من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أبو زبيد الطائى
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو المنذر بن حرملة، (من طيّئ). وكان جاهليّا قديما، وأدرك الإسلام، إلا أنه لم يسلم، ومات نصرانيّا، وكان من المعمّرين، يقال إنه عاش مائة وخمسين سنة. وكان نديم الوليد بن عقبة، وذكر لعثمان أنّ الوليد يشرب الخمر وينادم أبا زبيد، فعزله عن الكوفة وحدّه (فى الخمر).
ففى ذلك يقول أبو زبيد:
من يرى العير لابن أروى على ظهر المروّى حداتهنّ عجال
وابن أروى هو الوليد، وأروى أمّه أم عثمان بن عفّان، وفيها يقول:
قولهم شربك الحرام وقد كان شراب سوى الحرام حلال
وكان أبو زبيد فى بنى تغلب، وهم أخواله، وكان له غلام يرعى (عليه) إبله، فغزت بهراء، وهم من قضاعة، بنى تغلب، فمرّوا بغلامه، فدفع إليهم إبل أبى زبيد، وانطلق معهم ليدلّهم على عورة القوم ويقاتل معهم، فهزمت بهراء وقتل الغلام، فقال أبو زبيد فى ذلك:
قد كنت فى منظر ومستمععن نصر بهراء غير ذى فرس
تسعى إلى فتية الأراقم واستعجلت قبل الجمان والغبس
لا ترة عندهم فتطلبهاولا هم نهزة لمختلس
إمّا تقارن بك الرّماح فلاأبكيك إلا للدّلو والمرس
ولما صار الوليد بن عقبة إلى الرّقّة واعتزل عليّا ومعاوية سار أبو زبيد، فكان ينادمه، وكان يحمل فى كلّ يوم أحد إلى البيعة، فيحضر مع النصارى ويشرب، فبينا هو فى يوم أحد يشرب والنصارى حوله، رفع رأسه إلى السماء فنظر، ثم رمى بالكأس عن يده وقال:
إذا جعل المرء الذى كان حازمايحلّ به حلّ الحوار ويحمل
فليس له فى العيش خير يريدهوتكفينه ميتا أعفّ وأجمل
ومات، فدفن على البليخ، وهناك أيضا قبر الوليد بن عقبة.
ولم يصف أحد من الشعراء الأسد وصفه. قال شعبة؛ قلت للطّرمّاح: ما شأن أبى زبيد وشأن الأسد؟ قال: إنه لقيه أسد بالنّجف فسلّخه:
وهو القائل للوليد بن عقبة:
من يخنك الصّفاء أو يتبدّلأو يزل مثل ما تزول الظّلال
فاعلمن أننى أخوك أخو العهد حياتى حتّى تزول الجبال
ليس بخل عليك منّى بمالأبدا ما أقلّ سيفا حمال
فلك النّصر باللّسان وبالكفّ إذا كان لليدين مصال
كلّ شىء يحتال فيه الرّجالغير أن ليس للمنايا احتيال
ومن جيّد شعره:
إنّ طول الحياة غير سعووضلال تأميل نيل الخلود
علّل المرء بالرّجاء ويضحىغرضا للمنون نصب العود
كلّ يوم ترميه منها برشقفمصيب، أوصاف غير بعيد
كلّ ميت قد اغتفرت فلا أوجع من والد ومن مولود
غير أنّ الجلاح هدّ جناحىيوم فارقته بأعلى الصّعيد
وعلى هذه القصيدة احتذى ابن مناذر مرثيته عبد المجيد (بن عبد الوهاب) الثقفىّ.
ومن جيّد شعره:
إنما متّ والفؤاد عميديوم بانت بودّها حنساء
وفيها يقول:
ليت شعرى وأين منّى «ليت»إنّ «ليتا» وإنّ «لوّا» عناء
أىّ ساع سعى ليقطع شربىحين لاحت للصابح الجوزاء
واستظلّ العصفور كرها مع الضّبّ وأوفى فى عوده الحرباء
ونفى الجندب الحصى بكراعيهـ وأذكت نيرانها المعزاء
ويستجاد من تشبيهه فى الأسد قوله يصفه:
إذا واجه الأقران كان مجنّهجبين كتطباق الرّحا اجتاب ممطرا
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع