من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الخريمى
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو إسحاق بن حسّان، ويكنى أبا يعقوب، من العجم.
وهو القائل:
إنى امرؤ من سراة الصّغد ألبسنىعرق الأعاجم جلدا طيّب الخبر
وكان مولى ابن خريم، الذى يقال لأبيه خريم الناعم. وهو خريم بن عمرو، من بنى مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وكان لخريم ابن يقال له عمارة، ولعمارة ابنان يقال لهما عثمان وأبو الهيذام ابنا عمارة.
ولعثمان يقول أو يعقوب:
جزى الله عثمان الخريمىّ خير ماجزى صاحبا جزل المواهب مفضلا
كفى جفوة الإخوان طول حياتهوأورث ممّا كان أعطى وخوّلا
وكان عثمان عظيم القدر وأحد القوّاد.
وعمى أبو يعقوب الخريمىّ بعد ما أسنّ. وكان يقول فى ذلك.
فمنه قوله:
فإن تك عينى خبا نورهافكم قبلها نور عين خبا
فلم يعم قلبى ولكنّماأرى نور عينى إليه سرى
فأسرج فيه إلى نورهسراجا من العلم يشفى العمى
وأخذ هذا من عبد الله بن العباس بن عبد المطّلب، وكان قد عمى فقال:
إن يأخذ الله من عينىّ نورهماففى لسانى وقلبى منهما نور
قلبى ذكىّ وعقلى غير ذى دخلوفى فمى صارم كالسّيف مأثور
وكان أبو يعقوب متّصلا بمحمد بن منصور بن زياد، كاتب البرامكة، وله فيه مدائح جياد، ثمّ رثاه بعد موته فقيل له: يا أبا يعقوب مدائحك لآل منصور بن زياد أحسن من مراثيك وأجود! فقال: كنّا يومئذ نعمل على الرّجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد! وهو القائل فى عينيه:
أصغى إلى قائدى ليخبرنىإذا التقينا عمّن يحيّينى
أريد أن أعدل السّلام وأنأفصل بين الشّريف والدّون
أسمع ما لا أرى فأكره أنأخطىء والسّمع غير مأمون
لله عينى التى فجعت بهالو أنّ دهرا بها يواتينى
لو كنت خيّرت ما أخذت بهاتعمير نوح فى ملك قارون
حقّ أخلّائى أن يعودونىوأن يعزّوا عنّى ويبكونى
وهو القائل:
إذا مات بعضك فابك بعضافإنّ البعض من بعض قريب
يمنّينى الطّبيب شفاء عينىوهل غير الإله لها طبيب
وهو القائل فى بغداد فى الفتنة:
يا بؤس بغداد دار مملكةدارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثمّ عاقبهالمّا أحاطت بها كبائرها
رقّ بها الدّين واستخفّ بذى الفضل وعزّ الرّجال فاجرها
وصار ربّ الجيران فاسقهموابتزّ أمر الدّروب شاطرها
يحرق هذا وذاك يهدمهاويشتفى بالنّهاب داعرها
والكرخ أسواقها معطّلةيستنّ شذّانها وعائرها
أخرجت الحرب من أساقطهمآساد غيل غلبا قساورها
من البوارى تراسها ومن الخوص إذا استلأمت مغافرها
لا الرّزق تبغى ولا العطاء ولايحشرها بالعناء حاشرها
ومن جيّد شعره قوله:
النّاس أخلاقهم شتّى وإن جبلواعلى تشابه أرواح وأجساد
للخير والشّرّ أهل وكّلوا بهماكلّ له من دواعى نفسه هاد
منهم خليل صفاء ذو محافظةأرسى الوفاء أواخيه بأوتاد
ومشعر الغدر محنىّ أضالعهعلى سريرة غمر غلّها باد
مشاكس خدع حمّ غوائلهيبدى الصّفاء ويخفى ضربة الهادى
يأتيك بالبغى فى أهل الصّفاء ولاينفكّ يسعى بإصلاح لإفساد
ومن جيّد شعر الخريمى قوله:
أضاحك ضيفى قبل إنزال رحلهويخصب عندى والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرىولكنّما وجه الكريم خصيب
ومن جيّد شعره قوله:
زاد معروفك عندى عظماأنّه عندك محقور صغير
تتناساه كأن لم تأتهوهو عند الناس مشهور كبير
وهو القائل:
إنّ أشدّ الناس فى الحشر حسرةلمورث مال غيره وهو كاسبه
كفى سفها بالكهل أن يتبع الصّباوأن يأتى الأمر الّذى هو عائبه
ويستجاد له قوله:
ودون النّدى فى كلّ قلب ثنيّةلها مصعد وعر ومنحدر سهل
وودّ الفتى فى كلّ نيل ينيلهإذا ما انقضى لو أنّ نائله جزل
وأعلم علما ليس بالظّنّ أنّهلكلّ أناس من ضرائبهم شكل
وأنّ أخلاء الزّمان غناؤهمقليل إذا الإنسان زلّت به النّعل
تزوّد من الدّنيا متاعا لغيرهافقد شمّرت حذّاء وانصرم الحبل
وهل أنت إلا هامة اليوم أو غدلكلّ أناس من طوارقها الثّكل
وفى هذا الشعر يقول:
أبالصّغد بأس إذ تعيّرنى جملسفاها ومن أخلاق جارتى الجهل
فإن تفخرى يا جمل أو تتجمّلىفلا فخر إلا فوقه الدّين والعقل
أرى الناس شرعا فى الحياة ولا يرىلقبر على قبر علاء ولا فضل
وما ضرّنى أن لم تلدنى يحابرولم تشتمل جرم علىّ ولا عكل
وهو القائل:
ما أحسن الغيرة فى حينهاوأقبح الغيرة فى كلّ حين
من لم يزل متّهما عرسهمناصبا فيها لريب الظّنون
أو شك أن يغريها بالّذىيخاف أن يبرزها للعيون
حسبك من تحصينها وضعهامنك إلى عرض صحيح ودين
لا تطّلع منك على ريبةفيتبع المقرون حبل القرين
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع