من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
عبد اللطيف البهائي البعلي
فاضلٌ ملء أبراده، جم الفوائد في تحريره وإيراده.
أدبه غض، ومذهبه مبيض.
ولطف طبعه معتدل بين الإفراط والتفريط، وله نثر ونظم حَلَّيا الأجياد والآذان بالتنظيم والتقريط.
هو وإن كان بعليَّ الطينة، فهو دمشقيُّ المدينة.
وردها وعنفوانه زاه وشرخه، وفاقها وقد استمجد في البراعة عفاره ومرخه.
وبها كان تليين خشونته، وتسهيل صعوبته وحزونته.
إلا أنه نازل هماً ممضاً، وتسهيل أسفا للمضاجع مقضاً.
وكان مشارا إليه بالنباهة، مرموقاً أن يتنبَّه حظه بعض انتباهة.
ثم دخل الروم فأسرع البخت إلى إمداده، وتمنَّت سود الحدق لو كانت عوض مداده.
فبقى في ذلك الأفق وهو ملتاح، وكل قلب إلى تودده مرتاح.
ثم ترامى في وسع الفضا، فأصبح فيه كرةً لصولجان القضا.
وما زال حتى نال من حظه أتمه، واستوفى أجله المحتوم ثمة.
فطواه الدهر طي السجل، ومحا آثاره التي تسمو وتجل.
ولقد أوردت له من شعره ما يقضي بجودته المتخير، ويبهر حسنه الفكر فيغدو عليه كالواقف المتحير.
فمن ذلك قوله من فتحية للسلطان محمد، لما أرسل وزيره الفاضل ففتح إيوار، وزند الدولة إذا ذاك وار، وشخص تلاشيها متوار. ونافذ أمرها لمعصم الامتثال سوار.
فحلَّ في ناحيتها بجيشٍ ضاق بهم فضاؤها، وتضعضعت من رحبتهم أعضاؤها.
ودارت بينه وبين الكفار للحرب كؤوس، ترامت منهم بسببها نحو الهلك أنفسٌ ورءوس.
فحامت المنايا عليهم، وغدت ألسنة البيض تتلمَّظ عليهم.
فكأنهم هشيمٌ حصدته ظبا السيوف، وقضت ديون أنفسهم غرماء الحتوف.
ثم افتتح القلعة، وسهل تلك الصعوبة والمنعة.
وتواردت البشائر بأن الله وهب الظفر، وأحاق سوء العذاب بمن كفر.
فعمل البهائي قصيدته هذه وسيرها، وهي قصيدة معمورة ومطلعها:
بالفتح زاد الدِّينُ عزّاً واعْتِلاَواللهُ أعْظَمَ مِنَّةً وتفضُّلاَ
بالنَّصر أنْجز وعدَه سبحانهأعزَّ جندَ المسلمين أُولى الوَلاَ
هبَّوا كما هبَّ النسيمُ إذا سرىيغْتصُّ عُرْضُ الأرض منهم والفَلاَ
في جَحْفلٍ ستروا البسيطةَ كثرةًلم تُلْفِ مثلَهم النواظرُ جَحْفلاَ
أرْبَوْا على التَّعداد حصراً واعتلَوْامن حيث لا أدرِي أواخرَهم ولاَ
فكأنَّ وجهَ الأرض حَلْقةُ خاتمٍبهمُ وماءَ البحر قَطْرٌ أُسِبلاَ
ثبتُوا ثَباتَ الرَّاسياتِ تصبُّراًمن يَلْتقيهمْ يَلْقَ منهم أجْبُلاَ
شاكي السِّلاحِ بكلِّ أبيضَ مِخْذَمٍما شِيَم إلا قد أصاب المقْتلاَ
حتى إذا حَمِىَ الوَطِيس لدى الوغىلم تْلقَ إلا باسلاً مُستبْسِلاَ
أنِفتْ سيوفُهمُ الغُمودَ فلا ترىإلا صَقِيلاً في نَجِيعٍ أنْهلاَ
سالتْ به البَطْحاءُ حتى لا ترىطِرْفاً بغير دمِ الرَِّقاب مُحجَّلاَ
من كلِّ عِلْجٍ ذاهلٍ عن نفسِهإذ لا يرى مَنْأًى ولا مُتحوَّلاَ
مُلِىءَ اللعينُ مخافةً لمَّا رأَىفي الحربِ شدَّتَهم وزاد تَزَلْزُلاَ
فغدا يُنادِى حسرةً وتأسُّفاًيا ويْلتاه العمرُ ضاع سَبَهْلَلاَ
من بعد ما قد شَبَّ نِيرانَ الوغَىبغُرورِه تَعْساً له ما أشْعلاَ
عدَّ الهزيمةَ والفِرارَ غنيمةًأنِفَ الإقامة خوف أن يُستأصَلاَ
أوَ ما يحقُّ له الفرارُ وقد رأىمالا يُطيقِ من الغُزاةِ تحمُّلاَ
جلَب الغُزاةُ بخيْلهم وبرَجْلهمْجَلْباً عليهم ما أشدَّ وأقْتلاَ
فعُلوجُهم جَزْرُ الظُّبا ونساؤُهمأسْرَى تِئُّن تذلُّلا وتهوُّلاَ
تبكي عليهنَّ البَطارِقُ حسرةًكالوُرْقِ في جُنْح الدجى وتمَلْمُلاَ
وبقيَّةُ الأسياف منهم شذِّبواأيْدي سَبَا تخِذُوا الهزيمة مَعْقِلاَ
ما ضَرَّهم لو سالُموا من قبلُ أوأدَّوْا كما شُرِع الخَراجُ تبَذُّلاَ
ما كان قيصرُ أو هِرَقْل وتُبَّعٌأو سيفُ ذِي يَزَنٍ وكسرى أوَّلاَ
وهلُمَّ جَرًّا مثل أدْنى خادمٍلخليفِة الله المعظَّم ذي العُلَى
ملكُ الورى أسَدُ الشَّرَى سامي الذُّرَىحامِي حِمَى الدينِ القويم المَوْئِلاَ
شمسُ المعالي ابن بَجْدَتها الذيقد حلَّ في أوْج السعادة واعْتلَى
ملكٌ علا في المجد أعْلَى رُتبةٍأنِفتْ تكون له الثُّريَّا منزِلاَ
تعْنُوا ملوكُ الأرِض قاطبةً لهأبداً وتسعَى خِيفةً وتذَلُّلاَ
تخْشى سطاهُ الأُسدُ في آجامِهافتذوبُ منه تضاؤُلاً وتغَلْغُلاً
قسَما بطَلْعته ألِيَّةَ صَادقٍفي حَلْفه بَرِّ اليمينِ إذا ائْتلَى
لم تسمحِ الأيامُ قطُّ بمثلِهملِك تعمَّم بالتقى وتسَرْبَلاَ
لم يُحْصِ مادحُه جميلَ صفاتِهكلاَّ ولو أفْنَى القريضَ تسلسُلَا
لم يأْلُ جهداً في الجهاد ولم يزلْيسعَى بإرسالِ الجيوش مُكمَّلَا
في نُصْرة الدين المُبين مجاهداًبَرّاً وبحراً للعساكر مُرسِلَا
عن حَوْمِة الإسلام ذَبَّ عِداتِهوأباد عُبّادَ الصليبِ وزَيَّلاَ
ما زال يْضرَع في الدعاءِ لربِّهسِرّاً وجَهْراً مُجْمِلاً ومفصِّلَا
مُتوجِّها بخُلوص قلبٍ صادقٍفيما انْتحاه تضرُّعاً وتبُّتلَا
فأتْته بُشْرى التح وهو مُلفَّعٌثوبَ السعادة بالجلال مُسَرْبَلَا
مُسْتيقِناً بحُصوله ومؤمِّلامن ربِّه إتْمامَه متوكِّلَا
لا زال تأْتيه البشائرُ دائماأبداً وتخدمه المفاخرُ والعُلَى
وأدامه عَوْنا وغَوْثاً للورىوحَباه ربُّ العرشِ عمراً أطْولَا
بسَمِيِّه خيرِ الأنام محمدٍوالآلِ والصحبِ الكرام ذوِي الولَا
مالاح نجمٌ في السماء لناظرٍوأضاء بدرٌ في الدجى وتهلَّلَا
وله في المدح:
إليك دون الورَى انْتَهى الكرمُومن أيادِيك تهْطِل النِّعَمُ
لن يبُلغ المدحُ فيك غايَتهبل دون مَعْناك تنفَدُ الكلِمُ
أنت الذي تُرتجَى مكارمُهوكم أناسٍ وجودُهم عَدَمُ
أنت الذي الدهرُ دون هِمَّتِهوفوق هامِ السَّما له قدمُ
مَن ذا يُضاهِيك هِمَّةً وعُلاوهل تَساوَى الأنوارُ والظُّلَمُ
طَوْدُ وَقار بالحِلْم مُشتِملٌبحرُ نَوالٍ بالجود مُلتطِمُ
يُخجِل صَوْبَ الغمام نائلُهبل دون هَتَّان كفِّه الدِّيَمُ
أعْتابُه مَأمَنٌ لداخلِهامن كلِّ هَوْلٍ كأنها حَرَمُ
وله أيضاً:
بأيِّ لسانٍ يحصُر العبدُ شكرَ مندَمِى من أيادِيه ولحمِى وأعْظُمِى
ومَن عشتُ دهَراً تحت أكْنافِ ظِلِّهأروح بأفْضالٍ وأغْدُو بأنْعُمِ
وفُزْت بعلمٍ منه عَزَّ اكْتسابُهوذاك لَعَمْرِي حسرةُ المتعلِّمِ
ينزِّهنِي في ظاهرِي وسَرائرِيبإرْشادِه عن كل رَيْبٍ ومأْثَمِ
ويمنْحني مَحْضَ النصيحِة جاهداًيُعلِّمني طُرْقَ العُلى والتَّكرُّمِ
ولولاه مَن عبدُ اللطيف ومَن لهومن يخدِم الأمْجادَ يشْرُفْ ويكرُمِ
وحسبِيَ من شكرِي اعْترافي بفضِلهوتصديقُ قلبي والجوارِح والفمِ
وله أيضاً:
مَعاذَ الوَفا أن يُصبح العبدُ خاليَاعن الشكرِ للمولى الذي قد وفَا لِيَا
وأنْعمَ حتَّى لم يدعْ ليَ مَطلبَاوأنْكَى بما أسْدَى إلىَّ الأعاديَا
وكلُّ الذي أمَّلْتُه من نَوالِهحَظِيتُ به بل فوق ما كنتُ راجِيَا
وفرَّغ عن قلبي سوى حُبِّه الذيتمكَّن في قلبي وأنْعَم بالِيَا
فغايةُ سُؤْلِي في الزمان رِضاؤُهفأقْصى المُنى أن كان عنِّي رَاضيَا
ولي نفسُ حُرٍّ قد أبتْ غيرَ حُبِّهوحاشا لمْثلى أن يُرَى عنه سالِيَا
وقلبٌ إذا ما البرقُ أوْمَض مَوْهِناقدحْتُ به زَنداً من الشوق وارِيَا
تحكَّم فيه حبُّه واشْتياقُهله الحكمُ فْليَقْصِ الذي كان قاضيَا
فلله عيشٌ مَرَّ لي بظِلالِهأجُرُّ به ذيلَ المآربِ ضافِيَا
أرُوح بأفْضالٍ وأغْدُو بأنْعُمٍويمْنحني وِرْدَ المحبَّة صافيَا
وفُزتُ بعلمٍ منه عزَّ اكْتسابُهوأصبحتُ من حَلْىِ الفضائل حالِيَا
إذا ما دجَى بحثٌ وأظلم مُشكلٌأضاء بنور الفكر منه الدياجِيَا
يجول على نُجْبِ الذَّكاءِ بفكْرةٍأَبَتْ في الذي تُبدِيه إلاَّ التَّناهِيَا
يُغادر قدماً ذا الذكاء دقيقُهاولا عجبٌ فالشمسُ تخفِى الدَّرارِيَا
يفُوق على البحر الَخِضمِّ بعلمِهويرْجَح في الحِلم الجبالَ الرَّواسِيَا
يُسابق أجْنادَ الرياحِ إلى الندَىويفضحُ جَدْوَى راحتْيه الغوادِيَا
نظمتُ له عِقْدَ المديح مُنضَّداًجعلتُ مكان الدُّرِّ فيه القوافيَا
فلا زال مَلْحوظاً بعينِ عِنايةٍمن الله في أَوْج المفاخر راقيَا
مدى الدهر مالاحت بُروق لناظرودام على كرِّ الجديدين باقيا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع