من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أبو الشيص
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
اسمه محمّد بن عبد الله بن رزين، وهو ابن عمّ دعبل بن علىّ ابن رزين الشاعر. وكان فى زمن الرّشيد.
ولّما مات الرّشيد رثاه ومدح محمّدا فقال:
جرت جوار بالسّعد والنّحسفنحن فى وحشة وفى أنس
العين تبكى والسّنّ ضاحكةفنحن فى مأتم وفى عرس
يضحكنا القائم الأمين وتبكينا وفاة الإمام بالأمس
بدران بدر أضحى ببغداد فى الخلد وبدر بطوس فى الرّمس
ومن جيّد شعره:
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لىمتأخّر عنه ولا متقدّم
وأهنتنى فأهنت نفسى جاهداما من يهون عليك ممّن يكرم
أشبهت أعدائى فصرت أحبّهمإذ كان حظّى منك حظّى منهم
أجد الملامة فى هواك لذاذةحبّا لذكرك فليلمنى اللّوم
وقوله:
قل للطويلة موضع العقدولطيفة الأحشاء والكبد
ألا وقفت على مدامعهفنظرت ما يعملن فى الخدّ
لولا التنطّق والسّوار معاوالحجل والدّملج فى العضد
لتزايلت من كلّ ناحيةلكن جعلن لها على عمد
جاءت إلى عينيك وجنتهافى جلعة الخيرىّ والورد
وقوله:
هذا كتاب فتى له هممعطفت عليك رجاءه رحمه
غلّ الزّمان يدى عزيمتهوهوت به من حالق قدمه
وتواكلته ذوو قرابتهوطواه عن أكفائه عدمه
أفضى إليك بسرّه قلملو كان يعرفه بكى قلمه
وقال أيضا:
ما فرّق الأحباب بعد الله إلّا الإبل
والنّاس يلحون غراب البين لمّا جهلوا
وما على ظهر غراب البين تمطى الرّحل
ولا إذا صاح غراب فى الدّيار احتملوا
وما غراب البين إلّا ناقة أو جمل
ومن جيدّ شعره قصيدته التى يقول فيها:
أبدى الزّمان به ندوب عضاضورمى سواد قرونه ببياض
لا تنكرى صدّى ولا إعراضىليس المقلّ عن الزّمان براضى
وقوله:
خلع الصّبا عن منكبيه مشيبوطوى الذّوائب رأسه المخضوب
نشر البلى فى عارضيه عقاربابيضا لهنّ على القرون دبيب
ومن جيّد شعره قصيدته الّتى يقول فيها:
نهى عن خلّة الخمربياض لاح فى الشّعر
لقد أغدو وعين الشّمس فى أثوابها الصّفر
على جرداء قبّاء الحشى ملهبة الحضر
بسيف صارم الحدّوزقّ أحدب الظّهر
وظبى تعطف الأرداف متنيه على الخصر
على ألطف ما شدّتعليه عقد الأزر
مهاة ترتمى الألباب عن قوس من السّحر
لها طرف يشوب الخمر للنّدمان بالخمر
عفيف اللّحظ والإغضاء فى الصّحو وفى السّكر
على عذراء لم تفتقبنار لا ولا قدر
عجوز نسج الماءلها طوقا من الشّذر
كأنّ الذّهب الأحمر فى حافاتها يجرى
وليل يركب الرّكبان فى أثوابه الخضر
بأرض تقطع الحيرة فيها بالقطا الكدرى
توكّلت على أهوالها بالله والصبّر
وإعمال بنات الرّيح فى المهمهة القفر
شماليل يصافحنمتون الصّخر بالصّخر
بإيجاف يقدّ الّليل عن ناصية الفجر
وقصيدته التى يقول فيها:
أشاقك واللّيل ملقى الجرانغراب ينوح على غصن بان
أحصّ الجناح شديد الصّياحيبكّى بعينين ما تدمعان
وفى نعبات الغراب اغترابوفى البان بين بعيد التّدانى
أهل لك يا عيش من رجعةبأيّامك المشرقات الحسان
لعلّ الشّباب وريعانهيسوّد ما بيّض العارضان
وهيهات يا عيش من عهدناوأغصانك المائلات الدّوانى
لقد صدع الشّعب ما بينناوبينك صدع الرّداء اليمانى
وقال فيها يذكر الخمر:
وعذراء لم تفترعها السّقاةولا استامها الشّرب فى بيت حانى
ولا احتلبت درّها أرجلولا وسمتها بنار يدان
ولكن غذتها بألبانهاضروع تحفّى بها جدولان
فلم تزل الشّمس مشغولةبصنعتها فى بطون الدّنان
ترشّحها لأثام الرّجالإلى أن تصدّى لها الساقيان
ففضّا الخواتم عن جونةصدود عن الفحل بكر هجان
عجوز غذا المسك أصداغهامضمّخة الجلد بالزّعفران
يطوف علينا بها أحوريداه من الكأس مخضوبتان
ليالى يحسب لى من سنىّثمان وواحدة واثنتان
غلام صغير أخو شرّةيطير مع اللهو بى طائران
جرور الإزار خليع العذارعلىّ لعهد الصّبا بردتان
أصيب الذّنوب ولا أتّقىعقوبة ما يكتب الكاتبان
تنافس فىّ عيون الرّجالويعتزّ بى فى الحجال الغوانى
فراجعت لّما أطار الشّبابغرابان عن مفرقى طائران
وأقصرت لّما نهانى المشيبوأقصر عن عذلى العاذلان
وعافت لعوب وأترابهادنوّى إليها وملّت مكانى
رأت رجلا وسمته السّنونبريب المشيب وريب الزّمان
فصدّت وقالت أخو شيبةعديم ألا بئست الخلّتان
فقلت كذلك من عضّهمن الدّهر ناباه والناجذان
وقال يرثى:
ختلته المنون بعد اختيالبين صفّين من قنا ونصال
فى رداء من الصّفيح صقيلوقميص من الحديد مذال
وقال فى الرشيد يرثيه:
غربت بالمشرق الشّمس فقل للعين تدمع
ما رأينا قطّ شمساغربت من حيث تطلع
وكان لأبى الشّيص ابن يقال له عبد الله، شاعر.
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع