من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
محمد بن يوسف التّامليّ
من أعْيان المغرب عِلْماً ونَفاسَةً، إذا ذُكِر سَناؤُه عطَّر نسيمَ الرياض بعَرْفِه أنْفاسَه.
مَرامِيه الآخذة للقلوب مُصْمِية لأغراضِها، وعُيونُ أشْعارِه مادَّةُ الفُتونِ في صِحاحِ الأجْفان ومِراضِها.
أُوتِيَ نَصاعةَ المُقْتَرَح وطَلاوةَ اللَّسَن، فوقف البيانُ حائراً على كلامِه لمَّا رآه جامعَ القولِ الحَسن.
وقد ذكرت له ما تهْفُو إليه القلوبُ والضُّلوع، وتَسابَقُ إليه الخواطرُ وبَواعِثُها التَّوَلُّه والوُلوع.
فمن ذلك كتاب كتبه إلى أبي العبَّاس المَقَّرِيّ: إلى السَّيد الذي وقَع على مَحَّبتهِ الاتِّفاق، وطلَعتْ شموسُ معارفِه في غاية الإشْراق، وصار له في مَيْدان الكمال حُسْنُ الاسْتباق.
إمامُ العصر، بجميع أدواتِ الحَصْر.
سَلامٌ من النَّسِيم أرَقّ، وألطَف من الزَّهر إذا عَبِق.
وبعد؛ فأخبارُكم تَرِدُ علينا، وتَصِلُ دائماً إلينا، بما يُسرُّ الخاطِر، ويُقِرُّ الناظِر، مع كلِّ واردٍ وصادر.
كتبتُ إليكم من الحضرة المَرَّاكُشِيَّة مع كثرة أشْواق، لا تَسَعُها الأوراق.
كتبَكُم الُله فيمن عنده، كما جعلكم ممَّن أخْلصَ في مُوالاة الحقِّ قَصْدَه.
ووُدِّي إليكم غَضُّ الحدائق، مُسْتَجْلٍ في مَطْلَع الوفا بمَنْظَرٍ رائق، لا يُحِيلُه عن مركز الثُّبوت عائق.
وحَقِيقٌ بمَوَدَّةٍ ارْتبطتْ في الحق ولِلْحَقِّ مَعاقِدُها، وأُثْبِتتْ على المَحبَّة في الله قَواعدُها؛ أن يزيدَ عَقْدُها على مَرِّ الأيام شِدَّةً، وعَهْدُها وإن شَطَّر المَزارُ جِدَّة، وأن تُدَّخَر للآخرة عُدَّة.
وإنِّي لَمَن يعتقدُ مُوالاتكم عَمَلاً صالحاً يُقرِّب إلى الِله ويُزْلف إليه ويعْتمدُها أَزْراً يُعوِّل في الآخرة يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه عليه.
فإنكم وَاليْتُم فأخلصتم في الْوَلا، وعَرفْتُم الله فقُمْتُم بحقوقِ الصُّحْبةِ على الوَلا.
مُعْرِضين عن غَرَض الدنيا وعَرَضها، مُعَرَّفين بشروطِ نَفْلها ومُفْتَرَضهِا.
إلى أنْ قَضَى اللهُ بافْتراقكم وحُقوقُكم المُتأكِّدة دَيْنٌ علينا، والأيامُ تمْطِل بقضائها عنا وتُوَجِّهُ المَلامَ إلينا.
فآوِنَةً أقِفُ فأقْرَعُ السِّنَّ على التقْصير ندَما، وآوِنةً أسْتَنيمُ إلى فضلِكم فأتقدَّم قُدُما.
وفي أثناء هذا لا يخطُر بالْبال حَقٌّ لكم سابِقٌ، إلا وقد كَرَّ عليه فيكم آخَرُ لاحِق.
حتى وقفتُ مَوْقِفَ العَجْز، وضاقت عليَّ العبارة عن حَقيقةِ مَقامِكم في النفس فكِدْتُ لا أتكلَّم إلا بالرَّمْز.
إجْلالاً لحقِّكم الرَّفيع، وإشْفاقاً من التَّقْصير المُضِيع.
إلى أن قال: وبالجملة ففُؤادي لمَجْدِكم صحيحٌ لا سقيم، واعْتدادِي بودِادِكم مُنْتَج غيرُ عَقِيم.
واللُه تعالى يجعلُ الحبَّ في ذاتكم الكريمة، ويقْضِي عن الأحِبَّة دينَ المَحبَّة فيُوَفِّي كلُّ غَرِيمٍ غَرِيمَه.
وصحبة هذا الكتاب قطعة أرجوزة هي قوله:
لِلّهِ دَرُّ العالِم الجَيَّانِيكأنما ينْظُر بالعَيانِ
لِلْمَقَّرِيِّ العالِم المِفْضالِمُنَظِّراً بأحْسَنِ المِثالِ
وعالِمٌ بأنَّني من بَعْدِهأُشِيرُ في نِظامِنا لقَصْدِهِ
وها أنا بالِله أسْتعينُمُضمِّناً ورَبُّنَا يُعِينُ
بالشَّطْرِ من ألْفيَّةِ ابنِ مالكِأيَّدَنا اللهُ لنَسْجِ ذلكِ
قال محمدٌ عُبَيْدُ المالكِوسالكُ الأحْسَنِ من مَسَالِكِ
نُشِيرُ بالتَّضْمِين للنِّحْرِيرِالْمَقَّرِيِّ الفاضل الشهيرِ
ذاك الإمامُ ذُو العَلاءِ والهِمَمكعلَم الأشخاصِ لَفْظاً وهْوعَمّ
فلن ترَى في عِلْمِه مَثِيلاَمُسْتَوْجِباً ثَنائِيَ الْجميلاَ
ومَدْحُه عندِيَ لازمٌ أتَىفي النظمِ والنثرِ الصحيح مُثْبَتَا
أوْصافُ سيِّدي بهذا الرَّجَزِتُقرِّبُ الأقْصَى بلَفْظٍ مُوجَزِ
فهْو الذي له المَعالِي تَعْتزِيوتبسُط البَذْلَ بوَعْدٍ مُنْجَزِ
رُتْبَتُهُ فوق العُلَى يا مَن فَهِمْكلاَمُنا لفظٌ مفيدٌ كاسْتقِمْ
وكم أفَادَ دَهْرَه مِن تُحَفِمُبْدِي تأوُّلٍ بلا تَكلفِ
لقد رقَى علَى المَقامِ الطَّاهِرِكطاهرِ القلبِ جميلِ الظَّاهرِ
وفَضْلُه للطَّالبِين وُجِدَاعلى الذي في رَفْعِه قد عُهِدَا
قد حصَّل العلمَ وحَرَّرَ السِّيَرْوما بإلاَّ أو بإنَّما انْحَصَرْ
في كلِّ فَنٍّ ماهرٍ صِفْهُ ولاَيكونُ إلا غَايَةَ الذي تَلاَ
سِيرتُه جَرَتْ على نَهْجِ الهُدَىولا يَلِي إلاَّ اخْتياراً أبَدَا
وعِلْمُه وفَضْلُه لا يُنْكَرُمِمَّا به عنه مُبِيناً يُخْبِرُ
يقول مَرْحَباً لقاصدِيه مَنْيصِلْ إليْنا يَسْتَعِنْ بنا يُعَنْ
صَّدِّقْ مَقالاتِي وكُنْ مُتَّبِعَاولم يكُنْ تصْرِيفُه مُمْتنِعَا
وانْهَضْ إليه فهْو بالمُشاهَدَهْالْخَبَرُ الجُزْءُ المُتِمُّ الفائِدَهْ
والْزَمْ جَنابَهُ وإيَّاك الْمَلَلْإنْ يُسْتَطَلْ وَصْلٌ وإن لم يُسْتطَلْ
واقْصِدْ جنَابَهُ تَرَى مَآثرَهْوالُلهُ يقْضِي بهِباتٍ وَافِرَهْ
وانْسِبْ له فإنه ابنُ مُعْطِىويَقْتضِي رِضاً بغير سُخطِ
واجْعَلْهُ نُصْبَ العَيْنِ والقلْبِ ولاتَعْدِلْ به فهْو يُضاهِي المَثَلاَ
قد طال ما أفادَ عِلْمَ مالكِأحْمَدُ رَبِّى اللَه خيرَ مالكِ
وحاسِدُ ومُبْغِضٌ له زَمِنوهالِكٌ ومَيِّتٌ به قَمِنْ
وليس يُشْفَى مُبْغِضٌ له أُعِلّمَعْنىً وفي هَراوةٍ جُعِلْ
يقولُ عبدُ رَبِّه مُحَمَّدُفي نحوِ خَيْرِ القولِ إنِّي أحْمَدُ
وهو بدَهْرِه عظيمُ الأمَلِمُرَوَّعُ القلبِ قليلُ الْحِيَلِ
فادْعُ له وسَادَةً قد حَضَرُواوافْعَلْ أُوافِقْ نَغْتبطْ إذ تَشْكُرُ
واجْبُرْهُ بالدُّعَا عَساه يَغْتَنِمْفَجَرُّه وفَتْحُ عَيْنِه الْتُزِمْ
أنشَدْتُ فيكم ذا وقال قائلُفي نحوِ نِعْمَ ما يقولُ الفاضِلُ
أدْعُو لكم بالسِّتْرِ في كلِّ زَمَنْلِكَوْنه بمُضْمَرِ الرَّفْعِ اقْتَرَنْ
مَآثرٌ لكم كثيرةٌ سِوَىما مَرَّ فاقْبَلْ منه ما عَدْلٌ رَوَى
قد انْتَهَى تعْرِيفُ ذا الْمُعَرَّفِوذُو تَمامٍ ما بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
لأنْتُمُ تاجُ الأئِمَّةِ الأُوَلْومَا بجَمْعِهِ عُنِيتُ قد كَمَلْ
فاللهُ يُبْقِيكم لَدَيْنَا وكفَىمُصلَّياً على الرسولِ المصطفَى
تَتْرَى عليه دائِماً مُنْعطِفَاوآلِه المُستكْمِلين الشَّرَفَا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع