من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
فصل فى ترتيب الصّمم
يقال:
بأذنه وقر.
فإذا زاد، فهو صمم.
فإذا زاد، فهو طرش.
فإذا زاد حتّى لا يسمع الرعد، فهو صلخ.
ومما وصف به الصّدغ، فمن ذلك قول عبد الله بن المعتزّ:
ريم! يتيه بحسن صورته،عبث الفتور بلحظ مقلته
فكأن عقرب صدغه وقفت،لما دنت من نار وجنته
وقال ابن الرومىّ:
أبدا نحن في خلاف: فمنّىفرط حبّ ومنك لى فرط بغض
فبصدغيك فوق خطّ عذارظلمات، وبعضها فوق بعض
وقال الصاحب بن عبّاد:
وعهدى بالعقارب حين تشتوتخفّف لدغها وتقلّ ضرّا
فما بال الشتاء أتى، وهذاعقارب صدغه يزددن شرّا؟
وقال ابن المعتزّ:
أمن سبج في عارضيه صوالجمعطّفة تفّاح خدّيه تضرب؟
وما ضرّه نار بخدّيه الهبت؛ولكن بها قلب المحبّ يعذّب؟
عناقيد صدغيه بخدّيه تلتوىوأمواج ردفيه بخصريه تقلب
شربت الهوى صرفا زلالا، وإنمالواحظه تسقى وقلبى يشرب
وقال الثعالبىّ:
وصو لجان في يدى شادنلا يسمح العاشق أن يذكره
. وصو لجان المسك في خدّهمتّخذ حبّة قلبى كره
وقال الناشئ الأصغر:
لك صدغ كأنمانونه نون كاتب
يلدغ الناس إذ تعقرب لدغ العقارب
وقال الصاحب بن عبّاد:
يا شادنا في وجهه عقربما يستجيب الدّهر للراقى
يسلم خدّاه على لدغها،ولدغها في كبدى باقى!
وقال عمر المطوعىّ:
بنفسى من تمّت محاسن وجهه!فما هو إلا البدر عند تمام
وأرسل صدغا فوق خدّ كأنهجناح غراب فوق طوق حمام
وقال آخر:
حلّت بمقارب صدغه في خدّهقمرا، فجلّ بها عن التشبيه!
ولقد عهدناه يحلّ ببرجهافمن العجائب كيف جلّت فيه؟
وقال العماد الأصبهانىّ:
وإذا بدا لك صدغه في وجهه،أبصرته قمرا بدا في العقرب!
وقال أبو الفتح كشاجم:
ومنعن ورد خدودهنّ فلم نطققطفا لها لعقارب الأصداغ!
ومما وصفت به الخدود والوجنات، فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير.
قال أبو الفتح كشاجم:
غدا، وغدا تورّد وجنتيهلعين محبه يصف الرّياضا
على خدّيه ماء عسجدىّ؛فلو نظر الرقيب إليه، غاضا
وقال آخر:
دعوت بماء في زجاج، فجاءنىحبيبى به خمرا نظرت له شزرا
فقال: هو الماء القراح وإنماتجلّى له خدّى فأوهمك الخمرا!
وقال أبو القاسم عبد الغفار المصرىّ، شاعر اليتيمة:
ورد الخدود أرقّ منورد الرّياض وأنعم
هذا تنشّقه الأنوف، وذا يقبّله الفم
فإذا عدلت، فأفضل الوردين ورد يلثم
وقال أيضا (ويروى للوأواء الدمشقى):
لا تظلموا الناس ولا تطلبوابثارى اليوم أذى مسلم!
ويا لقومى دونكم شادنامعتدل القامة والمبسم!
فإن أبى إلا جحود الهوىواكتتم الأمر ولم يعلم،
قولوا له يكشف عن خدّه؛فإن فيه نقطا من دمى
وقال ابن الرومىّ:
وغزال ترى على وجنتيهقطر سهميه من دماء القلوب
لهف نفسى لتلك من وجناتوردها ورد شارق مهضوب!
أنهلت صبغ نفسها ثم علّتمن دماء القتلى بغير ذنوب
جرحته العيون فاقتصّ منهابجوى في القلوب دامى النّدوب
وقال أيضا:
يا وجنتيه اللتين من بهجفى صدغيه اللذين من دعج!
ما حمرة فيكما: أمن خجل،أم صبغة الله، أم دم المهج؟
وقال أبو الفتح البستىّ:
ومهفهف غنج الشمائل أزعجتقلبى محاسن وجهه إزعاجا
درت الطبيعة أن فاحم شعرهليل فأذكت وجنتيه سراجا
وقال عبد الله بن المعتزّ:
يا من يجود بموعد من لحظهويصدّ حين أقول: أين الموعد؟
ويظلّ صبّاغ الحياء بخدّهتعبا: يعصفر تارة ويورّد
وقال الراضى بالله:
يصفرّ وجهى إذا تأمّلنىخوفا، ويحمرّ خدّه خجلا
حتّى كأنّ الذى بوجنتهمن ماء وجهى إليه قد نقلا
وقال الخبز أرزى:
صل بخدّى خدّيك، تلق عجيبامن معان يجاز فيها الضمير
فبخدّيك للرّبيع رياض،وبخدّى للدّموع غدير
وقال أيضا:
أظهر الكبرياء من فرط زهو،فتلقّيته بذلّ الخضوع
وحبانى ربيع خدّيه بالورد فأمطرته سحاب الدّموع
وقال الصنوبرىّ:
رقّ، فلو كلّفته أعينناأن يرشح الخمر خدّه، رشحا
وقال المفجّع:
ظبى إذا عقرب أصداغه،رأيت ما لا يحسن العقرب
تفّاح خدّيه له نضرةكأنّه من دمعتى يشرب
وقال آخر:
ومبيح أسرار القلوب بوجنتيه وحاجبيه
جمع الإله له المحاسن ثم أفرغها عليه
وكأنّ مرآتين علّقتا بصفحة عارضيه
وكأنّ ورد الجلّنار مضعّف في وجنتيه
وقال علىّ بن عطيّة البلنسىّ في غلام جرح خدّه:
وأحوى رمى عن قسىّ الحورسهاما يفوّقهنّ النظر
يقولون: وجنته قسّمتورسم محاسنه قد دثر
وما شقّ وجنته عابثاولكنّها آية للبشر
جلاها لنا الله كيما نرىبها كيف كان انشقاق القمر
ومما وصفت به على لفظ التأنيث، فمن ذلك قول عبد الله بن المعتزّ:
نجل العيون، سواحر اللحظاتهيّجن منك سواكن الحركات
أقبلن يرمين الجمار تنسّكا،فجعلن قلبك موضع الجمرات
فكأنهنّ غصون بان ناعميحملن تفّاحا على الوجنات
وقال ابن الرومىّ:
تشرع الألحاظ في وجنتهافتلاقى الرّىّ من مشربها
فهى حسب العين من نزهتها،وهى حسب الأذن من مطربها
وقال ديك الجنّ:
بأبى الثلاث الآنسات الرائقات الغانيات!
أقبلن، والأصداغ فيوجناتهنّ معقربات!
ألفاظهنّ مؤنّثات والجفون مذكّرات!
حتّى إذا عاينتهنّوللأمور مسبّبات،
جمّشتهنّ، وقلت: طيب عناقكنّ هو الحياة!
فحجلن حتّى خلت أنّخدودهنّ معصفرات
ومما وصفت به الخيلان، فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير.
قال بعض الشعراء:
فى الساعد الأيمن خال لهمثل السّويداء على القلب
كأنه من سبج فاحممركّب من لؤلؤ رطب
وقال ابن منير الطرابلسى:
لاح لنا عاطلا، فصيغ لهمناطق من مراشق المقل
حياة روحى وفي لواحظهحتفى بين النّشاط والكسل
ما خاله من فتيت عنبر صدغيه ولا قطر صبغة الكحل
لكن سويداء قلب عاشقهطفت على نار وردة الخجل
وقال أيضا:
أنكرت مقلته سفك دمى،وعلى وجنته فاعترفت
لا تخالوا خاله في خدّهقطرة من صبغ جفن نطفت
تلك من نار فؤادى جذوةفيه ساخت وانطفت ثم طفت!
وقال آخر:
لا تخال الخال يعلو خدّهنقط مسك ذاب من طرّته
ذاك قلبى سلبت حبّتهفاستوت خالا على وجنته
وقال ابن منير:
كأنّ خدّيه دينارين قد وزناوحرّر الصّيرفىّ الوزن واحتاطا
فخفّ إحداهما عن وزن صاحبه،فحطّ فوق الذى قد خفّ قيراطا
وقال آخر:
أضحى ليوسف في الجمال خليفة،يخشأه كلّ العالمين إذا بدا
عرّج معى وانظر إليه لكى ترىفى خدّه علم الخلافة أسودا
وقال آخر:
كم قلت للنفس: إليه اذهبى،فحبّه المشهور من مذهبى!
مهفهف القدّ له شامةمن عنبر في خدّه المذهب
آيسنى التوبة من حبّهطلوعه شمسا من المغرب!
وقال آخر:
ومهفهف من شعره وجبينهيغدو الورى في ظلمة وضياء
لا تنكروا الخال الذى في خدّهكلّ الشقيق بنقطة سوداء
وقال آخر:
لهيب الخدّ حين رأته عينىهوى قلبى عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالا؛وها أثر الدّخان على الحواشى!
وقال آخر:
بدا على خدّه خال يزيّنه،فزادنى شغفا منه إلى شغفى
كأنّ حبّة قلبى عند رؤيتهطارت فقلت لها: فى الخدّ منه قفى!
وقال آخر:
خيلان خدّك ردّتصحيح قلبى مريضا
فى العين سود، ولكنما زلن في القلب بيضا
وقال آخر:
خدّك مرآة كلّ حسنيحسن من حسنها الصّفات
مالى أرى فوقه نجوماقد كسفت وهى نيّرات؟
وقال آخر:
حجّت إلى وجهك أبصارناطائفة، يا كعبة الحسن!
تمسح خالا منك في وجنةكالحجر الأسود في الركن
وقال الأسعد بن بليطة:
سكران لا أدرى- وقد وافى بنا-أمن الملاحة أم من الجريال
تتنفّس الصّهباء في لهواتهكتنفّس الرّيحان في الآصال
وكأنما الخيلان في وجناتهساعات هجر في ليال وصال
ومما وصفت به على لفظ التأنيث، فمن ذلك قول أبى الفتح كشاجم:
فديت زائرة في العيد واصلةلمستهام بها للوصل منتظر
فلم يزل خدّها ركنا ألوذبه،والخال في صحنه يغنى عن الحجر
وقال العباس بن الأحنف:
ومحجوبة في الخدر عن كلّ ناظر،ولو برزت، ما ضلّ بالليل من يسرى
بخال بذاك الخدّ أحسن منظرامن النّقطة السّوداء في وضح البدر
ومما قيل في العذار، فمن ذلك ما ورد فيه على سبيل المدح.
قال مانى الموسوس عفا الله عنه ورحمه:
وما غاضت محاسنه؛ ولكنبماء الحسن أورق عارضاه
سمعت به فهمت إليه شوقا!فكيف لك التصبّر، لو تراه؟
وقال أبو فراس:
من أين للرشإ الغرير الأحورفى الخذ مثل عذاره المتحدّر؟
يا من يلوم على هواه سفاهة!أنظر إلى تلك السوالف، تعذر
قمر كأنّ بعارضيه كليهمامسك تساقط فوق ورد أحمر
وقال ابن المعدّل:
سالت مسايل عارضيهـ بنفسجا في ورده
فكأنّه من حسنهعبث الربيع بخدّه
وقال الخبّاز البلدى:
وعارض مثل دارة البدردار بوجه كليلة القدر
فلو تراه وحسن منظره،شهدت أنّ الجمال للشّعر
وقال ابن المعتزّ:
وتكاد الشمس تشبههويكاد البدر يحكيه
كيف لا يخضرّ عارضه،ومياه الحسن تسقيه؟
وقال محمد بن وهب:
صدودك في الورى هتك استتارى،وساعده البكاء على اشتهارى
ولم أخلع عذارى فيك إلّالما عاينت من حسن العذار
وكم أبصرت من حسن، ولكنعليك من الورى وقع اختيارى
وقال أبو الفرج الوأواء:
وشمس بأعلاه ولبلان أسبلابخدّيه، إلا أنّها ليس تغرب
ولمّا حوى نصف الدّجى نصف خدّهتحيّر حتّى مادرى أين يذهب
وقال الخبز أرزّى:
انظر إلى الغنج يجرى في لواحظه،وانظر إلى دعج في طرفه الساجى!
وانظر إلى شعرات فوق عارضهكأنهنّ نمال سرن في العاج!
وقال أيضا:
وجه تكامل حسنهلما تطرّفه عذاره
والسيف أحسن ما ترىما كان مخضرّا غراره
وقال الأمير سيف الدّين المشدّ:
ولائم في عذار بدرلم أستطع عن هواه ميلا
فقلت، والدّمع في جفونىلفرط وجدى تسيل سيلا:
ضللت في خدّه نهارا!كيف رشادى، وصار ليلا؟
وقال أيضا:
ولمّا أن بدا في الخدّ شعرتوقّف عند منتصف العذار
فقلت للائمى فيه: تعجّبلنصف الليل في نصف النهار!
وقال أيضا:
ومهفهف يحمى ورود رضابهبصوارم سلّت من الأجفان
كتب العذار بليقة مسكيّةفى خدّه سطرا من الرّيحان
وقال أيضا:
يقول العواذل لمّا بداعلى خدّه شعر زائر:
ذوى ورد خدّيه، قلت: اقصروافنرجس ألحاظه وافر!
وقال آخر:
وقالوا: تسلّى فقد شانهعذار أراحك من صدّه
فقلت: وهمتم، ولكنّنىخلعت العذار على خدّه
وقال آخر:
بروحى وقلبى ذلك العارض الذىغدا مسكه فوق السّوالف سائلا
درى خدّه أنّى أجنّ من الهوى،فأظهر لى قبل الجنون سلاسلا!
وقال آخر:
أصبحت مأسورا بغنج لحاظهومقيّدا من صدغه بسلاسل
حتّى بدا سيف العذار مجرّدافخشيت منه، فقلت هذا قاتلى!
وقال آخر:
قالت: اسودّ عارضاك بشعر،وبه تقبح الوجوه الحسان!
قلت: أشعلت في فؤادى نارا،فعلى عارضىّ منه دخان!
وقال آخر:
قلت، وقد أبصرته مقبلاوقد بدا الشّعر على الخدّ:
صعود ذا النمل على خدّهيشهد أن الرّيق من شهد
ومثله قول الآخر:
قالوا: التحى، فاصب إلى غيره!قلت لهم: لست إذا أسلو!
لو لم يكن من عسل ريقه،ما دبّ في عارضه النّمل
وقال آخر:
عذاره أحسن ما فيه،وتيهه من أحسن التّيه
فى فمه الشّهد، فلا تعجبواإن دبّ نمل بعذاريه
وقال آخر:
أصلى بنار الخدّ عنبر خالهفغدا العذار دخان ذاك العنبر
وقال آخر (وقد تقدّم إيراده في صفاء الخدّ).
أعد نظرا، فما في الخدّ نبتحماه الله من ريب المنون!
ولكن رقّ ماء الوجه حتّىأراك مثال أهداب الجفون
ومثله قول الآخر (وقد تقدّم إيراده):
ولمّا استدارت أعين الناس حولهتلاحظه كيف استقلّ وسارا،
تمثّلت الأهداب في ماء وجههفظنّوا خيال الشّعر فيه عذارا
وقال الحاجرىّ:
وما اخضرّ ذاك الخدّ نبتا، وإنمالكثرة ما شقّت عليه المرائر
وقال آخر:
يا لائمى في حبّ ذى عارض،ما البلد المخصب كالماحل!
يموج ماء الحسن في وجههفيقذف العنبر في الساحل
وقال آخر:
ولمّا بدا خطّ العذار بوجههكظلمة ليل في ضياء نهار،
تغلغل في قلبى هواه فلم أزلخليع عذار في جديد عذار
وقال آخر:
قالوا: التحى، فامتحت بالشّعر بهجته!فقلت: لولا الدّجى لم يحسن القمر
من كان منتظرا للصبر عنه به،فإنّنى لغرامى كنت أنتظر
خطّت يد الحسن منه فوق وجنته:هذى محاسن، يا أهل الهوى، أخر!
وقال آخر:
وقلت: الشّعر يسلينى هواه!ولم اعلم بأنّ الشّعر حينى
فظلت لشقوتى أفدى وأحمىسواد عذاره بسواد عينى
وقال محمد بن عبد الله السلامى، شاعر اليتيمة:
عذارك جادت عليه الرّياض بأجفانها وبآماقها
وطال غرام الغوانى بهفقد طرّزته بأحداقها
وقال ابن سكّرة الهاشمىّ:
وغزال لولا نميمة شعرذكّرته، لقلت: إحدى الجوارى
شارب أشرب الصّبابة قلبى،وعذار خلعت فيه عذارى
وقال آخر:
قالوا: التحى وستسلو عنه، قلت لهم:هل يحسن الروض ما لم يطلع الزّهر؟
هل التحى طرفه الساجى، فأهجره؟وهل تزحزح عن ألحاظه الحور؟
وقال أبو الفتح كشاجم:
من عذيرى من عذارى قمر،عرّض القلب لأسباب التلف؟
زيد حسنا وضياء بهما،فهو الآن كبدر في سدف
خمّشا خدّيه ثم انعطفا،آه ما أحسن ذاك المنعطف!
علم الشّعر الذى عاجلهأنه جار عليه، فوقف
فهو في وقفته معترفبالتناهى في التعدّى والسّرف
وقال آخر:
لا تعتقدوا ما لاح في وجنتهشعرا، غلطا! ما ذاك من شمته!
بل ساكن ماء الحسن قد حرّكهموج قذف العنبر في حافته
وقال عبد الله بن سارة الإشبيلىّ:
ومعذّر رقّت حواشى حسنه،فقلوبنا حذرا عليه رقاق
لم يكس عارضه السواد، وإنمانفضت عليه صباغها الأحداق
وقال أبو بكر الدانىّ، شاعر الذخيرة:
بدا على خدّه عذارفى مثله يعذر الكئيب
وليس ذاك العذار شعرا،لكنّما سرّه غريب
لمّا أراق الدّماء ظلما،بدت على خدّه الذّنوب
وقال عبد الجليل الأندلسىّ:
ومعذّرين كأنما بخدودهمطرق العيون ومنهج الأوداج
وكأنما صقلوا الجمال فأظهروامشى النّمال على متون العاج
ومما وصف به العذار على طريق الذمّ، فمن ذلك ما قاله الوزير أبو المغيرة ابن حزم، عند ما عرضت عليه رسالة بديع الزمان في الغلام الذى خطب إليه ودّه بعد أن عذّر، قال:
«ورد كتابك ينشد ضالّة ودّنا، ويرقع خلق عهدنا؛ ويطلب ما أفاءته جريرتك «إلينا، وذهبت به جنايتك علينا؛ أيام غصنك ناضر، وبدرك زاهر؛ لا نجد رسولا «إليك، غير لحظة تخرق حجاب الدّموع، أو زفرة تقيم مناد الضّلوع؛ فإن رمنا شكوى «ينفث بها مصدورنا، ويستريخ إليها مهجورنا؛ لقينا دونها أمنع سدّ، وأقبح كفّ «وصدّ، وأقدح ردّ.
وفي فصل منها:
«حتّى إذا طفئت تلك النّيران، وانتصف لنا منك الزمان؛ بشعرات أغشت «هلالك كسوفا، وقلبت ديباجك صوفا؛ وأعادت نهارك ليلا، وناحت عليك تلهّفا
«وويلا؛ وأطار حمامك غرابك، وحجب ضياءك ضبابك؛ فصار عرسك مأتما، «وعاد وصلك محرّما، قال القائل:
«وبتّ مداما تسرّ النزيففأصبحت تجرع خلّا ثقيفا
«وصرت حجازا جديب المحلّ،وقد كنت للطالب الخصب ريفا
«أقبلت تتسلّل إلينا لواذا، وتطلب منا عياذا؛ قد أنساك ذلّ العزل عزّ الولايه، «وأولاك طمعا نسياننا تلك الجناية؛ أيّام ترشقنا سهام ألحاظك رشقا، وتقتلنا سيوف «ألفاظك عشقا؛ وتميس غصنا، فتثير حزنا؛ وتطلع شمسا، فتفتّت نفسا.
«فالآن نلقاك بدمع قد جفّ، ووجد قد كفّ؛ وعزاء قد أبّد، وصبر قد أغار «وأنجد؛ وننظر منك إلى روض قد صوّح، وسار قد أصبح؛ وأعجم قد أفصح، «ومبهم قد صرّح. فلا شكّ قد رفع الغطاء، ولا إفك قد برح الخفاء، ولا لوم قد وقع «الجزاء. وهلّا ذكرت المثل الممتهن «الصّيف ضيّعت اللبن!» ونسيت من أحرقت «قلبه صدّا، وأقلقت جنبه ردّا؛ وملأت جوانحه نارا، وتركت نومه غرارا؛ «أن يوفيك قرضا، ويجازيك حتّى ترضى؛ حين نكّس علمك، وعثرت قدمك؛ «وضاقت طرقك، وأظلم أفقك؛ وهوى نجمك، وخاب قدحك؛ وفلّ سيفك، وحطّ «رمحك؛ فاطو ثوب وصلك فلا حاجة لنا إلى لباسه، وازو طارق شخصك فلا رغبة «لنا في إيناسه؛ فما يشتهى اليوم زيارة رمس، من زهد فيه أمس. قال:
«حانت منيته فاسودّ عارضه،كما تسوّد بعد الميّت الدار
«يا من نعته إلى الإخوان لحيته،أدبرت، والناس إقبال وإدبار!
«فيا لدهر مضى ما كان أحسنه!إذ أنت ممتنع والشّرط دينار
«ايّام وجهك مصقول عوارضه،وللرياض على خدّيك أنوار!
وقال علىّ بن نصر الكاتب تعزية لمن طلعت لحيته:
«لكل حادثة يفجع بها الدهر- أحسن الله معونتك- حدّ من القلق والالتياع، «ومبلغ من التحرّق والارتياع؛ تستوجب فنّا من التعزيه، وتستحق نصيبا من العظة «والتسليه؛ والاختصار فيها لما قرب خطبه وشانه، والإكثار لما جلّ محلّه «ومكانه.
«ومصابك هذا- أعانك الله- فى بياض روضك لما اسودّ، كمصابك في سواده «إذا ابيضّ؛ والألم ببياض روضه جميما، نظير الألم به يوم يعود هشيما.
«فليس أحد يدفع عظيم النازل بك، ولا يستصغر جسيم الطارق لك؛ وإن كان «ما يتعقبه من المشيب أقذى للعيون.
«التفتت عنك النواظر، وكانت منتفتة إليك، ووقفت عنك الخواطر، وكانت «موقوفة عليك؛ وصيّرك قذى الأجفان وكنت جلاها، وجعلك كربة النفوس «وكنت هواها؛ وأبدلك من أنس التقبل، وحشة التنقل؛ وعوّضك من رقة الترفرف، «كلفة التأفّف؛ فتبارك الله الذى صرف عنك الابصار، ونقّل فيك الأطوار! «فعويلا دائما وبكاء! وعزاء عن الذكر الجميل عزاء! فلكل أجل كتاب، وعلى كل «جائحة ثواب.
«ولقد استوفيت أمد الصبا والصبابه، واستنبت الحسرة عليها والكآبه. فرزيّتك «راسية والرزايا سوائر، ومصيبتك ثابتة والمصائب عوائر. «إنا لله وإنا إليه «راجعون».
«ثم لا حيلة، فإنها الأيام التى لا تثبت على حاله، ولا تعرف غير التنقل والاستحاله! «فآجرك الله في وجه نضب ماؤه، وذهب رواؤه ومات حياؤه! وفي ضيعة استأجم «برّها، واستدغل نورها؛ وأسبع طريقها، واتسعت تنوفتها! وفي جاه كان عامرا «فخرب، ودخل كان وافرا فذهب، وتذكار كان واصلا إلى القلوب فحجب! «فأصبحت مسبوق السكّيت، وظللت حيا وأنت الميت؛ فلا حول ولا قوّة إلا بالله «من محن ذفعت إليها، ولم تعن بحال عليها.
«وقد يشغل الإنسان عن نوائبه المشاركون فيها، ويسلّيه عنها المساهمون في معنى «معانيها؛ وأنت من بين هذه المنزلة لا شريك لك، فإنهم يعتاضون عنها ولست «بمعتاض، ويركضون للعيش ولست بركاض. والدهر يطوى محاسنك طىّ السجلّ «كتابه، وينشر مقابحك نشر اليمانى أثوابه. ويملّ الطرف رؤيتك فلا يفيق عليك «جفنا، ويمجّ السمع ذكرك فلا يجد عنده أذنا.
ومنها:
وقد جعلت رقعتى هذه جامعة بين البكاء عليك والأنين، وناظمة بين العزاء والتأبين. لها حلاوة النثر، وعليها طلاوة الشعر. نتجتها قريحة عليك، ونسجتها خواطر خاطرت إليك؛ تخفّف غرامك والناس مشاغيل بتثقيله، وتكرم مكانك والإجماع واقع على تهوينه. فإن عرفت لى ذاك، وإلا عرفه الصّدق؛ وإن شكرنه، وإلا شكره الحق.
والسلام عليك من أسير لا يخلص بالفدية، وقتيل بسيف السّبال واللحية.»
وقال الصنوبرىّ:
ما بدت شعرة بخدّك إلّاقلت في ناظرىّ أو في فؤادى
أنت بدر جنى الخسوف عليهظلمة، لا أرى لها من نفاد
فاسوداد العذار بعد ابيضاضكابيضاض العذار بعد اسوداد
وقال آخر:
أصبح نحسا- وكان سعدا-من كان مولى فصار عبدا
بكى على حسنه زمانا،لما رأى الشّعر قد تبدّى
لو نبت الشّعر في وصال،لعاد ذاك الوصال صدّا!
وقال الخبز أرزى:
بدا الشّعر في وجهه، فانتقملعاشقه منه لمّا ظلم
وما سلّط الله نبت اللّحىعلى المرد إلّا زوال النّعم
توحّشت العين في وجهه،وحقّ لها وحشة في الظّلم
إذا اسودّ فاضل قرطاسه،فما ظنّه بمجارى القلم؟
ولم يعل في خدّه كالدّخان إلّا وأسفله كالحمم
وقال التّنوخىّ:
قلت لأصحابى، وقد مرّ بىمنتقبا بعد الضّيا بالظّلم:
بالله، يا أهل ودادى! قفواكى تبصروا كيف زوال النّعم!
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ في ملتح:
ما للعذار، وكان وجهك قبلة،قد خطّ فيه من الدّجى محرابا
وإذا الشّباب- وكان ليس بخاشع-قد خرّ فيه راكعا، وأنابا
وقال أيضا:
وافى بأوّله صحيفة صفحةجعل العذار بها يسيل مدادا
متجهّما ثكل الشّباب كأنمالبس العذار على الشّباب حدادا
وقال عمر المطوعىّ، من شعراء اليتيمة:
غدا- منذ التحى- ليلا بهيما،وكان كأنّه القمر المنير
فقد كتب السّواد بعارضيهلمن يقرا: «وجاءكم النّذير»
وقال عبد الجليل الأندلسىّ، من شعراء الذخيرة:
وأمرد يستهيم بكل وادوينصب للحشا خدّا صليبا
دعوت دعاء مظلوم عليه،وكان الله مستمعا مجيبا
فطوّقه الزمان بما جناهوعلّق من عدريه؟؟؟
ومما قيل في العنق، يقال:
الجيد، طولها- التّلع، إشرافها- الهنع، نطامنها- الغلب، غلظها- البتع، شدّتها- الصّعر، ميلها- الوقص، قصرها- الخضع، خضوعها- الحدل، عوجها.
وقال دعبل:
أتاح لك الهوى بيض حسانسلبنك بالعيون وبالنّحور
نظرت إلى النّحور فكدت تقضىفأولى لو نظرت إلى الخصور
وقال قيس بن الخطيم.
وجيد كجيد الرّيم صاف يزينهتوقّد ياقوت وفصل زبرجد
كأنّ الثريّا فوق ثغرة نحرهاتوقّد في الظّلماء أىّ توقّد
ومما قيل في اليد إذا باشرت ما يعلق بها، يقال:
من اللحم غمرة، ومن الشحم زهمة، ومن السمن نسمة، ومن الزّبد وضرة، ومن الجبن نشمة، ومن اللبن مذقة، ومن البيض زهكة، ومن السمك صمرة، ومن الزيت قنمة، ومن الخمر عتكة، ومن الخل خمطة، ومن العسل ونحوه لزجة، ومن الطّيب عطرة، ومن الغالية عبقة، ومن الزعفران ردعة، ومن العنبر لطخة، ومن الخلوق ضمخة، ومن الحنّاء قنئة، ومن الدّم ضرجة، ومن الماء بللة، ومن الطين لثقة وردغة، ومن البرد صردة، ومن التراب كثبة وغضرة، ومن القار حلكة، ومن الفحم حممة، ومن المداد طرسة، ومن الحديد سهكة، ومن الفضة سبكة، ومن الذهب نضرة، ومن النار شعلة، ومن الرياحين فوحة، ومن البقل زهرة، ومن الفاكهة الرطبة لزقة، ومن البابسة فكهة، ومن العمل مجلة ونفطة، ومن الخشونة شثنة وثفنة، ومن الشوك مشطة وشظية، ومن الحطب حزمة، ومن الرمح كعبة، ومن الصولجان لعبة، ومن الجود سبطة، ومن العظية منحة، ومن البخل جعدة، ومن المنع لحزة، ومن العدم تربة، ومن الرزّ زنخة، ومن الصابون حفرة، ومن الفرصاد قانية، ومن الرجيع قثمة، ومن كل القاذورات قذرة، ومن الوسخ درنة. اه
ومما مدحت به اليد، قال مؤيد الدّين الطّغرائى:
ويد تمدّ المال راحتهاأبدا، ويغمر ظهرها القبل
إن ضنّ غيث أوخبا قمر،فجبينه ويمينه البدل
وقال عبد المؤمن بن هبة الله الأصبهانىّ
قالوا: بدت عارضة- لا بدت! -فى كفّ ذاك السيّد الأوحد
راحته راحة من يجتدى،وكفّه كفّ الذى يعتدى
فلا أصابت يده آفة!فكم يد عندى لتلك اليد!
وقال ابن دريد:
يا من يقبّل كفّ كلّ ممخرق،هذا ابن يحيى ليس بالمخراق!
قبّل أنامله، فلسن أناملا؛لكنهنّ مفاتح الأرزاق!
وقال إبراهيم بن العباس بن محمد:
لفضل بن سهل يدتقاصر عنها المثل
فباطنها للنّدى،وظاهرها للقبل
وبسطتها للغنى،وسطوتها للأجل
وقال ابن الرومىّ:
فامدد إلىّ يدا تعوّد بطنهابذل النّوال، وظهرها التقبيلا
وقال أبو نواس:
يا قمرا، أبرزه ماتميندب شجوا بين أتراب!
يبكى فيذرى الدّرّ من نرجس،ويلطم الورد بعنّاب
وقال الناشى:
من كفّ جارية كأنّ بنانهامن فضّة قد طرّفت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا نطقت بهاتلقى على يدها الشّمال حسابا
وقال الراضى بالله:
قالوا: الرّحيل! فأنشبت أظفارهافى خدّها، وقد اعتلقن خضابا
فاخضّر تحت بنانها فكأنّهاغرست بأرض بنفسج عنّابا
وقال ابن كيغلغ:
لمّا اعتنقنا للوداع وأعربتعبراتنا عنّا بدمع ناطق،
فرّقن بين معاجر ومحاجر،وجمعن بين بنفسج وشقائق
وقال كشاجم:
فما أنسها، لا أنس منها إشارةبسبّابة اليمنى إلى خاتم الفم!
وأعلنت بالشكوى إليها فأومأتحذارا من الواشين أن لا تكلّم
فلم أر شكلا واقعا فوق شكلهكعنّابة تومى بها فوق عندم
ومما قيل في النهود، يقال:
ثندوة الرّجل، ثدى المرأة، خلف الناقة، ضرع الشاة والبقرة، طبى الكلبة.
قال ابن الرومىّ:
صدور فوقهنّ حقاق عاج،وحلى زانه حسن اتّساق!
يقول الناظرون إذا رأوها:أهذا الحلى من هذى الحقاق؟
وما تلك الحقاق سوى ثدىّقدرن من الحقاق على وفاق
نواهد لا يعدّ لهنّ عيبسوى منع المحبّ من العناق
وهو مأخوذ من قول بعض الأعراب:أبت الرّوادف والثّدىّ لقمصها
مسّ البطون، وأن تمسّ ظهورا.
وقال محمد بن مبادر:
ولها ثديان ما عدوامن حقاق العاج أن كعبا
قسمت نصفين دعص نقاوقضيبا لان، فاضطربا
وقال عبد الله بن أبى السّمط بن مروان:
كأنّ الثّدىّ إذا ما بدتوزان العقود بهنّ النّحورا،
حقاق من العاج مكنونةيسعن من الدّرّ شيئا كثيرا
وقال علىّ بن الجهم:
كنت مشتاقا وما يحجزنىعنك إلا حاجز يمنعنى
شاخص في الصدر، غضبان علىقبب البطن وطىّ العكن
يملأ الكفّ ولا يفضله،وإذا أثنيته لا ينثنى
وقال ابن الرومىّ:
ملقمات أطفالهنّ ثديّاناهدات كأحسن الرّمّان
مفعمات كأنها حافلاتوهى صفر من درّة الألبان
وقال ابن المعتزّ:
قبيح بمثلك أن تهجرى،وأقبح من ذاك أن تهجرى
أقاتلى بفتور الجفونورمّانتين على منبر،
كحقين من لبّ كافورةبرأسيهما نقطتا عنبر!
ومما قيل في البطن، يقال:
الدّحل، عظمه- الحبن، خروجه- الثّجل، استرخاؤه- القمل، ضخمه- الضّمور، لطافته- العجر والبجر، شخوصه- التّخرخر، اضطرابه.
قال محمد بن مبادر:
والبطن ذو عكنة لطيفصفر وشاحاه جائلان
أشرف من فوقه عليهثديان ميلان ناهدان
ومما قيل في الأرداف والخصور، فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير.
فمنه قول عبد الله بن طاهر:
صبّ كئيب يشتكيك الهوىكما اشتكى خصرك من ردفكا
لسانه عن وصف أسقامهأكلّ منه عن مدى وصفكا
وقال ابن أبى البغل:
كأنّه في اعتداله غصنوفي السّراويل منه أمواج
إذا مشى كالقضيب جاذبهردف له كالكشيب رجراج
ويعلم الله أنّنى رجلإليه مذ قد كثرت محتاج
وأنشد أبو بكر بن دريد عفا الله عنه ورحمه:
قد قلت لمّا مرّ يخطر ماشياوالرّدف يجذب خصره من خلفه
يا من يسلّم خصره من ردفهسلّم فؤاد محبّه من طرفه
وقال السرىّ الرّفاء:
ضعفت معاقد خصره وعهودهفكأنّ عقد الخصر عقد وفائه
وقال المتنبى:
وخصر تثبت الأبصار فيهكأنّ عليه من حدق نطاقا
وقال السرىّ الرفّاء:
أحاطت عيون الناظرين بخصرهفهنّ له دون النّطاق نطاق
وقال الأمير سيف الدّين المشدّ:
وأهيف القدّ بتّ أشكوله تلافى وما تلافى
فلان عطفا ودقّ خصراوإنما ردفه تجافى
وقال أبو نواس:
ليّن القدّ لذيذ المعتنقيشبه البدر إذا البدر اتّسق
مثقل الرّدف إذا ولّى حكىموثقا في القيد يمشى في زلق
وإذا أقبل كادت أعيننحوه تجرح فيه بالحدق
وقال آخر وأجاد:
أيا من نصفه غصنيميل ونصفه كفل
صفاتك في تباينهافمنفصل ومتّصل
فنصفك موج عاصفةونصفك شارب ثمل
ومما وصفت به على لفظ التأنيث، فمنه قول أبى عبادة البحترىّ:
كأنّهنّ وقد قاربن في نظرىضدّين في الحسن تثقيلا وإخطافا
رددن ما خفّفت عنه الخصور إلىما في المآزر فاستثقلن أردافا
وقال آخر:
لها ردف تعلّق في لطيففذاك الرّدف لى ولها ظلوم
يعذّبنى إذا فكّرت فيهويتعبها إذا قصدت تقوم
وقال مؤمل وأفرط:
من رأى مثل حبّتىتشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثم تدخل أردافها غدا
وقال أبو هلال:
تمشى بأرداف أبين قعودهابين النّساء كما أبين قيامها
وقال علىّ بن عطية البلنسى:
وإنسيّة زارت من اللّيل مضجعىفعانقت غصن البان منها إلى الفجر
أسائلها أين الوشاح؟ وقد سرتمعطّلة منه، معطّرة النّشر
فقالت: وأومت، للسّوار نقلتهإلى معصمى لما تقلقل في خصرى
وقال الطائىّ:
من الهيف لو أنّ الخلاخل صيّرتلها وشحا جالت عليها الخلاخل
وقال إسحاق الموصلىّ:
ظباء كاليعافيركنوس في المقاصير
وأدبرن بأعجازكأوساط الزّنابير
وقال عمر بن أبى ربيعة:
يتقابلن كالبدور على الأغصان في مثقل من الأرداف
بخصور تحكى خصور الزّنابير ضعاف هممن بالانقصاف
وقال آخر:
عظمت روادفها فآذت خصرهاووشاحها قلق كقلب المغرم
وقال آخر:
آخرها متعب لأوّلهافبعضها جائر على بعض
وقال آخر:
تمشى فتثقلها روادفهافكأنّها تمشى إلى خلف
وقال البجلىّ:
إن العزيز علىّ خصرك إنهبالرّدف حمّل منك ما لا يحمل
فخذى له جسمى مكان وشاحهإن العليل بشكله يتعلّل
ومما قيل في السّوق، فمن ذلك قول الأمير سيف الدّين المشدّ:
ساق تجلّى كأنّه قمر،يحمل شمسا، أفديه من ساق!
شمّر عن ساقه غلائله،فقلت: مهلا، واكفف عن الباقى!
لمّا رآنى، وقد فتنت بهمن فرط وجدى وعظم أشواقى،
غنّى وكأس المدام في يده:قامت حروب الهوى على ساق
وقال عروة:
فقمن بطيئا مشيهنّ تأوّداعلى قصب قد ضاق عنه خلاخله
كما هزّت الميزان ريح فحرّكتأعاليه منه وارجحنّت أسافله
وقال كثيّر عزّة:
ويجعلن الخلاخل حين تلوىبأسوقهنّ في قصب خدال
وقال كشاجم:
قلت: وقد أبصرتها حاسراعن ساقها فاضل سربالها:
لو لم تكن من برد ساقها،لاحترقت من نار خلخالها
وله أيضا:
وإذا لبسن خلاخلا،كذّبن أسماء الخلاخل
ومما وصفت به القدود، فمن ذلك قول أبى فراس الحمدانىّ:
غلام فوق ما أصفكأنّ قوامه ألف
إذا ما مال يرعبنى:أخاف عليه ينقصف
وأشفق من تأوّده:أخاف يذيبه التّرف
وقال الخبز أرزّىّ:
أهيف يحكى بقدّه الألفايخسر من لم يكن به كلفا
أحسن من بهجة الخلافة والأمن لمن قد يحاذر التّلفا
لو أبصر الوجه منه منهزميطلبه ألف فارس، وقفا
وقال مانى:
أتمنّى الذى إذا أنا أو مأت إليه بطرف عينى، تجنّى
أهيف كالقضيب لو أنّ ريحاحرّكت هدب ثوبه، لتثنّى!
وقال آخر:
أيا سائلى عن قدّ محبوبى الّذىكلفت به وجدا وهمت غراما
أبى قصر الأغصان ثمّ رأى القناطوالا، فأضحى بين ذاك قواما
وقال آخر، وهو محمد بن التلمسانى:
يا مخجلا بقوامهأغصان بانات اللّوى!
ما أنت عندى والقضيب الّلدن في حدّ سوى!
هذاك حرّكه الهواء وأنت حرّكت الهوى!
وقال آخر:
يا غصنا راح الصّبايثنيه، لا ريح الصّبا!
ما إن بدا للعين إلاارتاح قلبى وصبا
ولا انثنى يخطر إلاازداد قلبى وصبا
وقال آخر، وهو كشاجم:
معتدل من كلّ أعطافه،مستحسن القامة والملتفت
لو قيست الدّنيا ولذّاتهابساعة من وصله، ما وفت
سلّطت الألحاظ منه علىقلبى، فلو أودت به ما اشتفت
واستعذنت روحى هواه فلاتصحو ولا تسلو، ولو أتلفت
ومما قيل في العناق، فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير.
فمنه قول الحسين بن الضحاك:
وموشّح، نازعت فضل وشاحهوكسوته من ساعدىّ وشاحا
بات الغيور يشقّ جلدة خدّهوأمال أعطافا علىّ ملاحا
وقال آخر:
بتّ وبدر الدّجى نديمىوهو موات بلا امتناع
فقلت للحاسدين لمّاأشرقت الشمس بالشّعاع:
القلب والطّرف منزلاهوهو إلى الآن في الذّراع
وقال ابن المعتز:
ما أقصر الليل على الراقد!وأهون السّقم على العائد!
يفديك ما أبقيت من مهجتى،لست لما أوليت بالجاحد
كأنّنى عانقت ريحانةتنفّست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدّجى،حسبتنا في جسد واحد
وقال أبو هلال في نحو ذلك:
ونحن في نظم الهوى واحدكأنّنا عقدان في نحر
وقال ابن الصولى:
طال عمر الليل عندىإذ تولّعت بصدّ
يا ظلوما نقض العهد ولم يوف بعهد!
أنسيت الوصل إذ بتنا على مرقد ورد
واعتنقنا كوشاحوانتظمنا نظم عقد
وتعطّفنا كغصنين، فقدّانا كقدّ
وقال ابن عبد كان الكاتب:
وكلانا مرتد صاحبهكارتداء السّيف في يوم الوغى
بخدود شافيات من جوّىوشفاه مرويات من ظما
نتساقى الريق فيما بيننا:زقّ أمّات القطا زغب القطا
وقال على بن الجهم:
سقى الله ليلا ضمّنا بعد فرقة،وأدنى فؤادا من فؤاد معذّب!
فبتنا جميعا: لو تراق زجاجةمن الخمر فيما بيننا، لم تسرّب
وقال الخبزأرزّىّ:
طوّقته طوق العتاق بساعدى،وجعلت كفّى للّثام وشاحا
هذا هو الفوز العظيم فخلّنا،متعانقين فما نريد براحا!
وقال صالح بن يونس:
لى سيّد ما مثله سيّد،تصدّت الحمّى له فاشتكى
عانقته عند موافاته،والأفق بالليل قد احلولكا
فجاءت الحمّى كعاداتها،فلم تجد ما بيننا مسلكا!
وقال الحسين بن علىّ بن بشر الكاتب:
ضممته ضمّ مفرط الضّمّ،لا كأب مشفق ولا أمّ
ولم نزل، والظلام حارسنا،جسمين مستودعين في جسم
ألثمه في الدّجى، وبرق ثناياه يرينى مواضع اللّثم
ثمّ افترقنا عند الصباح وقدأثّرت فيه كهيئة الختم
وقال أبو عبد الله الحامدىّ:
سقانى وحيّانى وبات معانقى!فيا عطف معشوق على ذلّ عاشق!
ويا ليلة، باتت سواعدنا بهاتدور على الأعناق دور المخانق!
نبثّ من الشّكوى حديثا كأنّهقلائد درّ في نحور العواتق
ومما ورد على لفظ التأنيث، فمن ذلك قول أبى إسحاق الصابى:
هيفاء تحكى قضيباقد جمّشته الرّياح
تفترّ عن سمط درّعليه مسك وراح
جرّدتها واعتنقنا:كلّ لكلّ وشاح!
باتت، وكلّ مصونلى من حماها مباح
فى ليلة لم يعبهافى الدّهر إلا الصّباح
وقال أيضا:
أقول وقد جرّدتها من ثيابهاوعانقتها كالبدر في ليلة التّمّ:
لئن آلمت صدرى بشدّة ضمّها،لقد جبرت قلبى وإن أوهنت عظمى!
وقال أبو الفضل الأصبهانىّ:
يا ليلة قرنت لنافيها المآرب بالنّجاح
بتنا برغم وشاتنامتعانقين إلى الصّباح
متمازجين كانّناروحان من ماء وراح
ظنّ الوشاة لفرط ضمّى أنّنى بعض الوشاح!
ومما قيل في وصف مشى النساء، يقال:
تهالكت المرأة، إذا انفتلت في مشيتها.
تأوّدت، إذا اختالت في تثنّ وتكسّر.
بدحت وتبدّحت، إذا أحسنت مشيتها.
تهزّعت تهزّعا، إذا اضطربت في مشيتها.
قرصعت قرصعة، وهى المشية القبيحة؛ وكذلك مثعت مثعا.
وقال الأعشى:
غرّاء، فرعاء، مصقول عوارضهاتمشى الهوينى كما يمشى الوجى الوحل
كأنّ مشيتها من بيت جارتهامزّ السحابة: لا ريث ولا عجل
وقال آخر:
يمشين مشى قطا البطاح تأوّدا،قب البطون، رواجح الأكفال
وقال ابن عائشة من أبيات:
فكأنّهنّ إذا أردن خطايقلعن أرجلهنّ من وحل
وقال أبو الفتح كشاجم:
وتهتزّ في مشيها مثل ماتهزّ الصّبا غصنا ناعما
وتأمر بالأمر فيه الذىكرهت فأرضى به راغما
وقال آخر:
شبّهت مشيتها بمشية ظافريختال بين أسنّة وسيوف
صلف تباهت نفسه في نفسه،لما انثنى بسنانه المرعوف
وقال آخر:
تمشى الهوينى إذا مشت فضلامشى النّزيف المخمور في صعد
تظلّ من زور بيت جارتهاواضعة كفّها على الكبد
وقال المنخّل اليشكرىّ:
ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير
فدفعتها فتدافعتمشى القطاة إلى الغدير
ولمتها فتنفّستكتنفّس الظّبى البهير
وقال عمر بن أبى ربيعة:
أبصرتها ليلة، ونسوتهايمشين بين المقام والحجر
يرفلن في الرّيط والمروط كماتمشى الهوينى سواكن البقر
وقال ابن مقبل:
يهززن للمشى أوصالا منعّمةهزّ الجنوب ضحى عيدان يبرينا
أو كاهتزاز ردينىّ تداولهأيدى التّجار فزادوا متنه لينا
يمشين هيل النّقا مالت جوانبهينهال حينا وينهال الثّرى حينا
وقال أشجع السلمىّ:
وماجت كموج الماء بين ثيابهايميل بها شطر ويعدلها شطر
إذا وصفت ما فوق مجرى وشاحهاغلائلها ردّت شهادتها الأزر
وقال العباس بن الأحنف:
شمس مقدّرة في خلق جاريةكأنما كشحها طىّ الطّوامير
كأنها حين تمشى في وصائفهاتخطو على البيض أو خضر القوارير!
انتهى الغرض في وصف الأعضاء، وما شاكلها واتصل بها.
فلنذكر إن شاء الله تعالى ما جاء فيما قدّمناه من الأمثال.
فأما ما جاء منها في الإنسان، يقال:
شديد على الإنسان ما لم يعوّد.
وما علّم الإنسان إلا ليعلما.
الناس من جهة التمثيل أكفاء.
الناس أخياف وشتّى في الشّيم.
الناس بزمانهم اشبه منهم بآبائهم.
وما الناس إلا هالك وابن هالك.
والناس أولاد علّات فمن علمواأن قد أقلّ فمهجور ومحقور
وقال آخر:
الناس أكيس من أن يحسدوا رجلاحتّى يروا عنده آثار إحسان
ويقال:
المرء أعلم بشأنه.
المرء مع من أحبّ.
دع امرأ وما اختار.
كلّ امرئ في شأنه ساع.
كلّ امرئ مصبّح في أهله.
كلّ امرئ من شجو صاحبه خلو.
المرء يعجز لا محالة.
المرء توّاق إلى ما لم ينل.
المرء يجمع، والزمان يفرّق.
ويقال:
الرّجال بالأموال.
تقطّع أعناق الرجال المطامع.
ولكلّ دهر دولة ورجال.
ومما يتمثل به في ذكر النفس، يقال:
النفس مولعة بحبّ العاجل.
النفس أعلم من أخوك النافع.
أكذب النفس إذا حدّثتها.
ما عاتب الرجل اللبيب كنفسه.
الجود بالنفس أقصى غاية الجود.
نفس عصام سوّدت عصاما.
ومما يتمثل به من أعضاء الإنسان الظاهرة والباطنة ما قيل في الرأس والشعر من نجا برأسه فقد ربح.
رماه بأقحاف رأسه. أى بالدواهى.
اختلفت رءوسها فرتعت.
كلّ رأس به صداع.
ويقال:
ادقّ من الشّعر.
اهون من الشّعر الساقط.
ما يتمثل به من ذكر الوجه وجه المحرّش أقبح. أى وجه مبلّغ القبيح أقبح من وجه قائله.
فى وجه مالك تعرف إمرته.
قبل البكاء كان وجهك عابسا.
قال أبو تمام:
وما أبالى، وخير القول أصدقه،حقنت لى ماء وجهى أم حقنت دمى
وقال ابن الرومىّ:
وقلّ من ضمنت خيرا طويّتهإلا وفي وجهه للخير عنوان
له محيّا جميل يستدلّ بهعلى جميل، وللبطنان ظهران
وقال آخر:
صلابة الوجه صلاح الفتىورقّة الوجه من الخرقة
ما يتمثل به من ذكر العين، يقال:
أسرع من طرف العين.
أسرع من لمح البصر.
العين ترجمان القلب.
شاهد البغض اللحظ.
ربّ عين أنمّ من لسان.
ليس لما قرّت به العين ثمن.
نظرة من ذى علق.
عين عرفت فذرفت.
لحظه أصدق من لفظه.
ليس لعين ما رأت، ولكن لكفّ ما أخذت.
لا تطلب أثرا بعد عين.
من أطاع طرفه، أصاب حتفه.
وأىّ عار على عين بلا حور.
والدّمع قد يعلن ما في الصّدور.
ومن الأبيات:
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة؛ولكنّ عين السّخط تبدى المساويا
وقال الأمير أبو الفضل الميكالىّ:
كم والد يحرم أولادهوخيره يحظى به الابعد
كالعين لا تنظر ما حولها،ولحظها يدرك ما يبعد
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع