من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
العباس بن الأحنف
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو من بنى حنيفة. ويكنى أبا الفضل، وكان منشأه بغداد.
ويدلّك على أنّه من بنى حنيفة قوله للمرأة:
فإن تعتلونى لا تفوتوا بمهجتىمصاليت قومى من حنيفة أو عجل
وقد خطّىء فى توعّده المرأة بطلب قومه بثأره إذا هو قتل عشقا، والعادة فى مثل هذا من الشعراء أن يجعلوا القتيل مطلولا.
وقال فيه مسلم:
بنو حنيفة لا يرضى الدّعىّ بهمفاترك حنيفة واطلب غيرهم نسبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهمإنى أرى لك وجها يشبه العربا
وكان العبّاس صاحب غزل، ويشبّه من المتقدّمين بعمر بن أبى ربيعة. ولم يكن يمدح ولا يهجو.
ومن حسن شعره قوله:
أشّكو الّذين أذاقونى مودّتهمحتّى إذا أيقظونى بالهوى رقدوا
وقوله:
وقوله:
لو كنت عاتبة لسكّن روعتىأملى رضاك وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لى حيلةصدّ الملول خلاف صدّ العاتب
ما ضرّ من قطع الرّجاء ببخلهلو كان علّلنى بوعد كاذب
وشبيه به قول الآخر:
أمتّينى فهل لك أن تردّىحياتى من مقالك بالغرور
أرى حبّيك ينمى كلّ يوموجورك فى الهوى عدلا فجورى
ومن جيد شعر العبّاس قوله:
أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنى ذبالة نصبتتضىء للناس وهى تحترق
وقوله:
بكت غير آنسة بالبكاءترى الدّمع فى مقلتيها غريبا
وأسعدها نسوة بالبكاءجعلن مغيض الدّموع الجيوبا
وفيها يقول:
أيا من تعلّقته ناشئافشبت ولم يأن لى أن أشيبا
ويا من دعانى إلى حبّهفلبّيت لمّا دعانى مجيبا
وكم باسطين إلى وصلناأكفّهم لم ينالوا نصيبا
لعمرى لقد كذب الزاعمون أنّ القلوب تجازى القلوبا
ولو كان ذاك كما يذكرون ما كان يشكو محبّ حبيبا
وفيها يقول:
وأنت إذا ما وطئت التّراب صار ترابك للناس طيبا
وقوله:
أيا من سرورى به شقوةومن صفو عيشى به أكدر
تجنّيت تطلب لمّا مللتعلىّ الذّنوب ولا تقدر
فلو لم يكن بى بقيا عليكنظرت لنفسى كما تنظر
وماذا يضرّك من شهرتىإذا كان أمرك لا يظهر
أمنّى تخاف انتشار الحديثوحظّى فى صونه أوفر
وقال فيها:
هبونى أغضّ إذا ما بدتوأملك طرفى فلا أنظر
فكيف استتارى إذا ما الدّموعنطقن فبحن بما أضمر
ومن بديع تشبيهه قوله فى المرأة إذا مشت:
كأنّها حين تمشى فى وصائفهاتخطو على البيض أو خضر القوارير
وقوله:
قلبى إلى ما ضرّنى داعىيكثر أسقامى وأوجاعى
كيف احتراسى من عدوّى إذاكان عدوّى بين أضلاعى
يعنى قلبه.
ومن إفراطه قوله:
ومحجوبة بالسّتر عن كلّ ناظرولو برزت باللّيل ما ضلّ من يسرى
أخذه من قول الأوّل:
وجوه لو أنّ المعتفين اعتشوا بهاصدعن الدّجى حتّى ترى اللّيل ينجلى
وقول الآخر:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الّليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه
ثم قال العبّاس:
لخال بذاك الوجه أحسن عندنامن النّكتة السّوداء فى وضح البدر
وهو القائل:
ردّ الجبال الرّواسى من مواضعهاأخفّ من ردّ نفس حين تنصرف
همّوا بهجرى وكانت فى نفوسهمبقيّة من هوى باق فقد وقفوا
وكان الرّشيد هجر جارية له، ونفسه بها متعلّقة، وكان يتوقّع أن تبدأه بالترضّى، فلم تفعل الجارية ذلك، حتى أقلقته وأرّقته، وبلغ ذلك العبّاس فقال:
صدّت مغاضبة وصدّ مغاضباوكلاهما ممّا يعالج متعب
إنّ التّجنّب إن تطاول منكمادبّ السّلوّ له فعزّ المطلب
وبعث إليه بالبيتين، وبعث إليه ببيتين آخرين، وهما:
لا بدّ للعاشق من وقفةتكون بين الوصل والصّرم
حتّى إذا الهجر تمادى بهراجع من يهوى على رغم
فاستحسن الرشيد إصابته حاليها، وقال: أراجعها- والله- مبتدئا على رغم، وفعل ذلك وأمر للعباس بصلة سنيّة، وأمرت له الجارية بمثلها.
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع