من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
على بن جبلة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كان علىّ بن جبلة ضريرا، وكان يمدح أبا دلف القاسم بن عيسى.
وهو القائل فيه:
إنّما الدّنيا أبو دلفبين مغزاه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدّنيا على أثره
وكان يمدح حميد بن عبد الحميد، فلمّا سمع حميد هذا فى أبى دلف قال: أىّ شىء بقّيت لنا بعد هذا من مدحك؟ فقال:
إنّما الدّنيا حميدوأياديه الجسام
فإذا ولّى حميدفعلى الدّنيا السّلام
وهو القائل فى حميد:
دجلة تسقى وأبو غانميطعم من تسقى من الناس
والناس جسم وإمام الهدىرأس وأنت العين فى الرأس
وقال للحسن بن سهل:
أعطيتنى يا ولىّ الحقّ مبتدئاعطيّة كافأت مدحى ولم ترنى
ما شمت برقك حتى نلت ريّقهكأنّما كنت بالجدوى تبادرنى
وهو القائل فى حميد:
إلى أكرم قحطانوصلنا السّهب بالسّهب
إلى مجتمع النّيلوملقى أرحل الرّكب
حميد مفزع الأمّة فى الشّرق وفى الغرب
كأنّ الناس جسم وهـومنه موضع القلب
إذا سالم أرضا غنيت آمنة السّرب
وإن حاربها حلّتبها راغية السّقب
إذا لاقى رعيل الموت بالشّطبة والشّطب
وبالماذيّة الخضروبالهنديّة القضب
غدا مجتمع القلبله جند من الرّعب
فيا فوز الّذى والىويابؤسى أخى الذّنب
أيا ذا الجود فأسلم ماجرت حقب إلى حقب
فأنت الغيث فى السّلموأنت الموت فى الحرب
وأنت الجامع الفارق بين البعد والقرب
بك الله تلافى الناس بعد العثر والنّكب
وردّ البيض والبيضإلى الأغماد والحجب
بإقدامك فى الحربوإطعامك فى اللزب
فكم أمّنت من خوفوكم أشغبت من شغب
وكم أصلحت من خطبوكم أيّمت من خطب
وما تمهرها إلادراك الطّعن والضّرب
تناهت بك قحطانإلى الغاية والحسب
ففاتت شرف الأحياءء فوت الرّأس للعجب
وممّا أسرف فيه فكفر أو قارب الكفر، قوله فى أبى دلف:
أنت الّذى تنزل الأيّام منزلهاوتنقل الدّهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحدإلا قضيت بأرزاق وآجال
تزورّ سخطا فتمسى البيض راضيةوتستهلّ فتبكى أوجه المال
وقال فيها:
كأنّ خيلك فى أثناء غمرتهاأرسال قطر تهامى فوق أرسال
يخرجن من غمرات الموت ساميةنشر الأنامل من ذى القرّة الصالى
أخذه من الأسعر الجعفى إذ ذكر الخيل فقال:
يخرجن من خلل الغبار عوابساكأصابع المقرور أقعى فاصطلى
أراد أنّها تخرج متساوية كأصابع المصطلى، لأنّها تستوى إذا اصطلى فقبضها.
وقال فى حميد:
والجود فى كفّ غيره خشنوهو بكفّيه ليّن سرب
أخذه من قول مسلم:
الجود أخشن مسّا يا بنى مطرمن أن تبزّكموه كفّ مستلب
وقال أيضا:
جلاء مشيب نزلوأنس شباب رحل
طوى صاحب صاحباكذاك اختلاف الدّول
شباب كأن لم يكنوشيب كأن لم يزل
كأنّ حسور الصّباعن الشّيب حين اشتعل
زها أمل مونقأطلّ عليه أجل
أخذه محمود الورّاق فقال:
بكيت لقرب الأجلوبعد فوات الأمل
ووافد شيب طرابعقب شباب رحل
شباب كأن لم يكنوشيب كأن لم يزل
طواك بشير البقاوحلّ نذير الأجل
وقال عبد الحميد الكاتب فى نحو هذا:
ترحّل ما ليس بالقافلوأعقب ما ليس بالآفل
فلهفى من الخلف النازلولهفى من الّسلف الراحل
أبكّى على ذا وأبكى لذابكاء المولّهة الثاكل
تبكّى على ابن لها قاطعوتبكى على ابن لها واصل
تقضّت غوايات سكر الصّباوردّ التّقى عنق الباطل
ولا أحسب علىّ بن جبلة أخذ هذا إلا من كتاب عمر بن عبد العزيز ﵀، فإنّه كتب إلى بعض عمّاله: «أمّا بعد فكأنّك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل».
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع