من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)
الفصل التاسع (٥)
هذا وقد كتب له حضرة الصدر. تذكرة يطلب لي فيها ترفيع القدر. فاعتذر بما اعتذر. وأنا أرضى بما صنع القدر.) وبالجملة (رضيت بقضاء أرزن الروم. وقنعت جبراً بما عين في مقابلته من المبلغ المعلوم. ولم أعتب إلا الزمان المفتون. والدهر الشرس الحرون.
ما خلت أن الدهر يثنيني علىصراء لا يرضى بها ضب الكدى
وتفضل علي حضرة ولي النعم الغامر أهل الفضل بأفضاله. بخمسين ألف قرش رومي من خالص ماله. أسأل الله تعالى أن يؤيد سعوده. ويديم وجوده وجوده.) وقد اجتمعت (في دار الخلافة برجال. هم في الكمال بمراحل عن دائرة الخيال.
من معشر فالأرض دارهموالنجم جارهم والعز حيث هم
) منهم حضرة شيخ الإسلام (. وهو كالفاتحة بالنسبة إلى سائر الكلام. وأنه لعارف بأمور أولاه. معرفته بأمور أخراه. بل لا تكاد تتفاوت المعرفتان. لو وضعتا في كفتي الميزان. فهو في نعوته الباهرة. رجل الدنيا والآخرة. وقد ذكرنا بعض ذلك في كتابنا شهي النغم. في ترجمة شيخ الإسلام وولي النعم. وأما كل ما حواه أهابه مما يبهر الأذهان. فذاك مما يضيق عن أحضانه فم ظرف الزمان. وربما ينشق إلى أذنيه. إن هم أن يفتح بذلك شفتيه. وملخص الكلام فيه أنه آية الله تعالى الكبرى. وأن مشيخته اليوم نعمة على فتاة الشريعة عظمى. ولا تعبأ بسفسطة السفط. فأولئك كأبناء الزمان أكثرهم سقط. فهم إن يشبعوا مدحوا. وإذا جاعوا قدحوا. وكم أنهلت علي من سماء شفقته شئابيب مكارم. فجرت منها بحار أبحاث يمزق فيها فكر العالم العائم. لكن إذا اتغاث. بذلك الحبر أغاث. وسأجري إن شاء الله تعالى في بزائز هذه الرسالة. شيئاً مما استقر منها في حياض حافظتي السيالة. فحينئذ تتهادى رياضها ببرود سندسية. وتدل غياضها بجر أذيال طاوسية.
) ومنهم حضرة مصطفى رشيد باشا الصدر الأعظم (. ومن لم تر عين رأس الدولة العلية أجل عقلاً منه وأحكم. وقد قدمت لك شيئاً من سني ترجمته. ومن أين لي الإحاطة بما أودع الله تعالى فيه من عجائب قدرته. فبشرى لدولة هو صدرها. وإليه ينتهي أمرها ونهيها. أسأل الله تعالى أن يحفظه وذريته. ويؤيد به ملته ودولته.
) ومنهم الجار ذيل الفخر على قنة كيوان (حضرة) محمد علي باشا (صهر حضرة السلطان الغازي محمود خان. كان يوم دخلت الأستانة. مشير الترسانة. وهو الرئيس للعساكر البحرية المرابطين في حراسة الممالك الإسلامية. ولما واجهته آنسني غاية الإيناس. وقال لم يز يمدحك عندي حضرة) حمدي باشا (والي سيواس. فلما استنشقت بعرنين سمعي وياك. اشتقت علم الله تعالى كثيراً لأن أراك. فالحمد لله تعالى على رؤيتك. ومشاهدة طلعتك. وفي أواخر سنة ألف ومائتين وثماني وستين من هجرة صدر المرسلين. ورأس الخلائق أجمعين.) صلى الله تعالى عليه وسلم (توجيه إليه قلب جسد الخلافة الكبرى. فقلده أمانة الصدارة العظمى. وفي شعبان سنة التاسعة والستين. استردت منه وعاد كما كان قديماً مشير عساكر المسلمين. وسبحان من بيده الوضع والرفع. والوصل والقطع. والإعطاء والمنع. ومن أجل أخلاق المشار غليه. أنه يلتزم أمر من حط رحال الآمال لديه. فيبذل وسعه. فيما يعلم أن فيه نفعه. فالمحسوب عليه. كالمنسوب إليه. يغمره بصنوف النعم. ويذب عنه ذب الغيور عن الحرم.) نعم (يقال أن تواضعه. دون تواضع من تساوى في الرتبة معه. وأنت إذا حققت الأمر من راءٍ وسامع. تعلم أنه حفظه الله تعالى غير مقيد بتكبر أو تواضع. فتراه قد استوى على عرش المجد وذراه. ولم يستوف شيئاً من ذينك الأمرين يوماه. وهو عندي في الحقيقة مترفع عن الكبر. ولعله يقول بقولي هذا كل من أمعن فيه الفكر. وقد رأيته يشفق على الرعية. ويأسف لما هم فيه من صنوف البلية. ويقول والله إنا لم نأل جهداً في رعاية رعيتنا. إلا أن لله ﷿ مشيئة فوق مشيئتنا. فقلت يا سيدي على العبدان يسعى. والمأمول من الله تعالى أن لا يخيب المسعى. نعم.
إذا لم يكن عون من الله للفتىفأول ما يجني عليه اجتهاده
ثم قلت يا سيدي تصافى رجال الملك. من موجبات عمارة الملك. واختلاف قلوبهم من أقوى مقتضيات الاضمحلال والهلك. فأسأل الله تعالى أن يؤلف بين القلوب. ويوفق الراعي والرعية إلى كل أمر محبوب.
) ومنهم الوزير المشير التالية مدافع عزماته على حصون الأعداء وكثرة الدخان. حضرة أحمد فتحي باشا الصهر الأول لحضرة السلطان الغاز محمود خان (وكان يوم دخلت الأستانة. مشير الطوبخانة. ولما واجهته أعلى محلي. وفاتحني بأبحاث علم نقلي وعقلي. فرأيت له اطلاعاً وافراً. وفكراً باهراً. فأحس مني باستغراب. فقال يا مولاي كنت أنا من جملة الطلاب. قد قرأت إلى شرح الشمسية. فأخذ السعد بيدي فجعلني قطباً لمصالح الدولة العلية. فضاق وقتي عن الدرس. ومضى ذلك الشغف كما مضى الأمس. ولم أزل أتردد إليه. لما وجدت من النجابة لديه. وهو يضاعف الاحترام. ويبالغ في مدحي عند الخواص والعوام. وكثيراً ما حكي لي أنه يقول. لم أر مثل فلان يعنيني بين علماء إسلامبول. وكان مدحه أحد أسباب شهرتي. وبلوغي حسب الإمكان ذرى هضاب أمنيتي. وقد رأيته لين الجانب. صلب الانتصار للصاحب. ولم أحس منه بانحلال عقيدة مع أني خضت معه في العقائد مراراً عديدة. بل تحققت منه. خلاف ما يرويه السفط عنه. ولعن الله تعالى امرأ له على الطعن في المسلمين ثبات. وعلى أكفار المؤمنين بمجرد التخمين هجوم ووثبات. ولي كل من ذهب إلى أوربا مستحقاً للإكفار.) نعم (إن من الذاهبين من رجع منها أكفر من حمار. ثم أن حضرة السلطان. يحب حضرة المشير أكثر من سائر الأقران. وكثيراً ما يأكل عنده الطعام. ويستمر لساعات وربما يسمر معه والناس نيام. وهو حفظه الله تعالى مع ذلك لا يظهر فخراً. ولا يبدي على أحد من الخلق كبراً.
زادوه إجلالاً فزاد تواضعاًالله أكبر هكذا الرجل السوي
وقد عزل في اليوم الحادي والعشرين. من شوال سنة الألف والمائتين والثاني والستين. ثم عاد إلى ما كان. في السنة التالية أواسط شعبان. وسبحان من بيده مقاليد السماوات والأرض. وهو ﷿ المتصرف كما يشاء في الطول والعرض.
) ومنهم الشجاع القسور حضرة محمد باشا سر عسكر (وهو ذو ذهن نقاد وفكر دقيق. يحب الوقوف على أحوال العباد والبلاد بتحقيق وتدقيق. ومن قوة ما له من العقل والإدراك. تراه يجمع بين الضب والنون والسمك. فيعاشر كلاً من المتعاديين. كما يعاشر كلاً من المتحابين المتصافين. فيظن كل من يحبه. أنه مختص به. ويحس منه على فضله. الفخر بفاضل عقله. وقد اجتمعت به مرات. فسألني عن العراق وأهله عدة سؤالات. فأفصحت له عن الحقيقة الحال أي إفصاح. فجعل يعجب من فرط الأهوال ويصفق راحاً براح. لكن لعمري ما أثمر صفق الراح راحة لأهل العراق. بل أوقع في أيديهم ضحكة تتغنى بعجائبه الركبان في الآفاق. وما ذاك إلا لبعد خطتهم. عن حمى دولتهم. وقصور هممهم. عن شكاية المهم. واستيلاء وضيعهم. على رفيعهم. وشرارهم. على خيارهم. وتصعراً وجههم. لأوجههم. وعظم نفاقهم. على رفاقهم. وتفويق خضراء دمنهم. على سويداء مهجهم. وسوداء أعينهم. إلى أمور أنتن في الشم من ريح الجورب. وأشد على الذوق من سم العقرب. وليس لدائهم من دواء. حتى ينزل المسيح من السماء. وقد عزل هذا المشير الرصين. أواسط شعبان سنة التاسعة والستين. ونصب محله. من كان في ذلك المنصب قبله. أعني) محمد علي باشا (الصدر السابق. يسر الله تعالى الأمر الموافق. وجعل هو لأوردي الخاصة مشيراً. فعد كل ما ناله من المنصب قضاءً عليه وتقديراً. لما في ذلك من الحور. بعد الكور. والاتضاع. بعد الارتفاع. والحق أنه إذا توفر للعبد سهم السعود. ينبغي أن تتساوى عنده قوسا الهبوط والصعود. والغرض نظر السلطان. فمن أصابه اتحدت لديه القوسان.
إذا صح منك الود يا غاية المنىفكل الذي فوق التراب تراب
ومن كان من صدق الخدمة بالأفق الأعلى. لا يبالي دنا أم تدلى. بل ذاك أعظم همومه. انتظام مصالح مخدومه. إلا أن مثل هذا في الخدم. أعز من الغراب الأعصم.
) ومنهم المشير المحكم قوانين الرياسة أي أحكام (. حضرة) رفعت باشا (رئيس مجلس الأحكام. وهو لين الجانب. متواضع للأهالي والأجانب. وله اعتقاد أظن أنه راسخ. بأهل الزوايا المتزينين بزي المشايخ. وقد كان معظم رجال الدولة. في هذا الاعتقاد مثله. ويجبرهم على الاعتقاد رجاء أغراض دنيوية. ويجيزهم عن الانتقاد خوف تأثيرات نفسية. وحب الدنيا يفعل بالعقول. فوق ما تفعله والعياذ بالله تعالى الشمول. ولحضرة المشير المشار إليه شغف بالمناصب. يكاد يخرج إلى حد الأمر الغير المناسب. فتراه إذا انفصل مضطرب البال. مضطرم البلبال. لا يدري ما يصنع. وما يحط وما يرفع. جيشه مهموم. ونديمه لا يسقى إلا بكاسات غموم. وهو في المنصب أنور من صبح مسفر. وأنشط من ظبي مقمر. ذو فكاهة مع الجليس. تغنيه عن احتساء الخدريس. وقد صحبته منصوباً ومعزولاً. وعلمت من أحواله جملاً وفصولاً. وبالجملة. هو من خيار رجال الدولة. وذلك من حيث الغيرة والوفاء. وحسن المعاملة مع الغرباء. عزل في الحادي والعشرين. من شوال سنة الثامنة والستين. وعاد إلى رياسته الحالية. في شعبان السنة التالية. فله اليوم في مجلس الأحكام. نقض وإبرام. وتوهين وأحكام. على قانون لو رآه ابن سينا لقال هذا لي إمام. أو عرج عليه عمر الخيام. لنصب عليه الخيام. أسأل الله تعالى أن يوفقه لما هو الأحرى. وييسره لما هو الأولى في الأولى والأخرى.
) ومنهم ذو النجابة التي تتشعشع أنوارها من جبينه وتبتلى حضرة سليمان باشا (أحد الأعضاء الرئيسة في مجلس الوالا. وهو ذو أخلاق أرق من دمعة الصب. وألطف وأبل غب الجدب. وله وفاء وافي. وفؤاد عن كل غش صافي. وغيرته على ملته. وصدق جلي في خدمة دولته. بهر نجم سعده الأنور. فلم يزل يترقى في المناصب وحتى صار سر عسكر. ثم غض طرف الحظ عنه بعض الإغضاء. فانفصل عن ذلك وصار في مجلس الأحكام من الأعضاء. لكنه أيضاً مشار إليه في البين. فأنزل من ذلك المجلس منزلة إنسان العين من العين. وفي أواسط السنة الثامنة والستين أعطي أيالة حلب. فحلت أهاليها من شطور عدله المبين در المنى والأدب. فهو اليوم والٍ هناك. بسيرة ترضي الإنس والجن والأملاك. أسأل الله تعالى أن يحفظه من كل مكروه. ويبلغه بلطفه كل ما يرجوه.
) ومنهم ذو الأخلاق الذكية الزكية. حضرة عالي باشا مشير الخارجية (وهي أحيى من كتاب. وأصحى قلباً من دمع سحاب. وأعظم تواضعاً من أرباب السلوك. لكل من قصده من غني وصعلوك. ذو فتوة وعفة. لا يرفع إلى سفاسف الأمور طرفه. نال الصدارة العظمى في الحادي والعشرين من شوال سنة الثامنة والستين. وقد فارق غيلها الليث الهسور. حضرة الرشيد الصدر الأسبق على كل الصدور. فما كان ذلك إلا من إقامة الفرع مقام أصله. واستعمال جزء الشيء في كله. فإن حضرة ذلك العالي القدر. كضلع من أضلاع ذلك الصدر. وهو الذي أوقد نبراسه. وأيد أساسه. وأعلى بين الرؤوس رأسه. ثم أنه عزل بعد أيام قصيرة من غير تقصير. وأخرج من الأستانة وجعل والي أزمير. وهو اليوم فيها. مترقب أن يعود إلى الأستانة بحالة يرتضيها. أسأل الله تعالى أن ينشر له أجنحة السرور. وييسر له ما يقر العيون ويشرح الصدور. وذلك بالعود إلى مسنده الأول. فإنه لديه فيما أظن أجل وأفضل.
) ومنهم كوكب السعد. الذي هو في فلك المجد. أجل السواري. حضرة المشير علي غالب باشا داماد حضرة الشهرياري (وهو سر أبيه الصدر الأعظم. والرشيد الذي قال رشده لكل معاند سلم تسلم. قد جمع قبل أن يبلغ من العمر عشرين. ما تفرق من أنواع الكمال في الفلاسفة المعمرين. واسترق رقاب الأحرار بالمكارم. قبل أن تسرق أيدي الآظار منه التمائم. ولما أن طر شاربه. وأذن الظمآن النظر أن يرد مباه حسنه حاجبه. صحكت فنون كماله على أكثر أهل الذقون. حتى إذا أحسوا بنقائصهم بكوا بعيون الندم على ما فاتهم من هاتيك الفنون. فلما رأى حضرة ظل الله تعالى ما أظل هذا الشاب مما سما به على السماء المظلة قدراً. استولى حبه على قلبه حتى خرق الحجاب فاختاره من بين شباب دولته صهراً. إلا أنه إلى الآن لم يقترن السعدان. وكأنك بهما إن شاء الله تعالى مقترنان.
) ومنهم جنة البصائر والأبصار. وحبة فؤاد السرائر والأسرار. حضرة جلاء عين الصدر من غين الدهر فؤاد أفندي المستشار (وقد شرت لك فيما مر شيئاً من عسل صفاته. وأشرت إلى ما لا يبلغ عشر العشر من سمى سماته. وحيث إني ممن لا يستغني عن المستشار. وأحاديثه لدي في العراق كأحاديث نجد لا تمل بتكرار. أعود فأقول. غير مبال بملول. هو فتى قد عرج إلى ما عرج. وعرج إلى ما لم يكن سواه عرج. وشأى فرأى ما لا تضبطه قواعد الإبصار حيث شاء. فلما ادعى. دعا فنادت شواهد الآثار. ما كذب الفؤاد ما رأى. ولقد شغفت به مناص المراتب. كما شغفت به خواص المناقب. وعندما صار مستشار الصدر. جبر كسر القلوب أحسن جبر. وذلك لما مصره من كرائم الأخلاق. واعتصره من كرم كرم الأعراق. ولمزيد فضله. وسلامة عقله. عول عليه الصدر في أمره كله. ولكونه ذا ذهن وقاد. أحل إليه الكلام في أحوال البلاد والعباد. ولا بدع في ذلك فالمستشار مؤتمن وأن الكلام في الفؤاد. واتفق أن دعاني إلى الثغر. ليشرح مني بالاستئناس الصدر. في قصر له طاب مغناه. وطال مبناه. فكأنه سخاب. في نحر السحاب. وقد أقرت له القصور. بغاية القصور. واكتست له الشعرى العبور. ثوب الغيور. وقد احتوت عليه دار دار بالسعد نجمها. وفاز بالحسن سهمها. ذات أشجار كأن الحور أعارتها قدودها. وكستها برودها. وحلتها عقودها. خلالها روض يروق. كأنه من الجنة مسروق.
فالأرض تجلى بالنبات الغضفي حليها المحمر والمبيض
من سوسن أحوى وورد غضمثل الخدود نقشت بالعض
وأقحوان كاللجين المحضونرجس زاكي النسيم بض
مثل العيون رتقت للغمضترنو فيغشاها الكرى فتغضني
وياسمين في ذرى الأغصانمنظم كقطع العقيان
وجلنار شبه خدي دعدأو مثل أعراف ديوك الهند
وغير هذا من صنوف الوردليس له سوى البها من حد
وهناك بركة ماء عذب مورده. وصفا حتى كأنما يفقده من يشهده. وربما يخيله الناظر في بعض الأوقات. خداً من لجين تجلى بعذار من انعكاس النبات. فجعلت أتمشى معه هناك بين سماء فاختيه. وأرض طاوسية. فتحير فكري. ودهش سري. حيث أبصرت ما لا يخطر في الجنان. ولا يكاد يتصور وجوده في سوى الجنان. فقال هل مثل هذا في مدينة السلام. فقلت لا ولا في غوطة دمشق الشام. وأنشدته ارتجالاً. وإن لم أكن قوالاً.
لقد وصف الرحمن للناس جنةفشوق من كل العباد نفوسا
وما كنت أدري أن في الأرض نحوهاإلى أن رأينا منزلاً فيك مأنوسا
ففرح به. وجعل ينشده لصحبه. ثم رأيت في بعض رياضه. حذاء أحد حياضه. بصورة امرأة حسناء. كأنها حوراء. قد نحتت من رخام. وأحكمت صناعتها أي إحكام. فلا تكاد تعرف أنها من حجر. إلا بتدقيق النظر. فأنكر ذلك بعض الحاضرين. وقال إنه محرم باتفاق المسلمين. فقال المشار إليه أنها تناسب هذا المكان بناءً على تشبيهه بإحدى الجنان. فقلت على سبيل الارتجال. ناسجاً على ذلك المنوال.
هذه الدار يحاكيحسنها دار السلام
غير أن الحور فيهاقد تجلت من رخام
فابيض وجهه بالسرور وأسفر. وأمر بكتابة ذلك على صدر الصورة بالذهب الأحمر. وقال هذا عندي كفتوى شيخ الإسلام. وسأقوى بها إذا أنكر منكر على هذا الرخام. فقلت في نفسي كيف تقوى. وهي لو فرضت فتوى. خالية عن تقوى. ثم خضنا في بحر التصوير. فاستوعبت الكلام فيه من غير تقصير.) ولما (عزمت على العود إلى الأوطان. التمست منه أن يحرر لي لأجل الطريق فرمان. وكتبت له هذه الأبيات يوم الدعوة الثالث والعشرين من شهر رمضان.
أرى دولة الإسلام شخصاً فرأسهملاذ الورى السلطان والصدر صدره
وأنت بلا ريب فؤاد وحبذافؤاد حوى العرفان لله دره
إذا ما بدا أمر مهم فرأيههو الرأي والفكر المسدد فكره
فيا سيدي قد طال بالعبد غربةفمنوا عليه أن يحرر أمره
ليغدو إلى أهليه بالخير داعياويبقى لكم ما عاش بالمدح ذكره
فوعد بإرساله بعد العيد حسب المراد. فصدق بما وعد وما كذب الفؤاد. وكان سلمه الله تعالى قد ذهب إلى القاهرة. ليجري مع واليها حضرة) عباس باشا (بعض المذاكرة. فعاد من هنالك. بوجه مستبشر ضاحك. فأرسلت إليه بأبيات. لها على كمال الحسن شرافات. وهي:
أهلاً وسهلاً بك من قادمقد نفذ الأمر إلينا وعاد
فانسر من ظل الإله صدرهإذ عاد بالخير إليه الفؤاد
) وبالجملة (كان المشار إليه عاقلاً حليماً. وعارفاً بما يقتضيه الوقت عليما. وقد صار مشير الخارجية في الحادي والعشرين. من شوال السنة الثامنة والستين. وبعد نحو ثمانية أشهر جاء من قبل الدولة المسقوفية سفير. يقولون أنه بين السفراء ذو قدر خطير. وكان سفير شر. وخباثة وغدر. فذهب إلى الباب العالي. غير مارٍ بحضرة هذا البدر المتلألئ. وعادة سفراء الدول الأجنبية. المرور أولاً بمشير الخارجية. فاستشعر من ذلك عدم الاكتراث به. فأبى شريف طبعه جليل منصبه. فكان أهون عليه من قراضة الجلم. وأقل من براية القلم. وأحقر من تراب يصفع براحة القدم. فنبذه وراء ظهره. وفرى بطن أنانية السفير المسفور بشفرة أنفته وكبره. وهكذا فليكن الغيور. والليث الجسور. وبلغني أن كلب المسقوف أظهر الضجر. وجعل يعوي إذ رمي بهذا الحجر. وأن مجيئه لطلب أمور شاقة. لا تكاد تحققها الدولة العلية أو تحق إلحاقه. ولما لم يمكن منها فسخ العهد الذي كان في البين. وجعل رأس ذلك أن رفع ما لدولته في بطن أرجاء غلطة مما يشبه العين. ففهم الناس من ذلك فتح باب الحراب. فاضطربوا اضطراباً كثيراً لما في البلاد من الضعف وقوة الخراب. وأنشد الواقف على الخفايا. السائر في الأرض السابر لبحار البلايا.
أرى تحت الرماد وميض ناروأخشى أن يكون لها ضرام
فإن لم يطفها عقلاء قوميكون وقودها جثث وهام
نسأل الله تعالى أن يطفئ نار أولئك الطغام. ويؤجج ﷿ بلطفه نور المسلمين والإسلام. ولا يخرجنا إلى الاستعانة بأعداء الدين يريدون أن يصطادوا بشباك الإعانة بعض بلاد المسلمين. وأنا أخوف ما أخاف من مكر الأعداء من جهة العراق. فإنه عضو ضعيف بالنسبة إلى سائر الآفاق. وإن إبل ذلك النادي. قد حداها والأمر لله تعالى غير حادي. ووراء ذلك ما لا يقال. وحسبنا الله الملك المتعال.
) ومنهم الآخذ بضبع المظلوم مخافة أن تدفعه يد الظالم إلى أشر المهاوي. حضرة مظلوم بك أفندي ناظر مجلس الدعاوى (وهو فتى تقمص الديانة والعفة. وكان من تقوى الله تعالى في أوقي محفة. يحب العلماء والشيوخ. وإن لم يكونوا من أهل الرسوخ. مع أخلاق أرض من النسيم. وفكاهة ألذ من التسنيم. وكم تقلد أموراً. فأنتجت فرحاً وسروراً. واتفق أن بعث رسولاً إلى) محمد علي باشا (ملك القاهرة. فبالغ في عظته ونصيحته. ولم يبال بأبهته وهيبته. وأرشده إلى تجارة غير خاسرة. وكان ممن حظي عند حضرة السلطان محمود خان. وتبوأ من غرف عنايته العلية أعلى مكان. وفي هاتيك الأثناء اتفق أن حظي أيضاً عند ذلك السلطان الأوحدي. رجل يدعى بصائب بك أفندي. فشق ذلك على الحساد. كما هو العادة في غالب العباد. فكانوا يقولون أن ميم مظلوم سرقت من أول صائب. فهذا ظلوم بلاميم أوله وذاك مصائب.) ولعمري (لقد ظلموا. وبالباطل الجلي حكموا. فقد رأيت المشار إليه مظلوماً بين الأقران. حيث لم يبوأ من بينهم قنة كيوان. وأن الظلم عنه بمعزل. وبعيد عن منزله بألف ألف منزل.
كأن ربي لم يخلق لخشيتهمن الرجال سواه قط إنسانا
وقد حضرت مجلس دعاويه المرة بعد المرة. فرأيته لا يخرج عن دائرة الشريعة الغراء قيد شعرة. واستمر في منصبه عدة سنين. وعزل عنه أثناء السنة التاسعة والستين. وهو اليوم في مغناه. مشغول بعبادة مولاه. يسر الله تعالى له ما هو الأولى والأحرى. وستره سبحانه في الأولى والأخرى.) واتفق (أني سمرت معه في بعض الليال. مع جملة أحبة ذوي فضل وكمال. وكان قد بلغه عني إنكار على الشيخ الأكبر. وغض طرفٍ عن ذلك النور المجسد الذي لا ينكر. فقال ما تقول في الشيخ الأكبر محيي الدين. فقلت الشيخ الأكبر محيي الدين. فأعجبه الجواب جداً. وقال إذا أنكرت. ثم ذكرت من شؤون الشيخ قدس سره ما ذكرت. وأنشدت آخر المقال. قول الفاضل المفضال. ذي الأدب العبقري. عبد الباقي أفندي العمري. من قصيدة قالها في مدح الشيخ المشار إليه. لا زالت سحائب رحمة الله تعالى ورضوانه منهلة عليه.
ينكر المرء منه أمراً فينهاهـ نهاه فينكر الإنكارا
فعجب غاية العجب. وقال مثل هذا يكتب بماء الذهب. وأنا الآن أقول. غير مبال. بمنكر ذي فضول. أن الشيخ قدس سره لا شك في جلالته علماً وعملاً. وأن عنده وكذا عند أمثاله لكلامه المتشابه من أحسن المحامل محملاً. لكن أنا لا أعلم ما ألتزمه في شأنه من شر التدوين. مع ظهور أنه سبب قوي لضلال كثير من ضعفاء المسلمين. وقياسه على متشابه الكتاب والسنة. قياس لا يرتضيه إذا أمعن النظر ذو فطنة. وكذا لا أعلم سر تأخير النبي ﷺ تبليغ ما في الفصوص. عن زمان تبليغ ما أوحي إليه عليه الصلوة والسلام من النصوص. إلى أن يأتي الشيخ الأكبر بعد نحو ستمائة سنة بعد الهجرة. فيناولها إياه في المنام ويقول له اخرج بها إلى الناس فخرج بها غير مغير منها مقدار ذرة. وليس مرادي من هذا نفي السر في نفس الأمر. فذلك عين الإنكار الذي هو أدهى وأمر. بل مرادي مجرد نفي علمي به. مع تسليم أن له سراً هو معلوم لدى صحبه.) وبالجملة (أنا معتقد جلالة قدره. مفوض سائر أحواله إلى عالم جهره وسره. ويأبى الله تعالى أن أخوض في حقه كما خاض المنكرون. فذاك فضول لا ينبغي أن يرتكبه العالمون. وهذا ما أدين به الملك الديان. غير مداهن به أحداً من كبراء الزمان.
وما علي إذا ما قلت معتقديدع الجهول يظن السوء عدوانا
) ومنهم حضرة ذي الخلق العطر الندي. مرضي الخالق والخلق رضا أفندي (. وهو فتى استحال تواضعاً وديانة. وتجسد نجابة وعفة وصيانة. له دين متين. وعقيدة قوية بالصالحين. وحب عظيم لأهل البيت. وغرام جسيم شامل للحي منهم والميت. أصله من أهل بروسا. من قوم طابوا فعالاً وزكوا نفوساً. ولقد رأيت أباه شريف أغا في الصلاح غاية. وفي رقة القلب نهاية. حتى أنه ليبكي متى سمع حديثاً أو آية. وقد استخدم المشار إليه مدة فيما بين. فقرت منه بالأنظار الخاقانية العين. ثم صار ناظر أوقاف همايون. فقرت به من الجوامع والمدارس والتكيات العيون. ثم صار أمين الدفتر. وهو بالأمانة أشهر من أن يذكر. ثم انضم إلى ذلك أن جعل أحد أعضاء مجلس الأحكام. وله مع ذلك من الأنظار المجيدة المجيدية أوفر السهام. وقد اقترح علي أن أصحح له الشفاء الشريف. فصححته له رعايةً لسابق فضله المنيف. ثم طلب مني الإجازة به فأجزته. وهذه صورة ما كتبته وحررته: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أجاز بالشفا. من أمراض النفس والهوى. من راعى حقوق المصطفى وواصل حبه وما جفا. والصلوة والسلام على ذلك الحبيب الأعظم. والمظهر الأتم. والنور الأعم. والسر المطلسم. وعلى آله وأصحابه القائمين بحقه. والكارعين كؤوس أخلاقهم من دنان خلقه.) أما بعد (فقد استجازني بالشفا. بتعريف حقوق المصطفى. صلى الله تعالى عليه وسلم. وشرف وعظم وكرم. الأخ المثابر على التخلق بالأخلاق الأحمدية. والمجد في السير فيما يجاز به المجد من الأفعال المرضية المصطفية. الذي هو أعز أخوتي عندي.) أبو المحامد حضرة رضا أفندي (. لا زال ملحوظاً بعين الرضا عند مولاه. ومحفوظاً من كل مكروه في أخراه وأولاه. فاعتذرت بأني عيبة العيوب. وأني لست بأهل لهذا الأمر المطلوب. فلم يقبل عذري. وأجل لحسن ظنه قدري.
وعين الرضى عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا
فأجزته بذلك. وفقنا الله تعالى وإياه لسلوك أقوم المسالك. حسبما أجازني به مشايخ عظام. وعلماء أعلام. كل منهم في حلبة الفضل إمام. منهم الشيخ عبد الرحمن الكزبري الدمشقي. عن أبيه الشيخ محمد. عن الشهاب أحمد المنيني. عن عبد الله بن سالم البصري. عن محمد بن سليمان المغربي. عن أبي عثمان سعيد الجزائري الشهير بقدوره. عن أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله التنسي. عن الحفيد أبي عبد الله محمد بن أحمد الخطيب محمد بن مزوق. عن جده الخطيب محمد. عن القاضي أبي علي حسن بن يوسف الحسين السبتي. عن القاضي الأزدي السبتي. عن القاضي ابن غازي السبتي. عن مؤلفاته القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. وذلك بالشرط المعتبر. عند أهل الأثر. وأوصى المجاز المشار إليه. لا زالت الألطاف الإلهية منهلة عليه. بتقوى الله تعالى في السر والعلن. فأنها مجلبة للمنح مدرأة للمحن. وأرجو منه أن لا ينساني. وأولادي وأخواني. من صالح دعواته. لا سيما عقيب أوراده وصلواته. وأسأل الله ﷿ لي وله الشفا والعافية من كل ما يستوجب الجفا. بحرمة حبيبه المصطفى. وآله وصحبه أهل الصفاء صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم. ما حرر بجيز إجازة مستجيز. ورقم. وكتب أفقر كل رائح وغادي. أبو الثناء شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي. غفر له.
) ومنهم ذو الفضل البدي. حضرة زيور أفندي (. وهو شيخ سناً وكمالاً. وفتى فتوة وأفضالاً. قد سرى حب أهل البيت في لحمه وجلده. سريان ماء الورد في أوراق ورده. وأستولي على سره وعلنه. استيلاء روحه على بدنه. وله فيهم نظم فائق. وشعر رقيق رائق. تتمنى النجوم بعقود كلماته. وتود العقول المجردة أن تكون مكتسية ببرود عباراته. فهو اليوم فضولي الروم. وفاضلهم الذي يناطح فضله النجوم. قد تنقل في خدمات جليلة. وما من خدمة منها إلا توسدت ساعده مدة طويلة. وهو حفظه الله تعالى اليوم ناظر الأوقاف. وقد فخرت به الجوامع وأخواتها كما فخر على الوهاد جبل قاف. وكم مرت وقد حلت لي معه أوقات تضمنت فكاهات. ومحاورات هي لأرواح الارتياح أقوات.) فلعمري (ما رأيت ألين منه جانباً. ولا أحسن منه صاحباً. ولا أكثر منه إكراماً. ولا أبر منه ذماماً. ولا أطيب منه نفساً. ولا أخلب منه للأفئدة أنساً. ولا ألطف منه محاضرة. ولا ألذ منه محاورة. ولا أسرع منه جواباً. ولا أوفر منه صواباً. ولا أصدق منه قيلاً. ولا أقوم منه سبيلاً. ولا أسلم منه قلباً. ولا أتم منه للقلوب جلباً. ولا أوفى منه عهداً. ولا أصفى منه وداً. ولا أكمل منه للعترة. ولا. ولا ولا ولا ولا. أسأل الله تعالى أن يديم عليه ديم الألطاف. ويحيى بحياة أنظاره ما عاد رميماً من الأوقاف.
) ومنهم ذو الخلق الوردي. حضرة الكاتب الأول في مجلس الأحكام طلعت أفندي (. وهو رجل قد جاوز سن الكهولة. وما حط عبء لواء اللطف عن كاهله. وجاز سن الشيخوخة وما رفع من رداء الظرف ما يسجل من فاضله. يمزج الهزل بالجد. ويمزج جداً ولا يخرج عن الحد. يلتزم الصديق. ويمر له ريقه ليحلو له الريق. ذهب إلى أوربا وبقي شهوراً عديدة. وعاد ولم تحل بنان التشكيكات منه عقدة العقيدة. وقد سمرت معه حيث كان لي جاراً عدة ليال. فرأيته قد جمع جمع كثرة من حميد الخصال. وأكثر ما عنده رعاة حقوق الصحبة. وبذل الجهد في إدخال السرور على من أحبه. أسأل الله تعالى أن يديم طلعته. ويحفظ من كل مكروه مهجته وبهجته.
) ومنهم بدر العوارف الذي هو بأودية الكمال كل آونة مرتدي. حضرة ناظر مكاتب المعارف العمومية أخي وحبيبي كمال أفندي (. وهو كهل فاق الكهول. حيث جمع ما راق من ظرائف المنقول والمعقول. وقد غدا في هاتيك المغاني. من حيث معرفة اللغات آدم الثاني. وذهب كغيره إلى أوربا ثم عاد. ولم تكن قد فصمت أيدي الشبه منه عقود الاعتقاد. وأرسل مرة إلى العجم سفيراً. حيث كان بأمور الدولة ورسومها خبيراً. فظهر من معجز عقله ما شق من عقلهم إيوانه. ودر من وابل فضله ما أحمد من فضلهم نيرانه. ولما أراد العود توجه إلى بغداد. فدخلها أيام وزارة واليها النجيب أبي الأمجاد. فقبل أن أذهب لزيارته جاء لزيارتي راجلاً. ففاوضته الحديث فرأيته رجلاً غدا به الكمال كاملاً. وأخبرني أن سبب مجيئه إلي سعياً على القدم. سماعه الإغراق في الثناء علي من علماء العجم. وأنه لما سمع ذلك الثناء. في هاتيك الأطراف. نفث في روعه ملك الإنصاف. إن الفضل ما شهدت به الأعداء. وذكر لي أنهم قالوا له لو لم يكن ناطور السنة في العراق الشهاب. لطال بعلمائه من أسنة السنة أبحاثنا وحرمة الكتاب الأكتاب. ومن هنا ذباب الافتراء. وصفع رقاب المدلسين بنعال الهوان. وألقم كلاب المدسسين فأغصهم بحجر الامتهان.) ولعمري (لقد رأيت من نجابته معي في إسلامبول. ما هو فوق الحد وطور ما وراء طور العقول. ولا يستبعد من الكمال. كمال النجابة والأفضال. فجزاه الله تعالى عني من رائق فضله ورحيقه. أفضل ما جزي به صاحباً عن صاحبه وصديقاً عن صديقه. ولقد رأيته يتبع لجمع الكتب المدارس والجوامع. وقد جاوزوا شغفه بها الحد إلا أنه كحد جامع غير مانع. فتراه يعير منها ما لا يعار. وربما يخبل به الفلك الدوار. وقد أطلعني في جوف داره على مكتبة له. اشحنها التوفيق كتبا جمعت الحسن كله. فلو رأتها كتب الصاحب ابن عباد لذابت في جلودها. أو للطمت بأكف الغيرة منها على صفحات خدودها. فكأنها كتب شيخ الإسلام. التي أوقفتها وسيرها إلى مدينة النبي عليه الصلوة والسلام. وقيل لي كيف كتبك بالنسبة إلى هذه الكتب النفيسة. فأنشدت وحاشاني ولله تعالى الحمد من نفس حسودة خسيسة.
هي كتبي فليس تصلح من بعدي لغير العطار والإسكاف
هي أما مزاود للعقاقير وأما بطائن للخفاف
والتمس مني يوماً على ما بي من الكآبة. أن أكتب له عدة أسطر تتضمن مدح صنعه الكتابة. وغرضه أن يمتحن أطفال المكاتب. بما هو لحالي حالهم مناسب. ويكون فيه ترغيب لهم بتلك الصنعة وأحكامها. والاستغناء عن بيض السيوف وزرق الأسنة بسمر أقلامها. فأجبته إلى ما أمله. وأمليت له رسالتين مختصرة ومطولة. أما المختصرة فهذه:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع