَهُ المنحاز وَأَقْبل فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا من بني يَرْبُوع وَجَاء الفرزدق فِي هيبته فَقَالَ جرير
لبست سلاحي والفرزدق لعبةعَلَيْهِ وشاحاً كُرَّجٍ وجلاجلُهْ
أعِدَّ مَعَ الْحلِيّ المَلَابَ فَإِنَّمَاجرير لكم بعل وانتم حلائله) // الطَّوِيل //
ثمَّ رجعا فَوقف جرير فِي مَقْبرَة بني حصن ووقف الفرزدق فِي المربد ونعى الفرزدق إِلَى المُهَاجر بن عبد الله وَجَرِير عِنْده فَقَالَ
مَاتَ الفرزدق بَعْدَمَا جدعنهلَيْت الفرزدق كَانَ عَاشَ قَلِيلا) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ المُهَاجر بئس لعمر الله مَا قلت فِي ابْن عمك أتهجو مَيتا أما وَالله لَو رثيته لَكُنْت أكْرم الْعَرَب وأشعرها فَقَالَ إِن رأى الْأَمِير أَن يكتمها عَليّ فَإِنَّهَا سوءة ثمَّ قَالَ من وقته الْبَيْتَيْنِ السَّابِقين فِي تَرْجَمَة الفرزدق فِي شَوَاهِد نجمنا وَاحِدًا وكل وَاحِد منا مَشْغُول بِصَاحِبِهِ وقلما مَاتَ ضد أَو صديق إِلَّا تبعه صَاحبه فَكَانَ كَذَلِك مَاتَ بعد سنة
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وَكَانَت وَفَاته بِالْيَمَامَةِ وَعمر نيفاً وَثَمَانِينَ سنة وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف إِن أمه حملت بِهِ سَبْعَة أشهر
فَسقَى اْلغَضَا والساكِنِيهِ وَإِن هُمُشبُّوهُ بينَ جوانِحٍ وقلوبِ
الْبَيْت للبحتري وَهَكَذَا هُوَ فِي ديوانه وَإِن كَانَ فِي كثير من نسخ التَّلْخِيص بل وَفِي كثير من كتب هَذَا الْفَنّ بِلَفْظ بَين جوانحي وضلوعي وَهُوَ من قصيدة من الْكَامِل أَولهَا
كم بالكثيب من اعْتِرَاض كثيبِوقوام غصنٍ فِي الثِّيَاب رطيبِ
تأبى المنازلُ أَن تجيبَ ومِن جَوَىيَوْم الديارِ دعوتُ غير مُجيب) // الْكَامِل //
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة
والغضا شجر مَعْرُوف واحدته غضاة وَأَرْض غضيانة كثيرته
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِخْدَام أَيْضا فَإِنَّهُ أَرَادَ بِأحد الضميرين الراجعين إِلَى الغضا وَهُوَ الْمَجْرُور فِي الساكنيه الْمَكَان وَهُوَ ارْض لبني كلاب وواد بِنَجْد وبالآخر وَهُوَ الْمَنْصُوب فِي شبوه النَّار أَي أوقدوا فِي جوانحي نَار الغضا يَعْنِي نَار الْهوى الَّتِي تشبه نَار الغضا وَخص الغضا دون غَيره لِأَن جمره بطيء الانطفاء
وَقد استخدم كثير من الشُّعَرَاء لَفْظَة الغضا فَقَالَ ابْن أبي حَصِينَة
أما وَالَّذِي حَجَّ الملَبُّونَ بَيتهُفمِنْ ساجِدٍ لله فِيهِ وراكعِ
لقد جَرَّعتني كأس بَيْنٍ مَرِيرةًمن البُعْد سلمى بَين تلكَ الأجارع
وحَلَّتْ بأكنافِ الغَضَا فَكَأَنَّمَاحَشَتْ نارهُ بَين الحشى والأضالع) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن جَابر الأندلسي
إنَّ الغَضَا لسْتُ أنسى أهلَهُ فَهُمُشَبُّوهُ بَين ضلوعي يومَ بيْنِهمِ
جَرَى العقيق بقلبي بَعْدَما رَحَلواوَلَو جَرَى من دموع الْعين لم أُلَمِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ ابْن قلاقس الاسكندري
حَلتْ مطاياهم بمُلْتَفِّ الغضافَكَأَنَّمَا شَبُّوهُ فِي الأكباد) // الْكَامِل //
وبديع قَول الْبَدْر بن لُؤْلُؤ الذَّهَبِيّ
أحمَّامَةَ الْوَادي بشَرْقيِّ الغضاإِن كْنِت مُسْعِدَة الكئيب فَرَجعِي
وَلَقَد تَقَاسمنا الغضا فَغُصُونُهُفِي راحَتَيْكِ وجمْرُهُ فِي أضلُعي) // الْكَامِل //
ولمؤلفه من قصيدة
وحقِّكِ إِنِّي للرِّياح لحاسِدٌفَفِي كلِّ حِين بالأحبةِ تخطُرُ
تمرُّ الصَّبا عفوا على سَاكِني الغضاوَفِي أضلعي نيرانهُ تَتسَعَّرُ
فتذكِرني عهْدَ العقيق وأدمُعيتُسَاقطهُ وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكَرُ
ويورِث عَيْني السَّفْحَ حَتَّى ترى بِهِمَعَالم بالأحْبَابِ تزهو وتزهر) // الطَّوِيل //
وَمن الِاسْتِخْدَام البديع قَول المعري يرثي فَقِيها حنفيا
(وفقيهٌ ألفاظُهُ شِدْنَ للنُّعمان مَا لم يَشدْهُ شعرُ زيادِ ...) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا يصف درعا
(نثرةٌ من ضَمَانهَا للقنا الخطي عِنْد اللِّقَاء نثر الكعوب ...)
(مثل وَشَيْء الْوَلِيد لانت إِن كَانَت من الصُّنع مثلَ وشي حبيب ...)
(تِلْكَ ماذية وَمَا لذبابِ السيفِ والصيفِ عِنْدهَا من نَصيبِ ...) // الْخَفِيف //
فاستخدم لفظ الذُّبَاب فِي معنييه الأول طرف السَّيْف وَالثَّانِي الطَّائِر الْمَعْرُوف
وَلابْن جَابر الأندلسي فِيهِ
فِي القَلب من حبكُمْ بَدْرٌ أَقَامَ بِهِفالطّرّفُ يزدادُ نورا حينَ يُبْصِرُهُ
تَشَابه العقد حُسْناً فَوقَ لَبتهِوالثَّغْرُ مِنْهُ إِذا مَا لَاحَ جوهره) // الْبَسِيط //
وَمن ظريف الِاسْتِخْدَام قَول السراج الْوراق
دعِ الهَويني وانتَصبْ واكتَسبْواكدَح فنَفسُ الْمَرْء كدَّاحهْ
وَكن عَن الراحةِ فِي مَعْزِلٍفالصَّفْعُ مَوْجُود مَعَ الرَّاحَة) // السَّرِيع //
استخدم الرَّاحَة فِي معنييها الأول من الاسْتِرَاحَة وَالثَّانِي من الْيَد
وبديع قَول الصفى الحلى
لَئِن لم أُبرقع بالحيا وجْهَ عفتيفَلَا أَشْبَهتهُ راحتي فِي التكرمِ
وَلَا كنت مِمَّن يكسر الجفن فِي الوغىإِذا أَنا لم أغضضه عَن رَأْي محرم) // الطَّوِيل //
وَمن الاستخدامات البديعة قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ يمدح النَّبِي ﷺ
إِذا لم تفض عَيْني العَقيقَ فَلَا رَأَتْمَنازله بالقُرْبِ تبْهى وتبهرُ
وَإِن لم توَاصلْ عادَةَ السفح مُقلتيفَلَا عادها عيشٌ بمغناهُ أَخْضَر) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
سَقى الله أكنافَ الغضا سائلَ الحياوَإِن كنتُ أُسْقي أدمعاً تَتَحَدّرُ
وعيشاً نَضَى عنهُ الزَّمَان بياضَهُوخلّفهُ فِي الرَّأْس يزهر ويزهَرُ
تغيرَ ذَاك اللونُ مَعْ من أُحبُّهُوَمن ذَا الَّذِي يَا عَزُّ لَا يتغيرُ
وَكَانَ الصِّبَا لَيْلًا وكنتُ كَحَالمفيا أسَفي والشيب كالصُّبْحِ يُسْفِرُ
يُعللني تحْتَ العمامَةِ كتْمَهُفَيعتادُ قَلبي جسرة حِين أحْسِرُ
وتنكرني لَيْلَى وَمَا خِلتُ أَنهإِذا وضع الْمَرْء الْعِمَامَة ينكرُ
وَمن الِاسْتِخْدَام أَيْضا قَول الْعَلامَة عمر بن الوردي رَحمَه الله تَعَالَى
وَربَّ غَزالةٍ طَلعتْبِقلبي وَهْوَ مَرعاهَا
نَصبتُ لهَا شِباكاً مِنْلُجينٍ ثمّ صِدْناها
وقالتْ لِي وقدْ صِرْناإِلَى عَينِ قَصَدْناها
بذلْتَ العْينَ فاكْحلهابِطلْعتها ومجراها) // من مجزوء الوافر //
وَمِنْه قَول ابْن مليك رَحمَه الله تَعَالَى
فَكم ردّ مِنْ عَيْنٍ وجادَ بِمثلهاولوْلاهُ مَا ضاءَتْ ولمْ تكُ تَعذُبُ) // الطَّوِيل //
وَقَوله من قصيدة أُخْرَى نبوية
كمْ ردَّ مِنْ عين وجاد بهاوكمضاءَتْ بهِ وَسَقَى بِها منْ صادِي) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول الرشيد الفارقي
إنَّ فِي عيْنيْكِ معْنَىحدَّثَ النَرْجِسُ عنهُ
(ليتَ لِي منْ غُصنهِ سَهماً فَفِي قلبيَ مِنهُ ...) // من مجزوء الرمل //
وَقد أَخذه الشهَاب مَحْمُود وَلم يحسن الْأَخْذ فَقَالَ
نازَعتْ عيناهُ قلبِي حبّةًلم تكُنْ تقْبلُ قَبْلُ الإِنْقِساما
يالقومي هلْ عَلمتُم قبْلهاأنَّ للأعينِ فِي الْقلب سهاما) // الرمل //
كَيْفَ أسْلُو وَأنْتِ حِقْفٌ وَغُصْنٌوغزَالٌ لْحَظاً وقَدَّاً وَرِدْفَا
الْبَيْت من الْخَفِيف وَهُوَ مَنْسُوب لِابْنِ حيوس وَلم أره فِي ديوانه وَلَعَلَّه ابْن حيوس الإشبيلي
والحقف بِكَسْر الْحَاء الرمل الْعَظِيم المستدير
وَالشَّاهِد فِيهِ اللف والنشر وَهُوَ ذكر مُتَعَدد على التَّفْصِيل أَو الْإِجْمَال ثمَّ ذكر مَا لكل وَاحِد من آحَاد المتعدد من غير تعْيين ثِقَة بِأَن السَّامع يرد مَا لكل من آحَاد المتعدد إِلَى مَا هُوَ لَهُ ثمَّ الَّذِي على سَبِيل التَّفْصِيل ضَرْبَان لِأَن النشر إِمَّا على تَرْتِيب اللف وَإِمَّا على غير ترتيبه كَمَا فِي الْبَيْت هُنَا وَهُوَ ظَاهر
وَمِمَّا جَاءَ على التَّرْتِيب قَول ابْن الرُّومِي
آراؤُكمْ وَوُجوهُكمْ وَسيُوفُكمْفِي الحادِثاتِ إذَا دَجوْنَ نُجومُ
فِيها مَعالِم لِلهدَى وَمصابحٌتَجلو الدُّجَى والأُخْرَياتُ رجومُ
وَقَول بَعضهم
ألستَ أنتَ الَّذِي مِن ْوِرْدِ نعمتهِوَوِرْدِ رَاحتهِ أَجني وأغترف) // الْبَسِيط //
وَمَا أبدع قَول ابْن شرف القيرواني
جاوِرْ عَليّاً ولَا تَحْفلْ بِحادثةٍإذَا ادرعيت فلَا تَسألْ عنِ الأسَلِ
سلْ عنهُ وانْطقْ بهِ وانْظرْ إليهِ تَجدْمِلء الْمَسَامِع والأفوَاهِ والمُقلِ) // الْبَسِيط //
(وَقد أَخذه تَاج الدّين الذَّهَبِيّ فَقَالَ
بدْرٌ سمَا للمُجتلي ثَمرٌ نَمَاللمُجتني بَحْرٌ طَما للمُجتدِي
سلْ عنهُ وادْنُ إليهِ واستْمسِكَ تَجدْمِلءَ المسَامِع والنَّواظرِ وَالْيَد) // الْكَامِل //
وَمَا أَزْهَر قَول الْبَهَاء زُهَيْر
ولي فيهُ قلبٌ بالغَرَامِ مقيدٌلهُ خَبَرٌ يرويهِ طرفىَ مطلقَا
ومنْ فرط وجدى فِي لمَاهُ وثغرهِأعللُ قلبِي بالعُذَيْبِ وبالنَّقَا) // الطَّوِيل //
وَمَا أحلى قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ مَعَ زِيَادَة التورية
لَا تخَفْ عَيْلَةً وَلَا تخش فقرايَا كثيرَ المحاسن المختالهْ
لكَ عينٌ وقامةٌ فِي البراياتلكَ غَزَّالةٌ وذى عساله) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا
سألتهُ عَن قومهِ فانْثنىيعجبُ من إسرافِ دَمعي السخِي
وأبصَرَ المسكَ وبدرَ الدُّجىفقالَ ذَا خَالِي وَهَذَا أخي) // السَّرِيع //
وبديع قَول ابْن مكنسة
والسكرُ فِي وجنتهِ وطرفهِيفتحُ وَرْداً ويغض نرجسا) // الرجز //
وَقد جَاءَ اللف والنشر بَين ثَلَاثَة فَأكْثر فَمِنْهُ قَول ابْن حيوس
ومُقَرْطقٍ يَغْنَى النديمُ بوجههِعَن كأسهِ الملأى وَعَن إبريقهِ
فعلُ المدام ولونهَا ومذَاقُهَامن مقلتيهِ ووجنتيه وريقه) // الْكَامِل //
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع