تجاوز إلى المحتوى

من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

لبيد بن ربيعة

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامرىّ. وكان يقال لأبيه «ربيع المقترين» لسخائه. وقتلته بنو أسد فى حرب بينهم وبين قومه.

(ويقال قتله منقذ بن طريف الأسدىّ. ويقال قتله صامت بن الأفقم، من بنى الصّيداء، يقال ضربه خالد بن نضلة وتممّ عليه هذا. وأدرك بثأره عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب أخوه، وذلك أنّه قتل قاتله).

ويكنى لبيد أبا عقيل. وكان من شعراء الجاهليّة وفرسانهم.

وكان الحارث بن أبى شمر الغسّانىّ، وهو الأعرج، وجّه إلى المنذر بن ماء السماء مائة فارس وأمّره عليهم. فصاروا إلى عسكر المنذر، وأظهروا أنّهم أتوه داخلين فى طاعته، فلما تمكّنوا منه قتلوه وركبوا خيلهم، فقتل أكثرهم ونجا لبيد، حتّى أتى ملك غسّان فأخبره الخبر، فحمل الغسّانيّون على عسكر المنذر فهزموهم، وهو يوم حليمة. وكانت حليمة بنت ملك غسّان، وكانت طيّبت هؤلاء الفتيان حين توجّهوا، وألبستهم الأكفان والدّروع وبرانس الإضريج.

وأدرك لبيد الإسلام، وقدم على رسول الله ﷺ فى وفد بنى كلاب، فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم. ثم قدم لبيد الكوفة وبنوه، فرجع بنوه إلى البادية (بعد ذلك)، فأقام لبيد إلى أن مات بها، فدفن فى صحراء بنى جعفر بن كلاب. ويقال إنّ وفاته كانت فى أوّل خلافة معاوية، وأنه مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة.

ولم يقل فى الإسلام إلا بيتا واحدا. واختلف فى البيت، قال أبو اليقظان: هو:

الحمد لله إذ لم يأتنى أجلىحتّى كسانى من الإسلام سربالا

وقال غيره: بل هو قوله:

ما عاتب المرء الكريم كنفسهوالمرء يصلحه الجليس الصالح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال له عمر بن الخطّاب رضى الله عنه: أنشدنى (من شعرك)، فقرأ سورة البقرة، وقال: ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علّمنى الله (سورة) البقرة وآل عمران، فزاده عمر فى عطائه خمس مائة (درهم)، وكان ألفين. فلمّا كان فى زمن معاوية قال له معاوية: هذان الفودان فما بال العلاوة؟ يعنى بالفودين الألفين، وبالعلاوة الخمس مائة، وأراد أن يحطّه إيّاها، فقال: أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفودان! فرقّ له (معاوية) وترك عطاءه على حاله، فمات بعد ذلك بيسير.

وكان لبيد آلى فى الجاهليّة ألّا تهبّ الصّبا إلّا أطعم الناس حتّى تسكن، وألزمه نفسه فى إسلامه، فخطب الوليد بن عقبة الناس بالكوفة يوم صبا، وقال: إن أخاكم لبيدا آلى ألا تهبّ له الصّبا إلّا أطعم الناس حتّى تسكن، وهذا اليوم من أيّامه، فأعينوه وأنا أوّل من أعانه. ونزل فبعث إليه بمائة بكرة، وكتب إليه:

أرى الجزّار يشحذ شفرتيهإذا هبّت رياح أبى عقيل
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
أشمّ الأنف أصيد عامرىّطويل الباع كالسّيف الصّقيل
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
وفى ابن الجعفرىّ بحلفتيهعلى العلّات والمال القليل
بنحر الكوم إذ سحبت عليهذيول صبا تجاوب بالأصيل
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة

فلما أتاه الشعر قال لابنته: أجيبيه فقد رأيتنى وما أعيا بجواب شاعر، فقالت:

إذا هبّت رياح أبى عقيلدعونا عند هبّتها الوليدا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إذا هبت رياح أبي عقيل»
أشمّ الأنف أصيد عبشميّاأعان على مروءته لبيدا
للشاعر ابنة لبيد بن ربيعة العامري، اقرأ القصيدة
بأمثال الهضاب كأنّ ركباعليها من بنى حام قعودا
للشاعر ابنة لبيد بن ربيعة العامري، اقرأ القصيدة
أبا وهب حزاك الله خيرانحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إنّ الكريم له معادوظنّى يا ابن أروى أن تعودا
للشاعر ابنة لبيد بن ربيعة العامري، اقرأ القصيدة

فقال لها لبيد: أحسنت لولا أنّك استطعمتيه، (قالت: إنه ملك وليس بسوقة، ولا بأس باستطعام الملوك).

وملاعب الأسنّة هو عمّ لبيد، واسمه عامر بن مالك، وسمّى ملاعب الأسنّة لقول أوس بن حجر:

ولاعب أطراف الأسنّة عامرفراح له حظّ الكتيبة أجمع

وكان ملاعب الأسنّة أخذ أربعين مرباعا فى الجاهليّة، ولمّا كبر عامر وأهتر تنازع عامر بن الطّفيل وعلقمة بن علاثة الجعفريّان فى الرئاسة، حتّى تنافرا إلى هرم بن قطبة بن سيّار الفزارىّ.

وأربد بن قيس الذى أتى النبىّ ﷺ غادرا هو أخو لبيد لأمه، وكان قدم عليه مع عامر بن الطّفيل، فدعا الله عليه، فأصابته بعد منصرفه صاعقة فأحرقته، ففيه قال لبيد:

أخشى على أربد الحتوف ولاأرهب نوء السّماك والأسد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ما إن تعري المنون من أحد»
فجّعنى الرّعد والصّواعق بالفارس الكريهة النّجد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ما إن تعري المنون من أحد»

ويقال فيه نزلت: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ

وفيه يقول، وهو من جيّد شعره:

بلينا وما تبلى النّجوم الطّوالعوتبقى الجبال بعدنا والمصانع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
وقد كنت فى أكناف جار مضنّةففارقنى جار بأربد نافع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
فلا جزع إن فرّق الدّهر بيننافكلّ فتى يوما به الدّهر فاجع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
وما الناس إلّا كالدّيار وأهلهابها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وما الناس إلا كالديار وأهلها»
وما المرء إلّا كالشّهاب وضوئهيحور رمادا بعد إذ هو ساطع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
وما البرّ إلّا مضمرات من التّقىوما المال إلّا معمرات ودائع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
وما المال والأهلون إلّا ودائعولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
وما الناس إلّا عاملان. فعامليتبّر ما يبنى، وآخر رافع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
فمنهم سعيد آخذ بنصيبهومنهم شقىّ بالمعيشة قانع
أليس ورائى، إن تراخت منيّتى،لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
أخبّر أخبار القرون الّتى مضتأدبّ كأنى كلّما قمت راكع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
فأصبحت مثل السّيف أخلق جفنهتقادم عهد القين والنّصل قاطع
فلا تبعدن. إنّ المنيّة موعدعلينا، فدان للطّلوع وطالع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»
أعاذل ما يدريك، إلّا تظنّيا،إذا رحل السّفّار من هو راجع
أتجزع ممّا أحدث الدّهر للفتىوأىّ كريم لم تصبه القوارع
لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصىولا زاجرات الطّير ما الله صانع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»

ومما يستجاد له قوله أيضا:

ألا كلّ شىء، ما خلا الله، باطلوكلّ نعيم. لا محالة، زائل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
إذا المرء أسرى ليلة ظنّ أنّهقضى عملا، والمرء ما عاش آمل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
حبائله مبثوثة بسبيلهويفنى إذا ما أخطأته الحبائل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
فقولا له، إن كان يقسم أمره:ألمّا يعظك الدّهر؟ أمّك هابل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسبلعلّك تهديك القرون الأوائل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
فإن لم تجد من دون عدنان والداودون معدّ فلتزعك العواذل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
وكلّ امرئ يوما سيعلم سعيهإذا كشفت عند الإله المحاصل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

وهذا البيت الآخر يدلّ على أنه قيل فى الإسلام، وهو شبيه بقول الله ﵎ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ

أو كان لبيد قبل إسلامه يؤمن بالبعث والحساب، ولعلّ البيت منحول.

وممّا يستجاد له قوله:

فاقطع لبانة من تعرّض وصلهولخير واصل خلّة صرّامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

يقول: اقطع لبانتك ممّن لم يستقم (لك) وصله، فإنّ أحسن الناس وصلا أحسنهم وضعا للقطيعة فى موضعها.

ويستجاد له قوله:

واكذب النّفس إذا حدّثتهاإنّ صدق النّفس يزرى بالأمل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

(يقول): اكذب النفس أن تعدها الخبر وتمنّيها إيّاه، وإذا صدقها فقال لها مصيرك إلى الهلكة والزوال أزرى ذلك بأمله. ثم قال:

غير أنّ لا تكذبنها فى التّقىواخزها بالبرّ لله الأجل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

قول «اخزها»: سسها.

وممّا يعاب له من هذه القصيدة:

ومقام ضيّق فرّجتهبمقامى ولسانى وجدل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»
لو يقوم الفيل أو فيّالهزلّ عن مثل مقامى وزحل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقالوا: ليس للفيّال من الخطابة والبيان، ولا من القوّة، ما يجعله مثلا لنفسه! وإنما ذهب إلى أنّ الفيل أقوى البهائم، فظنّ أن فيّاله أقوى الناس! قال أبو محمد: وأنا أراه أراد بقوله:

لو يقوم الفيل أو فيّاله

مع فيّاله، فأقام «أو» مقام الواو.

ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:

كعقر الهاجرىّ إذا بناءبأشباه حذين على مثال

أخذه الطّرمّاح فقال:

حرجا كمجدل هاجرىّ لزّهبذوات طبخ أطيمة لا تخمد
قدرت على مثل فهنّ توائمشتّى يلائم بينهنّ القرمد

(ذوات طبخ: يعنى الآجرّ. أطيمة: يعنى أتّون ).

ومن ذلك قوله وذكر نوقا:

لها حجل قرّعت من رءوسهلها فوقه ممّا تحلّب واشل

أخذه النابغة الجعدىّ فقال:

لها حجل قرع الرّؤوس تحلّبتعلى هامة بالصّيف حتّى تموّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

يعنى بالحجل: أولادها الصغار.

قال أبو محمّد: قال لى شيخ من أصحاب اللغة: اجتمعت الرواة على خطإ فى بيت لبيد، وهو قوله:

من كلّ محفوف يظلّ عصيّهزوج عليه كلّة وقرامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

وقال: المحفوف: الهودج، والزّوج: النّمط، فكيف يظلّ النمط، وهو أسفل، العصىّ، وهى فوق؟ وإنّما كان ينبغى أن يرووه «من كلّ محفوف يظلّ عصيّه زوجا» ثم يرجع إلى المحفوف فيقول «عليه كلّة وقرامها » قال أبو محمّد: ولا أرى هذا إلّا غلطا منه، ولم تكن الرواة لتجتمع على هذه الرواية إلّا بأخذ عن العرب، وأراهم كانوا يلقون أيضا النمط فوق الأعواد ويلقونه داخله، وأحسبنى قد رأيت هذا بعينه فى البادية.

ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:

من المسبلين الرّيط لذّ كأنّماتشرّب ضاحى حلده لون مذهب
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أرى النفس لجت في رجاء مكذب»

أخذه الأخطل فقال:

لذّ تقبّله النّعيم كأنّمامسحت ترائبه بماء مذهب
للشاعر الأخطل، من قصيدة «الكاملبان الشباب وربما عللته»

وقوله يذكر قوما ماتوا:

وإنّا وإخوانا لنا قد تتابعوالكالمغتدى والرائح المتهجّر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري»

أخذه المحدث فقال:

سبقونا إلى الرّحيل وإنّا لبالأثر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا بني النقص والعبر»

ويستجاد له قوله فى النعمان، يصف نظره وشرّته:

وانتضلنا وابن سلمى قاعدكعتيق الطّير يغضى ويجلّ
والهبانيق قيام، معهمكلّ محجوم إذا صبّ همل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»
تحسر الدّيباج عن أذرعهمعند ذى تاج إذا قال فعل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»
فتولّوا فاترا مشيهمكروايا الطّبع همّت بالوحل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

ولبيد أوّل من شبّه الأباريق بالبطّ، فأخذ ذلك منه، قال يذكر الخمر:

تضمّن بيضا كالإوزّ ظروفهاإذا أتأقوا أعناقها والحواصلا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «كبيشة حلت بعد عهدك عاقلا»

فأخذه بعض الضّبّيّين فقال:

ويوم كظلّ الرّمح قصّر طولهدم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ويوم كظل الرمح قصر طوله»
كأنّ أباريق الشّمول عشيّةإوزّ بأعلى الطّفّ عوج المناقر
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ويوم كظل الرمح قصر طوله»

وقال أبو الهندىّ:

سيغنى أبا الهندىّ عن وطب سالمأباريق لم يعلق بها وضر الزّبد
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
مفدّمة قزّا كأنّ رقابهارقاب بنات الماء تفزع للرّعد

وقال لبيد:

حتّى إذا ألقت يدا فى كافروأجنّ عورات الثغور ظلامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

وقال ثعلبة بن صعير:

فتذكّرا ثقلا رثيدا بعدماألقت ذكاء يمينها فى كافر

يعنى: الليل.

النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «الشعر والشعراء»