من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
رجب بن حجازي المعروف بالحريري الحمصي
هذا رجب، الذي فيه العجب، شاعر ذيق، إلا أن خلقه ضيق.
وعلى قدر ما توسع سعيا، حرم مبرةً ورعيا.
لبذاءة في لسانه، ووحشة ذهبت برونق إنسانه.
يتلذذ بالعيش الضنك، تلذذ الأجرب بالحك.
ولا يرى إلا على جناح طائر، فليس يقر له قرار إلا وله عزيمة سائر.
كأنه الخبر الشرود، أو الوحش المطرود.
وهو باقعة محاجاة، وبائقة مهاجاة.
يتلفت إلى الهجا، تلفت القلوب إلى الرجا.
وله في المجون فنون، عد فيها من أهل الأهواء والفتون.
وأما غيرها من الأشعار والأزجال، فهو فيها كثير التردي قليل المجال.
وقد أثبت له مالاً أراه مخلاً، بل تبوأ للإحسان منزلاً ومحلاً.
فمنه قوله، من قصيدة طويلة مستهلها:
أبَى القلبُ إلا غراماً ووجداًوطَرْفيَ إلا بُكاءً وسُهْدَا
فلم يبرحِ الصبَّ تبْريحُهولا الدمعُ راق ولم يُطْفِ وَقْدَا
فلولا النَّوَى ما ألِفْتُ البكاولا كان بالسُّقم جسمي تردَّى
ولا أُبْتُ أرعَى نجومَ الدجىولا كان عني مَنامِي تَعدَّى
فأوَّاه صبري مضَى لم يعدْوأما اشْتياقي فلم يُحْصَ عَدَّا
ومالي مُعِين سوى أدمعيوقلبٍ لصَدِّ الهوى ما تصدَّى
فلو بالكواكب ما بي هوَتْوإلا على يَذْبُلٍ كان هَدَّا
تُذكِّرني ساجعاتُ الرياضحبيباً ورَبِعا رَبِيعاً ووُدَّا
وما كنتُ أنْسى ولكن تزيدوُلوعِيَ قُرْباً وصبريَ بُعْدَا
رعى الله رَبْعاً نعِمْنا بهوعهداً ألِفْناه حيَّاه عهدَا
فما راقني غيرُه منزِلاًولا طاب عيشا ولا راق وِرْدَا
فلله أيامُ ظَبْيِ اللِّوَىفما كان أحْلَى جَناها وأجْدَى
فيا مُنشدِي دِرْ مُدامَ الهوىودَعْ ذكرَ هندٍ ودع ذكر سُعدَى
ومالي وما لِلْغواني فكمتناسيتُ منهنَّ صَدْراً ونَهْداً
وكرِّر حديثَك عن أغْيَدٍهو الظبيُ والغصنُ لَحْظاً وقَدَّا
وكالبدر في سنه والسناله ناظرٌ مرهف جاز حدَّا
فما رقَّ لي كالصَّفا قلبُهوقد لان عِطْفاً رقيقاً وخَدَّا
إذا قام يُقعده رِدْفُهفلولاه ما قلتُ حُيِّيتُ نَجْدَا
غزالٌ رَبَى في رُبَا جِلَّقٍإذا مارناَ لَحْظُه صاد أُْسَدا
سقى اللهُ وادي دمشق الحَيَاولا زال دَهْراً أَقاحاً ووَرْدَا
ترى نهرَاً ساكناً صارماًوإن هبَّ ريحٌ فقد هبَّ سردَا
فلله مُزْجِي المطايا إذاقطعت الفيافي وَجِيفاً ووَخْدَا
إذا جئت جِلِّقَ وادي المُنىبها فاز من حَلَّ ضيْفاً ووَفْدَا
فسلِّم بُعَيد اسْتلام اليمينِعلى من تسامَى مَقاماً وجْدَا
وقوله من أخرى، أولها:
هل عند ذاك الحبيبِ ما عنديمن الهوى والحنين والوُدِّ
وهل على العهدِ من وثِقتُ بهكما عهِدْنا بذلك العهدِ
وهل درَى ما أصاب مُغرَمَهوما لقِي من وقائعِ البُعْدِ
عدِمتُ صبْري والشوقُ لازمنيلزومَ خالِ المليحِ في الخَدِّ
وروضةٍ قد حرستُها زمناًيا هل ترى كيف غصنُها بعدِي
ونَضْرةُ الورد بعدنا بقيتْأم لا بقاءَ لدولةِ الوردِ
بِتْنا ولا ثالثٌ يراقبناغيرَ ابنةِ الشُّهْد وابنةَ الرَّنْدِ
كصَعْدةٍ للظلام طاعنةٍسِنانُها كوكبٌ لنا يَهْدِي
ومِن نعيمي بحُسن طلعتِهظننتُ أني بجنَّةِ الخُلْدِ
ثمِلتُ من دُرِّ لفْظِه وحَلاَلمَسْمعي كالسُّلاف والشُّهْدِ
إن قلْتُ مولايَ قال مبتسِماًلبَّيْك ماذا تُريد يا عَبْدِي
أشكو سهامَ الجفونِ لي قصَدتْوكدتُ أقْضي بقولِ ذا قَصْدِي
كأن بالسحرِ خمرةً مُزِجتْسُقِيتُ منها فغبتُ عن رُشْدِي
ما كان إلا كبارقٍ ومضَىصَفْوِي وجاء النهارُ بالضِّدِّ
فراع قلبي الصباحُ صارمُهياليْته كان دام في الغِمْدِ
والدهرُ إن راق للأديب فعَنسَهْوٍ وجَلْبُ الهموم عن عَمْدِ
وقوله من أخرى، مطلعها:
لَعمرُك شرحُ أشواقي يطولُوأشْجاني وأفكارِي تجُولُ
وعن صبرِي الجميلِ سألتُ قلبيفقال وأين يا هذا الجميلُ
وها أنا بعده مالي مُقامٌوليس إلى تَلاقينا سبيلُ
وبي ظمَأٌ إلى وِرْدِ التَّلاقيومن جَفْني دَماً دَمْعي يسيلُ
سُقِي زمنُ التَّداني حيث كُنَّاولا كان الرَّقيبُ ولا العَذُولُ
وغصنُ الْبان أجْنِي منه ورداًبأحْداقِي وفي عقلي يمِيلُ
ويُسكرني بدُرٍّ من عقِيقٍفتخجل من شَمائلهِ الشَّمُولُ
رقيقٌ لأن عِطْفا رَقَّ خَصْراًوجار عليَّ ناظرهُ الكحِيلُ
يذكِّرني البُروق له ابْتسامٌويُشْجِيني من الوُرْقِ الهَديلُ
وشِمْت البرقَ في الظلماء سيفاًعلى ضعف الكرى ماضٍ يصولُ
تُرى الأيام تنظِمنا بمصرٍويَحْظَى في بُثَينته جميلُ
تُرَى ما حالُ ذاك البدر بعديأزاهٍ أم كما عنه يقولوا
وليلٍ زارني منه خيالٌسُرِرت به وقد رَقَّ المَلولُ
فأرْشفني مُداما من أقاحٍوجاد بوردِه الخدُّ الأسِيلُ
وقد أنكرتُ فيه بنتَ آسٍفقلتُ الآسُ يَهْواه العليلُ
وعهدي فيه كالمرآة صافٍصَقيلٍ كم به فُتِنتْ عقولُ
وكالروضِ النَّضير فقال هذاسِياجٌ قلتُ كيف لنا دخولُ
فقال الوردُ ليس له بقاءٌوعهد الآسِ باقٍ لا يحُولُ
فقلت الآس بغيةُ أهل مصرٍوراغِبُه بجِلِّقنا قليلُ
رفُقتُ فلم أجدْ للوصلِ أصْلاًوبان الروضُ والظلُّ الظليلُ
وكان له بمصر رفيق خليع، خطف لصٌ عمامته وشج رأسه، فكتب إليه يسليه:
إمامَ الفضل مَن حاز الكرامَهْلرُزْئِك قال طَرْفي للكرَى مَهْ
أقام وقوعُك الأحزانَ عنديوقد شاهدتُ أهوالَ القيامَهْ
فكيف وأنت لي خلٌّ أنيسٌومن دون الورى أهْوَى كلامَهْ
ليالينا بكُم سبقتْ تُحاكِيليالٍ قد تقضَّت في تِهامَهْ
تُدير النظمَ ممزوجاً بنثْرٍفتُسكرنا ولا صِرْف المُدامَهْ
يمينُ اللِّصِ لا كانتْ وشَلَّتْوعن قُربٍ يُرَى من غير هامَهْ
على خطْف العمامة قد تعدَّىولكن سوف تُدركه النَّدامَهْ
ويأكل لحمَه عَضّاً ويبْكيإذا ما الصبحُ قد أبدى ابْتسامَهْ
على شيءٍ إذا مارام بَيْعاًفأعْلَى قيمةً منه القُلامَهْ
ويقرَعُ سِنَّه أسَفاً وغَبْناًوليس يُفيده قطعُ السُّلامَهْ
ويُدْمِي رأسَه قهراً قِصاصاًكما أدْماك لَطْماً في الدِّعامَهْ
كرَامٍ رامَ أن يَرْمِي ظَلِيماًفطاش السهمُ لم يبلُغْ مَرامَهْ
وكان غلامُه بالقُرْب منهفأرْماه ولم يُصب النَّعامَهْ
فلا تأْسفْ على نسجٍ ضعيفٍكبيْت العنكبوت بلا إقامَهْ
وحقِّك ليس تنفعُه بشيءٍكما في الصيفِ لم تُجْدِ الغَمامَهْ
لقد طالت بحال النَّسْرِ عُمْراًوقد شهدتْ هَوازِنَ واليمامَهْ
مُخَضْرَمةٌ فلو نطقتْ لقالتْشهدتُ مُهَلْهِلاً وأبا قُدامَهْ
كذا الرَّفَّا السَّرِيُّ صحبتُ دهراًقدِمتُ عيله بعد أبي دُلاَمَهْ
وكان مع الحريريِّ اتحادِيولو لم يَقْضِ ألَّف بي مَقامَهْ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع