من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
النابغة الجعدى
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبد الله بن قيس، من جعدة بن كعب بن ربيعة. وإخوة جعدة عقيل وقشير والحريش. وكان يكنى أبا ليلى، وهو جاهلىّ.
وأتى رسول الله ﷺ وأنشده:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدىويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا
بلغنا السّماء مجدنا وجدودناوإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال رسول الله ﷺ: «إلى أين أبا ليلى؟» فقال: إلى الجنّة، فقال رسول الله ﷺ: «إن شاء الله» وأنشده:
ولا خير فى حلم إذا لم تكن لهبوادر تحمى صفوه أنّ يكدّرا
ولا خير فى جهل إذا لم يكن لهحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال رسول الله ﷺ: «لا يفضض الله فاك» قال: فبقى عمره لم تنقض له سنّ.
وكان معمّرا، ونادم المنذر أبا النعمان بن المنذر، وفى ذلك يقول:
تذكّرت والذّكرى تهيج على الفتىومن حاجة المحزون أن يتذكّرا
نداماى عند المنذر بن محرّقأرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا
ويقال إنه كان أقدم من النابغة الذّبيانىّ، لأنّ الذّبيانىّ نادم النعمان وهذا نادم أباه. ونسب المنذر إلى محرّق وهو جدّه.
وعمّر حتى ورد على ابن الزّبير وروى له الحديث عن رسول الله ﷺ: «أنا والنّبيّون فرّاط لقاصفين» وحتى نازع الأخطل الشعر، فغلبه الأخطل، فهو من مغلّبى مضر. ومات بإصبهان وهو ابن مائتين وعشرين سنة.
وكان العلماء يقولون فى شعره: خمار بواف، ومطرف بآلاف يريدون أنّ فى شعره تفاوتا، فبعضه جدّ مبرز، وبعضه ردىّ ساقط.
وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله فى صفه الفرس:
كأنّ مقطّ شراسيفهإلى طرف القنب فالمنقب
لطمن بترس شديد الصّقال من خشب الجوز لم يثقب
أخذه ابن مقبل فقال:
كأنّ ما بين جنبيه ومنقبهمن جوزه ومناط القنب، ملطوم
بترس أعجم، لم تنخر مناقبهممّا تخيّر فى آطامها الرّوم
وقال الجعدىّ:
أرأيت إن بكرت بليل هامتىوخرجت منها باليا أوصالى
هل تخمشن إبلى علىّ وجوههاأو تضربنّ نحورها بمآلى
وقال الآخر:
أرأيت إن بكرت بليل هامتىوخرجت منها باليا أثوابى
هل تخمشن إبلى علىّ وجوههاأو تعصبنّ رؤوسها بسلاب
ويستحسن له قوله فى نساء سبين:
دعتنا النّساء إذ عرفن وجوهنادعاء نساء لم يفارقن عن قلى
حنين الهجان الأدم نادى بوردهاسقاة يمدّون المواتح بالدّلا
فقلنا لهم: خلّوا طريق نسائنافقالوا لنا: كلّا، فقلنا لهم: بلى
فنحن غضاب من مكان نسائناويسفعنا حرّ من النار يصصلى
تفور علينا قدرهم فنديمهاونفثؤها عنّا إذا حميها غلا
فلم أر يوما كان أكثر باكياووجها ترى فيه الكآبة مجتلى
ومفتصلا عن ثدى أمّ تحبّهعزيز عليها أن تفارق مفتلى
وأشمط عريانا يشدّ كتافهيلام على جهد القتال وما ائتلى
وقال لامرأته حين خرج غازيا:
باتت تذكّرنى بالله قاعدةوالدّمع ينهلّ من شأنيهما سبلا
يا ابنة عمّى كتاب الله أخرجنىكرها، وهل أمنعنّ الله ما فعلا
فإن رجعت فربّ الناس يرجعنىوإن لحقت بربّى فابتغى بدلا
ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرنىأو ضارعا من ضنى لم يستطع حولا
وقال يرثى رجلا:
فتى كملت خيراته غير أنّهجواد فما يبقى من المال باقيا
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقهعلى أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
يدرّ العروق بالسّنان ويشترىمن المجد ما يبقى وإن كان غاليا
وقال:
ولو أنّ قومى لم تخنّى جدودهموأحلامهم أصبحت للفتق آسيا
ولكنّ قومى أصبحوا مثل خيبربها داؤها ولا تضرّ الأعاديا
وقال يذكر سنّه:
ومن يحرص على كبرى فإنّىمن الشبّان أزمان الخنان
مضت مائة لعام ولدت فيهوعشر بعد ذاك وحجّتان
وهو القائل:
الحمد لله لا شريك لهمن لم يقلها فنفسه ظلما
المولج اللّيل فى النّهار وفى اللّيل نهارا يفرّج الظّلما
الخافض الرّافع السّماء على الأرض ولم يبن تحتها دعما
الخالق البارئ المصوّر فى الأرحام ماء حتّى يصير دما
من نطفة قدّها مقدّرهايخلق منها الأبشار والنّسما
ثمّ عظاما أقامها عصبثمّت لحما كساه فالتأما
ثمّ كسا الرّيش والعقائق أبشارا وجلدا تخاله أدما
والصّوت واللون والمعايش والأخلاق شتّى، وفرّق الكلما
ثمّت لا بدّ أن سيجمعكموالله، جهرا، شهادة قسما
فائتمروا الآن ما بدا لكمواعتصموا إن وجدتم عصما
فى هذه الأرض والسّماء، ولاعصمة منه إلّا لمن رحما
يا أيّها الناس هل ترون إلىفارس بادت وخدّها رغما
أمسوا عبيدا يرعون شاءكمكأنّما كان ملكهم حلما
أو سبأ الحاضرين مأرب إذيبنون من دون سيله العرما
فمزّقوا فى البلاد واعترفوا الهون وذاقوا البأساء والعدما
وبدّلوا السّدر والأراك به الخمط وأضحى البنيان منهدما
وقال أيضا:
لبست أناسا فأفنيتهموأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهموكان الإله هو المستآسا
وعشت بعيشين، إنّ المنونتلقّى المعايش فيها خساسا
فحينا أصادف غرّاتهاوحينا أصادف منها شماسا
نشأت غلاما أقاسى الحروبويلقى المقاسون منّى مراسا
وحمر من الطّعن غلب الرّقاب كالأسد يفترسون افترسا
شهدتهم لا أرجّى الحياة حتّى تساقوا بسمر كياسا
وشعث يطابقن بالدّارعينطباق الكلاب يطأن الهراسا
فلمّا دنونا لجرس النّبوحولا نبصر الحىّ إلّا التماسا
أضاءت لنا النار وجها أغرّ ملتبسا بالفؤاد التباسا
يضىء كضوء سراج السّليط لم يجعل الله فيه نحاسا
بآنسة غير أنس القرافوتخلط بالأنس منها شماسا
إذا ما الضّجيع ثنى جيدهاتثنّت عليه فكانت لباسا
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع