من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه نصر الله (٢)
/ أ والمملوك يسال أن يتعهده المولى بأمثالها، ويتعتدُّ بها من عطاياه وأفضالها، فإنها فى هبات قلمه، أرغ منه فى هبات نعمه، وللآراء العالية مزيد العلو إن شاء الله تعالى
وله كتاب كتبه إلى الملك الأفضل أبى الحسن على بن يوسف بن أيوب – رضى الله عنه – يتضمن التهيئة بمولود:
أصدر هذه الخدمة إلى الجناب الشريف وقد جاءت البشرى بفرع نما من نجره، ولؤلؤة خرجت من بحره، فعبقت الأسماع بهذا الخبر الريج، واهتزت له الآمال وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، واستدلَّ الناس بطيب
الأصيل على طيب الثمر، وتفرسٌّوا فيه ما تفرسوا فى الهلال من القمر، ولو نطق يوم مولده بلسان، أو كان ذا روح وجثمان؛ لا فتخر على الأيام الأولى ب/ ولآخرة، وبرز فى أثواب زينته الفاخرة:
وإذا ما الأيَّام اصبحن خرساًكظمًا فى الفخار قام خطيبا
ولئن سبقته أيام جعلت عيداً للصيام، ونحر النعام، فهذا اليوم عيد لنحر العدا، وإبقاء سنُّه البأس والنًّدى
والله يجرى مولانا على عادة فضله، وينمى فرعه الكريم حتى يستظَّل بظلَّه، ويمضى الأمور بعقده وحله، ولولا إشفاق المملوك من التلفظ بكلمه تنتقل على لسانه، لدعا له بخلافه ملك مولانا ووراثه سلطانه. لكنه يدعو لمولانا وله بالخلود، وان لا يملك العدوّ ولا يرث سوى ميراث الحسود – إن شاء الله تعالى
فصل من هذا الكتاب فى هذا المعنى:
المملوك يهنئ مولانا بالجوهرة التى خرجت من معدنه، والبارقة التى تلألأت من خلال مزنه؛ ولقد تشوقت تيجان الملك أ/
زمنها واقترابه، وظمئت رياض الآمال صوب سحابها وانسكتبه".
فصل في كتاب في هذا المعنى:
"كتبت هذه الخدمة وقد جاءته البشرى بطلعة هلال سفرت، ومخيله سحاب ظهرت، ويرجو أن يصير هذا الهلال بدرا كاملا، وهذا السحاب غماما هاطلا، وقد اهتزّ السيف والقلم جذلا بمولده، وتفاخر في السبق إلى منال يده، وبشّرت منه المكارم بكائها، والعيون والقلوب بمالئها".
وله أيضا فصل في كتاب في هذا المعنى:
" المملوك يهنئ مولانا بالشبل الخارج من عرينه، واعضب المنتضى في يمينه، وقد اهتز ت أسرة الملك لارتقابه"، ومدت الجياد عيونها إلى وقت ركابه، ورجع له جيش العدو قبل أوان غزوه واقترابه".
/ ب/ وهذه رسالة أنشأها حين توفي الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين أبو نمصر محمد بن أحمد، وبويع ولده المستنصر بالله أبو جعفر المنصور بالخلافة- رضوان الله عليهما (!) -:
" ما الليل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما، وما للشمس والقمر لا يخسفان وقد فقد ثالهما:
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسةووحدة من فيها لمصرع واحد
وذلك الواحد هو سيدنا ومولانا الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين، الذي كانت ولايته رحمه للعالم، واختير من أرومة النبي الذي هو سيد بني آدم.
فذمته موصولة بذمته، وهو شقيقه في اسمه وخليفته في أمته، ولقد وقف على السنن فأتى بالحسن، وحمدت صحبة الأيام في زمنه فلم يشك أحد
من أ/ الزمن.
ومما عظم الرزء به أنّه أتى عقيب رزء فجعه بفجعه، وكان يستهول أحدهما وهو وتر فبدل الوتر فيه بشفعه. فيا ويح الإسلام فجعأولا بناصره، وفجع الآن بظاهره، وقر بالوقت بينهما حتى كاد يعثر أوله بآخره فلم تفق النفوس من برحائها إلا وافت ما طوى مضضها على مضض، ووقع ذلك منها موضع نكسة عطفت على مرض، ونكأ القرح بالقرح أوجع، وذهاب فرع العلياء بعد أصله ذهاب بالعلياء أجمع.
وكلا هذين الحادثين، رمى الناس بسهم عائر، ليس عليه من صابر، وما كان الله ليسوء دينه بمصاب خليفتين، ولا يجلو ظلمته بصباح سافر. وقد جاء بسيدنا ومولانا المستنصر بالله أمير المؤمنين، فأرضى به كل قلب سخط ولم يرض، وقيل هذا بدل الكلّ من الكلّ لا بدل البعض من البعض. وكان الناس على خطر من انتقاض أمرهم فأتيح لهم إبرامذلك النقض، ونسى ما تقدّم من البرح ودمل ب/ وما أعضل من القرح، وإن كثر الأسف على ليلتين مضتا برامة فقد أسلت عنهما ليلة السفح، والعبد قائم بهذا المقام، وقلبه متقسم للعزاء شطرا [و] للهناء شطرا. فإذا نطق بهذا أسبل دمعا وإذا نطق بهذا أبدى ثغرا، وهو نائب عن مرسله في أخذ البيعة التي يد الله فوقها، والسابق إلى يومها أفضل من المتأخر إلى غدها، وهي التي تجلّت بإثبات حسنتها أقلام السّفرة، وجعلها الله معدودة في بيعة العقبة وبيعة الشجرة. ولها يصح قول القائل:
وبيعة من قلوب غير شاردةما كان في عودها ضعف ولا خور
لولا أنها لعتيق لم يمت حسراسعد ولا قال: كانت فلتة عمر
وكذلك فإنّ العبد ينهي طاعة مرسلة، التي جعل يومه فيها كأمسه،
وزادها في مباني اللإسلام مبنىّ بها على ستة لا على خمسة. وقد اتخذها معقلا يكنّ في ذراه، وفي الآخرة عتادا صالحا يسرّه ان يراه".
/ أ/ رسالة أخرى من إنشائه حين توفي الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد بن الحسن، وبويع بالخلافة للإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين أبي نصرمحمد – ﵄ – وذلك في سنة اثنتين وعشرين وستمائة:
" العبد يقدم عذره قبل قوله، فإن هذا المقام مقام مهابة لا تجد الخواطر فيها سبحا، وإذا بلغ البليغ جهده كان قصاراه أن يسأل صفحا: [من كتاب الكامل]
إن كان لا يرضيك إلا محسنفالمحسنون إذن لديك قليل
عبد الديون العزيز النبوي لؤلؤ يعزي نفسه والمسلمين كافة، بفقد من الإسلام له فاقد، ومن يشك الموجدة بمصابه ب/ إلا إلى واجد سيدنا ومولانا الناصر لدين الله أمير المؤمنين، الذي التقت الأرض منه على محيي ثراها وممسك عراها، وباري سنة العدل والإحسان بها كما أن الله براها، فأي سحاب نضب عنها فيض مواهبه، وأي جبل خفت جنوبها لزوال مناكبه، لكن تلافى الله ذلك بقيام ولي عهده من بعده، والذي انتضاه على طول ترقّب من غمده سيدنا ومولانا الظاهر بامر الله أمير المؤمنين، فعطفت هذه النعمى على تلك البوسى، وآست من كلمها الذي لولاها لما كان يوسى:
وفي الحي بالميت الّذي الثّرىفلا انت مغبون ولا الدهر غابن
وما من أحد إلا وقد استبدل عزاءه بهنائه، ورأى عمود الإسلام قائما بعد هدم بنائه، وعلم أنّ الدهر أذنب ثم اعتذر وقال: هذة
الشمس طالعة إن غيّب القمر، واشتبه لديه رتق هذا الفتق برتق فتق أبي بكر بعمر. وقد حضر العبد نائبا عن مرسله في إعطاء صفقته بيمينه، وثمرة قلبه آخذا بقوله تعالى: ﴿إن أ/ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ ولو حضر هذه البيعة سعد لرأى مطلعها سعدا، ولم يجد من الدخول فيها بدا، ولما غمّ في قطيقته غمّا، ونأى هعن دار قومه بعدا. فهي أخت بيعة الرضوان، وأم الشرائط المشروطة في عقود الإيمان، والمركب الذي النجاة بين صهوته وعنانه، ومظنّة النجاة بين صهوة وعنان، وللسابق في هذا المقام فضيلة سبقه، كما أن للصادق مزية صدقه، وكلاهما مجموع لمرسل العبد في الفوز، بقصب المضمار والانفراد بخالص الإضمار، والذي إعلانه كإسراره، وقليلا ما يستوي حالتا الإعلان والإسرار، ولإن غاب عنه الحضور بنفسه فهو في عداد من حضر، والتعويل إنما هو على صدق النية الذي أثرها هو الأثر.
قال النبي ﷺ في بعض غزواته: ((إنّ وراءكم قوما بالمدينةما سيرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم)). فليعوّل الديوان العزيز من سعيه على القوي الأمين، وغنائه على المعقل الحصين، وليضنّ به وإنما يضن بالضنين ... والسلام)).
/ ب/ نصر الله بن المظفر بن أبي طالب بن حمزة بن عليّ بن الحسين أبو الفتح بن أبي العز بن الصفار الشيباني المعروف بابن شقيشقة.
من أهل دمشق.
كانت له عناية بسماع الحديث النبوي, وسمع من الكثير بنفسه, ولقي مشايخه ورجاله الذين كانوا يفدون إلى دمشق من الغرباء وأهلها. واستفاد منهم, واستكثر من الشيوخ حتى بلغت مشيخته ألف شيخ, وحصل من الفوائد شيئا عظيما. ولم يدخل دمشق طالب حديث أوشاعر أو أديب إلاّ ويجتهد في قضاء حوائجه, ويتعصّب له تعصبا تاما, ويثني على فضله عند الناس.
وهو مشكور الطريقة ببلده, فجزاه الله عن مروءته الخير ولمن كان فيه مروءة. وعنده فقه وأدب مقل من قول الشعر.
أنشدني لنفسه بدمشق سنة تسع وثلاثين وستمائة:
خف الله في صبّ سلبت رقادهوابتلت بالبين المشتّ فؤاده
/ أ/ ووافيته ملقى على فرش الضّنى .. اسير غرام لا يفك قياده
يرى الفرض فرضا منك يا أحسن الورىوأنت ترى فرضا عليك بعاده
أنشدني لنفسه في غلام جميل الصورة حلاوي:
قل للحلاويّ على الّذيتحار ألباب الورى فيه
إنّ الّذي نأخذ من كفّههو الّذي نجنيه من فيه
نصر الله بن نصر الله, بن نصر الله, أبو الفتوح الهيتيّ.
من الشعراء العراقيين.
دخل بلاد الشام وامتدح ملوكها, وذوي اليسار منهم, واسترفدهم بأشعاره وكبر وأسنّ, ولم يترك قول الشعر, وانقطع باخرة إللا صاحب حماة الملك المنصور أبي المعالي محمد بن عمر بن شهنشاه بن أيوب, وبها توفي [في الخامس عشر من شوال سنة سبع وثلاثين وستمائة].
وكان عنده تهوس وخفة تدل على ذلك ما أخبرني من أثق به, أنه كان إذا امتدح رجلا بقصيدة يعنون على رأسها المملوك نصر الله بن نصر الله الهيتيّ, ثم يخالف ب/ الاسم ويكتب على قصيدة أخرى المملوك أبو الفتوح بن أبي الفتوح بن أبي الفتوح, ومرة المملوك نصر الله بن أبي الفتوح بن نصر الله, وتارة أب الفتوح بن نصر الله بن أبي الفتوح الهيتي.
وكان يتعاطى الفصاحة في مقولاته وإنشائه, صاحب منظوم ومنثور. يذهب في إنشائهما مذهب أبي الفتح البلطي. وكان يصنع أبياتا من الشعر جميعها معحمة. وقصيدة خالية من الإعجام, وغير ذلك من هذه الفنون ما تركه أولى من تدوينه. وكانت ولادته بهيت في عاشر محرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
أنشدني الشيخ الأجل العدل السعيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن يحيى بن الخشاب بحلب من لفظه-﵁ قال: أنشدني أبو الفتوح نصر الله بن نصر الله, بن نصر الله, أبو الفتوح الهيتيّ لنفسه بحلب يمدح الملك الظاهر غياث الدين أبا المظفر غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي-رحمه الله تعالى-:
/ أ/ ضحك البرق إذ بكى الإبريقثمّ جاد السّحاب والرّاووق
وتغنّت ورق الحمائم حتّىاطرب البان بينها التصفيق
كلّ ورقاء في الأصائل يخفيــها عن ناظريها غصن وريق
يا خليليّ نادماني فقد طاب مدامي وزانه التّرويق
واضربا لي صوتا على العود والنّاي طروبا يلذ لي ويروق
سالكا مذهب القديم فإنّيمن مبادئ ألحانه مخلوق
واسقياني صرفا فإنّ مزاجيلاختلاف المزاج ليس يطيق
ما شفائي من الهيام ولا برد غليلي إلاّ السّلاف رحيق
وإذا ما مرضت ليس يداويفرط دائي إلاّ الشّراب العتيق
ما مرادي إلا ّ المدام ولا أحـسد إلاّ ذا سكرة لا يفيق
فهي شمس منيرة ومن الآيات شمس يضمّها إبريق
لي منها مدى الزّمان صبوح .. كملت لذّتي به وغبوق
ولها في فم النّديم غروبومن الكأس والبزال شروق
فاسقنيها من كفّ أغيد يحكيذابل الرّمح قدّه الممشوق
/ ب/ بابليّ اللّحاظ من جفنه الفاتر عضب ماضي الشّباة رقيق
في رياض كأنّها حلل الدّيــباج قد حاكها الحيا والبروق
ما ترى الأرض كالنّمارق تزهلىبنقوش كأنّها تزويق
وعليها أثواب نور كساهافي متون الرّياض زهر أنيق
ورباها قد طرّزت برقومنسجها من يد الغيوم صفيق
قد تنافى في الشبه لونا وريحا .. فهو نور زاه ومسك فتيق
يشبه الياسمين لون محبّناحل الجسم راعه التّفريق
وترى النّرجس المضاعف يحكيحدقا لا يضرّها التحديق
وكأنّ الشقيق رايات غازيأو دما من سيوفه مدفوق
ملك بابه بكفّ رجاء الــخلق علما بجوده مطروق
يطلبون الأرزاق بالقصد كالحــجّاج إذ باب غيره مرتوق
جعلوا حارما لهم ذات عرقوبساتين عمّ عندي العقيق
فتوالى غيث الغياث عليهمبنضار في البروق بريق
همه أن يفرق المال في الآفاق والجمع ذلك التفريق
فهو الرازق الذي غمر الخلــق فكل من كفه مرزوق
وهو السّابق الذّي أحرز الّبــق فمن رام شأوه مسبوق
وهو ملك دون الخلائق جمعابالمعلي والمكرمات خليق
وهو بين الملوك بالعدل والفضــل وإيصال جوده مرموق
وهو في الحلم والشّجاعة والإنــصاف وللجود للملوك سبوق
وله مسلكا إلى كلّ برّوإلى فعل كلّ خير طريق
مستقيم المسعى على منهج العد .. ل جواد وبالرّعايا رفيق
يحذر الله في الرّعية سراوسواه سكران لا يسفيق
محسن مجمل رؤوف له قل،ـب إذا أغلظ المسيء رقيق
واسع الصّدر ضيّق العذر عفّ الذّيل رحب الذّراع برّ شفيق
ملك في ذرى الفخار له أصــل طهور في المكرمات عريق
خير أصل لخير ملكت زكت منــه فروع نضيرة وعروق
سؤدد تالد ومجد طريف .. دونه في علوّه العيّوق
طال فوق العلا كقلعته الشّهــباء دامت تحلو له وتروق
/ ب/ هي بين القلاع مثل غياث الـ .. ـدّين بين الملوك وهو يفوق
وهي كالجسم ووهو روح وبالأرواح تبقى الجسوم لولا الزّهوق
أوحشتها أعطافه مذ نأى عنــها فكلّ منها مشوق
إن خلت منه لا خلت فهي تشتاقإليه كأنّه معشوق
لو تطيق المسيرة سارت من الّوق إليه لكنّها لا تطيق
فكأنّ الإله دحاهاقال: هذي بغيره لا تليق
مدحها يعجز الخواطر فالحاذق يعنو ويذعن المنطيق
فهو مثل ابتكار مدح غيات الدّين صدقا فذكره تصديق
معجزات المديح قد جمعت فيــه وآيات فعله صدّيق
كلّ وصف فيمن سواه مجازواستعارات وصفه تحقيق
ورث الملك عن أبيه تليداوسيحوي البلاد وهو حقيق
ويبثٌّ الجيوش فى البرِّ والبحـ... ـر فمنها فى كل ِّ ارض فريق
بأسود على العقارب تضحىوفسيح الفضاء عنهًا يضيق
ترد الحرب ثم َّ تصدر عنهاولها من دم العادى خلوق
/ أ/ ثم َّتعلو بيض المعاقل بالبيــض ولآ مانع ولا منجنيق
ويحوز المماليك الملك الظَّاهر قهراً وتستفاد الحقوق
وترى الملك بعدها يوسفَّياًليس يعصيه فى الورى مخلوق
يا مليك الآفاق أحييت أهل الــفضل حتَّى حثَّت إليك النُّوق
وشريت القريض غالاً فقامتلذوى النَّظم فى ظلالك سوق
فاستمع منهم غرائب شعرقد كساها التَّجنيس والتَّطبيق
وتهنَّ الإقبال فى العيد فالنَّصــر يهيِّنيك فيه والتَّوفيق
وابتهج بالتَّشريق فالنَّدب من يفــعل فيه ما يقضى التَّشريق
واجعل النَّحر فيه نحر أعاديــك وكلٌّ إذا عفوت عتيق
فقلوب الأعداء ترجف خوفًاولها من سطا يديك خفوق
وأنشدنى الشيخ العدل الأمين أبو عبدالله محمد بن عبدالقاهرة بن هبة الله بن النصيبى بحلب – رحمه الله تعالى – قال: أنشدونى ب /أبو الفتوح نصر الله بن نصر الله الهيتى لنفسه مبدأقصيدة:
حديث غرامى مستفيض... ودمعى ووجدى مطلق ومقيَّد
وحبِّى قديم والتجَّميل محدثوثوب نحولى بالجمال مجدد
ولى خبر يرويه شأنى مسلسلاًوفيه مع المعنى الجلىِّ تعبٌّد
فلو أنَّ موضوع الأسى بحشاشتىمع البعد محمول لما كنت اجهد
ولو أنَّ سعيداً بالمنازل طالعلكان إذا ما قابل الرَّبع يسعد
ألمَّ خيالاً واللَّوائم غفَّلفوافى خيالاّ والعواذل هجَّد
سميرى من السمراء طيف كأنَّهمع الصورة الحسناء معنى مجرَّد
فأهلاً وسهلاً بالحبيب فقربهبه غلَّة الصَّبَّ المتيَّم تبرد
وقد كنت جلداً قبل طارقة النَّوىوها أنا من بعد النَّوى أتجلَّد
فصبرى جميل واشتياقى كثِّيروقلبك ياخنساء صخر وجلمد
وجاري دموعي في المآقي موظّفوراتب وجدي في البواقي مخلّد
/ أ/وتصفير جسمي منه تقطير أدمعيلذلك انفاسي جوى تتصعّد
بنفسي شمس لو رأيى النّاس حسنهاتحققّت أن الجمع يسبيه مفرد
لها وجنة كالورد حمراء من دميوخّد كما شاء الجمال مورّد
وفي الخّد خال مشرف تحت ناظرعلى عامل لولا الّتقى كان يعبد
لها القّد غصن ماس في دعص رملةأقلّ هلالا بالخطى يتأوّد
وللشّافعي الرّدف منها مثقّلوللحفنّي الطرف منها محدّد
فلو جبرت من كسر قلبي بوصلهامقابلة بالعود والعود أحمد
لقبّلت ثغرا كاللآلئ منظّمابه الرّيق شهد والأراكة تشهد
فما الخاسر المغبون إلّا من اشترىبه غيره وهو الجمان المنضّد
وما القاعد المفتون إلا أخو الهوىوما القائم المهديّ إلّا محمّد
وأنشدي أيضا من لفظه، قال: أنشدني نصر الله بن أبي الفتوح بن نصر الله الهيتي لنفسه:
/ ب/ عصاني طائع الطّرف العصيّفصرت فداء نرجسه الجنيّ
لأمتحنّ صبري عن شتيتيظمّيني بلا ريق شذيّ
فلا يسقي ويشفي حين يجفوولا يصفو لأّي هوى غزيّ
سيذكر خلّة لأخ ودودمصون سرّه شكل زكيّ
فكم يقضي ويظلم وهو لاهويعقل عن مطيع هوى وفيّ
وأنشدني أيضا، قال: أنشدني نصر الله الهيتي قوله في الغزل:
غزال له خال شذاه أظنّهجني شقيق يقتضيه ضياء
خلوت به صبحا وزاد تعرضاوكلّ غزال عزّ فهو رخاء
جثا ضاحكا يسقى سلافا فقال لي:أخصّك حثا فالسّلاف شفاء
وأشهر شمسا من مدام وضوؤهايلازمها إن صار منه سماء
يظلمني والكامل الملك عاطفولا غيّ فيما قاله العلماء
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
/ أ/ما بين رامّة فالعذيب فحاجرأسد تقنّصها أكفّ جاذر
ومن العجائب أنّ آساد الشرىتعنو لسرب في الفلاة نوافر
لا تخدعنّك بالوعود فطالما أخلفن إخلاف الملول الغادر
إنّ الظباء وإن تقادم عهدهاوأتت بحسن بواطن وظواهر
لتمجّ أريّا من نيوب أساودوتسلّ تبرأ من جفون محاجر
نصر الله بن هبة الله بن عبد الباقي بن هبة الله بن الحسين يحيى بن عليّ، أبو الفتح بن أبي العز الكاتب الرسائليّ المعروف بابن بصاقة وبزاقة وبساقة كلّ يقال، الغفاريّ الكنانيّ.
ولد بقوص تقريبا في سنة ثمانين وخمسمائة، ونشأ بمصر واستظهر القرآن العزيز، واشتغل بالأدب على جماعة من الأدباء بمصر والشام، وقرأ على الشيخ العالم أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، وخدم في دولة الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبي بكر بن ايوب – صاحب دمشق وبعده لولده الملك الناصر داود كاتب الإنشاء ب/وتقدّم عندهما، وارتفع شأنه، وعلت منزلته.
ورأيت من يثني على فضله وصناعته في الكتابة وقوانينها، ويقول: هو أكتب اهل زمانه بلا مدافع، واعرفهم بالقواعد والإنشائية وأجودهم ترسّلا، وأحسنهم عبارة،
وأطولهم باعا، بظاهر مدينة حلب المحروسة، بمقام الخليل إبراهيم – صلوات الله عليه- يوم الخميس الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبع وأربعين وستمائة، وعلقت عنه قطعا من شعره، ولم يكن في الوقت سعة لأكتب من ترسله وأثبته في هذا المجموع.
ورأيته شيخا لطيفا كيسا فيه دماثة وبشاشة، ثم سافر إلى دمشق، ولم يزل مقيما بها إلى أن توفى يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة سنة خمسين وستمائة- رحمه الله تعالى-.
ومما أنشدني لنفسه إملاء من لفظه:
وحقّكم لم يلهني بعد بعدكمظهور مذاك أو صدور مجالس
/ أ/ ولا راقني في الناس إحسان محسنولا أنست روحي بودّ مؤانس
رماني زماني الفظّ عن قوس عذرهبسهم فراق مطلقا غير حالس
وعوضّت عن يومي المنير بقربكمباليل من البعد المبرح دامس
فأضحى عدوّي عند ذلك راحميوكأن صديقي يوم ذلك منافسي
سأصبر حتى يحدث الله لطفهعلى خير ما كنا عليه بآيس
وأنشدني أيضا لنفسه ما كتبه إلي بعض الملوك:
لو شرحت اّلذي وجدت من الوجدعليكم أمللتكم ومللت
فلهذا خفّفت عنكم وأقصرت ولو شئت أن اطيل أطلت
غير أن العبيد تحمل عن قلب الموالي وهكذا قد فعلت
وأنشدني لنفسه أيضا، وفيه لزوم السين:
يا من غدا من كلّ عار عارياومن المروة والفتوّة كاسيا
/ ب/ ورأيته في العلم بحرا زاخراووجدته في الحلم طودا راسيا
عجبي لمثلك كيف ينسى ذاكراوأعجب لمثلي كيف يذكر ناسيا
بعد المدى ورزقت قلبا لينايشكو [الضنى] ورزقت قلبا قاسيا
هبني أسأت كما ظننت فكن لجرح إساءتي بجميل صفحك آسيا
فقد افتقدت من المعارف كلّهمفعساك تصبح للفقير مواسيا
وأنشدني أيضا لنفسه يتغزل:
مالك في الخلق عاشق مثليفكيف تختار في الهوى قتلي
إن انكرت مقلتاك سفك دميفلي بخديك شاهدا عدل
لكنني غير طالب قودامنك ولا راغبا إلى عقل
ولا ليوم الحساب أدخرهبل أنت منه في أوسع الحل
يا فرغ القلب عد على دنففؤاده في هواك في شغل
وعدتني أن تزورني فعسىتقصر عمّا أطلت من مطل
مرارة الهجر ذقتها فمتىتذيقني من حلاوة الوصل
/ أ/ يا عاذلي في هواه دع عذليفلست أصغي فيه إلى العدل
أمرت بالصبر عن تذكّرهمن لي بأن أستطيعه من لي
لكن هواه غطى على بصريومسمعي والفؤاد في خبل
وأنشدني لنفسه لغزا في الإبرة:
وعارية لا تشتكي البرد في الشتاعلى أنها منهوكة الجسم بالبرد
ترائبها مصقولة غير أنهامن العور لا الحور الحسان من الخلد
إذا زال عنها سمها زال نفعهاوحال ذوات السم في ذاك بالضد
تصدّت لجمع الشّمل بعد شتاتهولا حظيت فيه بأجر ولا حدّ
إذا كسيت ثوبا كسته لغيرهابلا منّة منها عليه ولا كدّ
أنزه طرفي في سنّي ملابستجود بها من غير وعد ولا قصد
تفضّل فقد اوضحت بعض امورهابتكملة الإيضاح يا معدن الرفد
وأنشدني أيضا لنفسه لغزا في المشط:
/ ب/وأصفر ذي وجهين بالنار ما اكتوىولا وسمت خدّاه أولي الأمر
ولا أشك في الصيرفي فحكّهولا حار بين الصّفر منه أو الصّفر
يلوح له نشر ولكنه يرىولا ينتشي بالضّد من عادة النّشر
يعض بأسنان وليس له فمويثغر أحيانا وليس بذي ثغر
يخلص بين الأهل مهما تشاجروافيقضي لعقد العسر بالحلّ واليسر
بعدّة أميال بعد ميسرهوإن كان ملقى لا يسير ولا يسري
رأي الزّهد رأيا فاغتدى متخللاعلى جسمه العاري بمسح من الشّعر
فبح باسمه إني عنيت بكتمهولا تخفه يا مبدع النّظم والنّثر
وأنشدني أيضا لنفسه في الساعات المدّبرة بالماء:
ومخبرة بالعلم وهي جهولةبما أخبرت من علمه ليس تعلم
إذا رويت باحت بمكنون سرهاوإن ظمئت فالسّر منها يكتم
تضجّ وتشكو الرجم في كل ساعةولكنها مرجومة ليس ترحم
/ أ/ وتبدي أنينا مشعر بتأّلم وليس بها ضرّ ولا تتألم
ويفهم عنها ما تقول وإنهالعجماء لا توحي ولا تتكلم
وكتب غلى الشيخ العلامة سيف الدين أبي الحسن علي بن علي الآمدي، يشفع إليه في عماد الدين السلماسي، في أن يقرئه شيئا من كتبه وهو "رموز الكنوز". وكان قد تحدث معه في ذلك مشافهة:
يا سيدا جّمل الله الزمان بهواهله من جميع العجم والعرب
العبد يذكر مولاه بما سبقتوعوده لعماد الدّين عن كثب
ومثل مولى من جاءت مواهبهعن غير وعد وجدواه بلا طلب
فأص فمن بحرك الفياض موردهوأغنه من كنوز العلم لا الذّهب
واجعل له نسبا يدلي إليك بهفلحمة العلم تعلو لحمة النّسب
/ ب/ولا تكله إلى كتب تنبّئهف (السيف أصدق أنباء من الكتب
وأنشدني لنفسه لغزا في القلم:
وما ناقص بالنّقص صار مذكّراوكان له التأنيث وهو متمم
عجبت له يزداد فضلا بنقصهفيصبح عمّا في الضمير يترجم
ويفهم ما يوحى إليه مسارعا فيعرب عنه وهو أطرش أبكم
ويسعى إذا استسعيته وهو مطرقلغير حياء لابس وهو محرم
شعار بني العباس أضحى شعارهوليس له ... خراسان مسلم
صموت إذا امسى سليما لسانهنطوق إذا أجررته متكلّلم
والكن مهما حطّ عنه لثامهولكن فصيح عندما يتلثّم
ترى باقلا منه إذا كان حاسراوتنظر قسّا منه وهو معمم
وإن عبته بالجّهل فألمّ بأنّهمع الجهل ... بشرب الماء أعلم
تحلّيت في إظهاره وهو مضمروحمت على إيضاحه وهو مبهم
فلم أبده بالذّكر إلا مصحّفالعلمي وإن لم أبد أنك تفهم
/ أ/ وكتب إليه بعض أصدقائه من الشام. وكان أبو الفتح قد سافر إلى البلاد العراقية، وأقام ببغداد وانقطعت أخباره بها يتشوقه ويحثّه على المجيء إلى البلاد الشامية بهذه الأبيات:
وذي عزمات لا تكلّ سيوفهوإن صار لا يخشى الردى في المنازل
وإن لاح برق من بريق سيوفهفمن بعده رعد كثير الزلازل
وقال وقد طالت عليه سنونهوما عاش إلا بالعوالي العوامل
﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ عاجلاوعاينتنا بين القنا والقنابل
فإنّي أثير الحرب من كل جانبوأظهر فعلي في العدا والعوازل
فأجابه أبو الفتح بهذه البيات على الوزن والقافية:
/ ب/ أتاني كتاب منك يا ذا الفضائلفليس له في حوزها من مماثل
فشبهته لفظا وخطا تسمّحا بسمط اللآلئ أو بروض الخمائل
وقبّلته بل كدت أمحو سطورهلفرط اشتياقي بالدموع الهوامل
وقفت على المعنى الذي قد رمزتهوقوف المعنّى في الرّسوم المواثل
وأقسم يا مولاي لو كنت قادراعلى بعضنا بالكتب أو بالرسائل
وله في كتاب إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن ابي بكر بن أيوب –صاحب دمشق – وقد غاب عن القدس:
يا ملكا ما زال إنعامهفي الناس معقولا ومحسوسا
غبت عن القدس فأوحشتهوإن غدا باسمك مأنوسا
وكيف لا توحش ارجاءهوأنت روح القدس يا عيسى
ومن كلامه المنثور قوله:
/ أ/ "قتيل الجفون الفواتر، في سبيل حبه، كقتيل السيوف البواتر في سبيل ربه، إلا هذا يغسل بدموعه، وهذا يزمّل بنجيعه، وهذا في حال حياته ميت يرمق، وهذا في حال مماته حي يرزق".
نصر الله بن يوسف بن أبي الفتح الكنانيّ، أبو الفتح.
من اهل الديار المصرية.
وقع إلى إربل من بلاد الشام متصرفا على عهد مليكها العبد الفقير إلى الله تعالى أبي سعيد كوكبوري بن علي بكتكين- رحمه الله تعالى- واستوطنها إلى أن مات بها في ذي الحجة سنة سبع عشرة وستمائة. وكان يكتب خطا حسنا، وينظم شعرا مطبوعا.
انشدني الوزير الصاحب شر فالدين أبو البركات المبارك بن أحمد المبارك بن موهوب المستوفي الإربلي بها – ﵁ – في سنة خمس وعشرين وستمائة، قال:
أنشدني أبو الفتح نصر الله بن يوسف بن أبي الفتح الكناني المصري لنفسه:
/ ب/ ما هذه البدع التي قد أحدثتخصّت بها دون الورى الكتّاب
قامت قيامتهم ولم يك وقتهاوأتالهم قبل الحساب عذاب
ما كان ذا إلا توهّم ما سعىبالنّصح وهو بنصحه كذّاب
"ما فاتهم في كلّ ما وعدوا بهفي الحشر إلا راحم وهّاب"
هذا البيت لأبي الفتح بن التعاويذي البغدادي مضمّن
وأنشدني أيضا، قال: أنشدني نصر الله بن يوسف لنفسه:
كم ذا أعلّل تجي أملوقّف الرجاء ببابه الرّحب
وحدثني الأمير الكبير العالم ركن الدين أبو شجاع أحمد بم قرطايا بن عبد الله الإربلي – أسعده الله – من لفظه وحفظه بإربل، قال: كان أ/ لأبي الفتح نصر الله بن يوسف بن أبي الفتح الكناني صديق يهودي، فضمن من إنسان غريما ببدنه، فهرب ذلك المكفول إلى بعض البلاد، فطولب اليهودي به وبإحضاره، فعمل اليهودي محضرا، إن الغريم قد سكن في بلد رجل خارجي ولا يمكنه الوصول إليه، ولا يقدر على إحضاره، وطلب من ابي الفتح ومن جماعة أخر أن يضعوا خطوطهم بذلك، فوضعوا. فبلغ الديوان العزيز قصتهم فاعتقل أبو الفتح بهذا السبب. وكان بين [فخر الدين أبي الفضل أحمد خواندزه] – ولد الوزير مؤيد الدين أبي الحسن محمد بن محمد بن عبد الكريم القميّ – وبين أبي الفتح معرفة، فكتب إليه بهذه ب/ الأبيات، وأنشدنيها الأمير ركن الدين عن قائلها ابي الفتح:
أمولاي فخر الدين حلمك واسعوعدلك مبسوط وما زلت تنصف
ابن لي يابن الكرمين قضيتيفقد أشكلت والآمر عندك يعرف
ابيت وقد وكّلت بي والذي جنىينام قرير العين لا يتكلّف
وما بيننا إلا يسي مودّةإذا ازدحمت بين المودّات تضعف
فقد ذكذرتني ليلتي بين شاعرشكا فيه من يشكو الصديق ويعطف
"وما ضرني إلا الذين عرفتهمجزى الله خير أكلّ من لست اعرف"
هذا البيت مضمّن.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع