من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الأول (٢)
وقال آخر:
وعلى الثنيَّة من خُزيمةَ سادةٌيتمارَضون تمارُضَ الأُسْدِ
وأما ذكرهم المرأة بذلك فيريدون الترفّه والنعمة والحياء كما قيل:
ضعيفةُ كرِّ الطرفِ تحسِبُ أنَّهاقريبةُ عهدٍ بالإفاقة من سُقْمِ
وقال مسلم بن الوليد في هذا المعنى فجوَّد:
ضعيفة أثناء التَّهادي كأنَّماتخافُ على أحشائها أن تقطّعا
وهذا وأشباهه كثير في الشعر.
وقولها: " أو ناشئاً حدثاً " البيت، تريد بذلك غلاماً حدثاً إلاَّ أنَّه قد ساد فهو يحكم على الصُلع من الرجال وهم الكهول والمشائخ فلا يردُّ حكمه لأنه من أهل بيت شرف فقد ورث سؤددهم ومآثرهم. ومثله قول الخنساء:
رفيعُ العماد ورِيّ الزِنادِ ساد عشيرتَه أمْردا
ومثله لآخر:
وإذا سألت الجودَ أين محلُّهفالجودُ تِربُ القاسم بن محمّدِ
قاد الجيوش لخمس عشرة حجةًيا قُرب ذلك سؤدداً من مَولدِ
ومثل هذا قول الآخر:
قاد الجيوش لخمس عشرة حجةًولِداتُه عن ذاك في أشغال
قعدَتْ بهم همّاتُهم وسَمتْ بههمَمُ الملوك وسورةُ الأبطال
ولسعيد بن هاشم الخالدي هذا المعنى إلاَّ أنَّه قد زاد فيه وهو قوله:
ساد في مَيعة الشباب وأبْهى الزَّهْرِ ما لاح في الغُصون الرطابِ
وقال جِران العَود النُّميري، ولا يعرف في نسيب الأعراب وغزلهم أحسن ألفاظاً من هذه القصيدة ولا أملح معاني، والمختار منها قوله:
ذكرتَ الصبا فانهلَّتِ العينُ تذرِفُوراجعَك الشوقُ الَّذي كنتَ تعرفُ
وكان فؤادي قد صحا ثمَّ هاجَهحمائمُ وُرق بالمدينة هُتَّفُ
فبتّ كأنَّ العينَ أفنانُ سِدرةٍعليها سقيط من ندى الليل ينطُفُ
أُراقبُ لَوحاً من سهيل كأنَّهإذا ما بدا من آخر الليل يَطرفُ
فلا وجدَ إلاَّ مثلَ يومَ تلاحقَتْبنا العيسُ والحادي يشُلُّ ويعطفُ
وفي الحيِّ مَيلاءُ الخمار كأنَّهامَهاةٌ بهجْل من ظباءٍ تعطَّفُ
تقولُ لنا والعيس صُعّر من السرىفأخفافها بالجندل الصُّمّ تقذِفُ
حُمِدتَ لنا حتَّى تمنّاكَ بعضُناوقلنا أخو هزلٍ عن الجدّ يصدفُ
وفيكَ إذا لاقَيتنا عَجْرفيَّةمِراراً وما نهوى الَّذي يتعَجْرفُ
فمَوعدُك الوادي الَّذي بين أهلناوأهلِكَ حتَّى نسمعَ الديكَ يهتِفُ
ويكفيك آثارٌ لنا حين نلتقيذُيولٌ نُعفيها بهنّ ومُطرَفُ
فنُصبحُ لم يُشْعَر بنا غيرَ أنّهعلى كلّ حالٍ يحلفون ونحلِفُ
فأقبلنَ يمشينَ الهُوَينا تهادياًقِصارَ الخُطا منهنَّ رابٍ ومرجَفُ
فلمّا هبطن السهلَ واحتلنَ حيلةًومن حيلة الإنسان ما يتخوفُ
حملن جِرانَ العَود حتَّى وضعنَهبعلياء في أرجائها الجنُّ تعزِفُ
فبِتْنا قُعوداً والقلوبُ كأنّهاقطاً شُرَّع الأشراكِ ممّا نخوَّفُ
علينا النَّدى طوراً وطوراً يرشُّنارذاذٌ سرى من آخر الليل أوطَفُ
يُنازعْننا لَذّاً رخيماً كأنَّماعواثرُ من قطر حداهُنَّ صَيِّفُ
رقيق الحواشي لو تسمَّعَ راهبٌببُطنانَ قولاً مثلَه ظلَّ يرجفُ
ولمّا رأينَ الصبحَ بادرنَ ضوءهكمَشي قطا البطحاء أو هُنّ أقطَفُ
وما أُبنَ حتَّى قُلن يا ليت أنَّناتُرابٌ وأنَّ الأرض بالناس تُخسَفُ
فأصبَحْنَ صَرعى في الحجال كأنّماسقاهنّ من ماءِ المدامة مُرقَفُ
يبلّغُهنَّ الحاجَ كلُّ مكاتَبطويل العصا أو مُقعدٌ يتزحَّفُ
رأى ورقاً بيضاً فشدَّ حَزيمَهلها فهو أمضى من سُليكٍ وألْطَفُ
ولن يستهيمَ الخرّد البيضَ كالدمَىهِدانٌ ولا هِلباجةُ الليل مُقرفُ
ولكن رفيقٌ بالصِّبا متطوّفخفيف لطيف سابغُ الذَّيلِ أهيفُ
يُلمُّ كإلمامِ القُطاميِّ بالقَطاوأسرعُ منه لَمَّة حين يخطفُ
فأصبح في حيث التقينا غُدَيّةسِوارٌ وخَلخال وبُردٌ مُقوَّفُ
أما قوله: " فبتُّ كأنَّ العينَ أفنانُ " البيت، فمن أحسن ما قيل في الدمع وأجوده وأطرفه. وشبيه به قول الآخر:
لعينُك يوم البَين أسرعُ واكِفاًمن الفَنَنِ الممطُور وهْوَ مَروحُ
وقال هذا البيت قد جوّد أيضاً وزاد على من تقدّمه وأتى بعده، وذاك أنَّه لم يرضَ أن يكون دمعه مثل الفنن، وهو الغصن، الَّذي يقع المطر على ورقه فهو يجري حتَّى قال: " وهو مَروح " أراد أن الريح تحرّكه فهو لا يهدأ من القطر. وليس بعد هذا نهاية في تحادر الدمع وسرعته.
وقوله: " أراقب لوحاً من سهيل " البيت، مليح التشبيه صحيحه لأنه من تأمّل رآه كأنَّه عين تطرِف.
وقوله يصف قولها له: " وفيك إذا لاقيتَنا عجرفيَّة " البيت، يقال إنَّ النساء يملن إلى من كانت فيه دعابة ولهو ولا يملن إلى غير ذلك، فذكر جران العَود عنهن أنهنَّ قلن له: لستَ على ما وُصفت لنا لأنَّ فيك عجرفيَّة، وقد وُصفت لنا بغيرها حتَّى تمنَّيناك وما نحبّ الَّذي يتعجرف. ويُذكر أن كُثيّراً أنشد بعض نساء الأشراف قوله:
وكنتُ إذا ما جئتُ أجلَلْن مَجلسيوأعرضْنَ عنه هَيبة لا تَجهُّما
يُحاذرنَ منِّي نبوَةً قد عرفْنَهاقديماً فما يضحكنَ إلاَّ تبسُّما
فقالت له: يا ابن أبي جُمعة، أبهذا القول تدَّعي الغزل؟ والله ما نال وصلنا وحظي بودّنا إلاَّ من يجري معنا كما نريد ويجعل الغيَّ، إذا أردناه، رشداً. قم لعنك الله، فقام منقطعاً. وإلى قولها نظر البحتري فقال:
ولا يؤدِّي إلى المِلاحِ هوَىمن لا يرَى أنَّ غيّه رشدُ
وقوله: " ويكفيك آثار لنا حين نلتقي " البيت، معنى مليح، وقد اشترك فيه جماعة من الشعراء فأوَّل ذلك امرؤ القيس في قوله:
فقمتُ بها أمشي تجرُّ وراءناعلى إثْرِنا أذيالَ مرطٍ مُرحَّلِ
وقال ابن المعتز:
فقمتُ أفرش خدِّي في الطريقِ لهذلاًّ وأسحب أكماماً على الأثَرِ
ولابن المعتز في هذا المعنى زيادة حسنة على من تقدَّمه.
وقوله: " فنصبح لم يشعر " البيت، كلام طريف وكذب مليح لأنه قال لا بدَّ من تهمة تلحقنا فنحلف أنَّا لم نفعل ويحلفون أنَّا قد فعلنا.
وقوله: " فأقبلن يمشين " البيت، من أحسن ما يكون في صفة المشي. وقد أكثرت الشعراء في هذا الباب، فمن مليحه قول بعضهم:
يمشينَ مشيَ قطا البطاح تأوُّداقُبَّ البطون رواجح الأكفالِ
وإنَّما شبَّهوا مشي المرأة بمشي القطاة لأن فيها سرعةً وتأوُّدا.
وقال المنخَّل:
ودفعتُها فتدافَعَتْمشيَ القطاة إلى الغَديرِ
وللأعشى في المشي شيء حسن وأشياء يُفرط فيها. فمن الجيد قوله:
غرَّاءُ فرعاءُ مصقولٌ عوارِضُهاتمشي الهُوَينا كما يمشي الوجى الوجِلُ
كأنَّ مشيتَها من بَيت جارَتهامرُّ السَّحابة لا رَيثٌ ولا عَجَلُ
وقد شبَّه بشار بن برد خفقان القلب بالكرة في نزوها وهو قوله:
كأنَّ فؤادَه كُرة تنَزَّىحَذارَ البَين إن نفع الحذارُ
وهذا لعمري تشبيه جيد ومعنى صحيح. وقال الآخر، وهو غير هذا المعنى، فجوَّد:
كأنَّ فؤادي في مخاليب طائرإذا ذُكرتْ ليلى يشُدُّ به قَبضَا
هذا ذكر أن فؤاده، إذا ذُكرت عشيقته، قُبض عليه ولم يذكر أنَّه شديد الخفقان، وهو يدخل في هذا المعنى أو يقاربه. وقد قال بعض المحدثين من أهل الموصل في هذا المعنى فجوَّد وأحسن وزاد وأورد معنى ثانياً وهو قوله:
كأنَّ قلبي وشاحاها إذا خَطَرتوقَلبَها قُلبُها في الصَّمت والخرَسِ
هذا ذكر أن قلبه مثل وشاحي صاحبته قلقاً وتحرّكاً، ثمَّ أتى وزاد في المعنى بقوله: " إذا خَطَرت " ليكون أشد للحركة؛ ثمَّ أتى بمعنى وهو قوله: " وقَلبَها قُلبُها في الصَّمت والخرَسِ " وقد ذكر أنَّ قَلبها غير خافقٍ ولا قلق، والقُلبُ السِوار. وهم يصفون المرأة بضيق السوار والخلخال وقلة حركتهما، فهذا الشاعر ذكر قَلبه بالقلق وقلبَ من يحبّ بالسكون فزاد وجوَّد.
وأما قوله في ذكر الحديث وحسنه: " ينازعننا لذَّا " البيت، والَّذي بعده فهو حسن نادر إلاَّ أنَّ الشعراء في الحديث أكثروا من جيّده، ومن حَسَنه قول القطاميّ:
فهنَّ ينبِذْنَ من قول يُصبنَ بهمواقعَ الماءِ من ذي الغُلَّةِ الصَّادي
يقتُلنَنا بحديث ليس يفهمُهمن يتَّقينَ ولا مكنونُهُ بادِي
ومن مليح هذا المعنى قول بشار:
وحديثٍ كأنَّه قطع الرَّوضِ زَهَتْه الصّفراءُ والحمراءُ
ذكر أنَّ حديثها مثل الرياض في ملاحتها وأنَّه يجمع جِدّاً وهزلاً.
وقال بشار أيضاً:
ولها مَضحكٌ كنَور الأقاحيوحديث كالوشْي وشيِ البرُودِ
وله أيضاً:
دعَتْني حين شِبتُ إلى المعاصيمحاسنُ زائر كالرِّيم غَضِّ
كأنَّ كلامَه يوم التقيْنَارَمِيٌّ خَدَّ في طولي وعَرضي
وله أيضاً:
حوراء إن نظرت إليكَ سقتكَ بالعينينِ خَمرا
وكأنَّ رجعَ حديثِهاقطَعُ الرِّياض كُسينَ زَهْرا
وقال بعض ولد أسماء بن خارجة الفزاريّ:
وحديث ألذُّهُ وهو ممَّايونق السَّامعين يوزَنُ وَزْنا
منطِقٌ صائب وتلحن أحْياناً وأحلى الحديثِ ما كانَ لَحْنا
ذكر أنَّها تحدّث بحديث يُفهم ثمَّ تخشى نمَّ من يحضر من الوشاة فتلحَنُ لهم بمعنى يعرفه وإشارة يقف عليها لا يعرفها غيرها وغيره. قال الله تعالى:) ولتعرفَنَّهم في لحن القول (، أي في معنى القول، يقال: هذا لحن بني فلان، أي لغة بني فلان.
ومن أجود ما قيل في هذا الحديث قديماً وحديثاً قول ابن الرومي:
وحديثُها السِّحرُ الحلال لو أنَّهلم يجْنِ قتلَ المسلم المتحرِّز
إن طالَ لم يُمْلَل وإن هي أوجزَتْودّ المحدِّثُ أنَّها لم توجزِ
شركُ القُلُوب ونزهة ما مثلهاللمطمئنّ وعُقلةُ المُستوفِزِ
هذا نهاية ما قيل في هذا الباب. وقد تناول ابن الرومي قوله: " ودّ المحدِّثُ أنَّها لم توجزِ " من بعض المتقدمين، وهو قوله:
من الخفِراتِ البِيض ودّ جليسُهاإذا ما قضَتْ أحدوثةً أن تعيدَها
ومن مليح ما قيل في الحديث أيضاً قول بعض الأعراب:
وحديثها كالغيث يسمعُهُراعِي سنينَ تتابَعَتْ جَدْبا
فأصاخَ يرجو أن يكون حَياًويقول من فَرَحٍ هَيَ رَبَّا
وقال آخر:
وإنَّا ليجري بيننا حين نلتقيحديث كتسبيح المريضَين مُزعجُ
حديث لوَ أنَّ اللَّحمَ يُولَى ببعضهغريضاً أتى أصحابَه وهْوَ منضَجُ
هذا ذكر أنَّه إذا خلَى بمن يحبّ يجري بينهما من التشاكي أحرّ من النار. ومثله قول الآخر:
تقول لي وهي تحُفُّ الهودجاقولاً جميلاً حَسَناً سَمَلّجا
لو طُبخَ اللَّحمُ به لأنضَجَا
والقول في الحديث كثير، ولو استقصينا جميع ما فيه لخرج كتابنا عن الغرض الَّذي قصدنا له.
وقوله: " ولمَّا رأين الصبح بادرن " البيت والَّذي بعده فهو شبيه بقول بشار:
حتَّى إذا بعث الصَّباح فراقناورأينَ من وجه الظَّلام صُدودا
جرتِ الدُّموع وقلن فيك جلادةعنَّا ونكره أن تكون جليدا
ومثله قول عبد الصمد بن المعذّل:
فضحكنَ في وجهِ الدُّجىوبكَينَ في وجهِ الصَّباحْ
يريد أنهن اشتهين طول الليل ليتمتَّعن بالحديث، وبيت عبد الصمد أحسن ممَّا تقدَّمه وأعذب ألفاظاً.
وقوله: " فأصبحنَ صرعى في الحِجال " البيت، مأخوذ من امرئ القيس:
فأصبحتُ معشوقاً وأصبح بَعلُهاعليه القتامُ كاسفَ الظّنِّ والبالِ
وقوله: " يبلّغن الحاجَ " البيت والَّذي بعده، يذكر أنَّه يُرسل إلى من يهوى بمن لا يُؤبَهُ له. وقوله: " مكاتب " أي ضعيف. ويجوز أن يكون قد كاتب هذا الرسول عن نفسه فهو يسأل النَّاس في مكاتبته، فليس ينكر دخوله البيوت وكلامه النساء. وقوله: " أو مقعد يتزحَّفُ " أراد أيضاً ضعيفاً، وهذا مثل قول الفرزدق:
فأبلغَهنَّ وحيَ القَول عنِّيوأدخلَ رأسَهُ تحتَ القِرامِ
ضعيفُ ذو خُرَيِّطَةٍ بهيممن المُتَلَقِّطي قرَدَ القُمامِ
وصفه أيضاً بالضعف والمسكنة وإنَّه يلقط القَرَد، وهو ما يقع من الصوف، في خُريِّطة معه.
وقوله: " فأصبح في حيث التقينا " البيت، أراد أنَّا تجاذبنا وتعاركنا فتكسَّرت الإسورة والخلاخيل وتحرَّقت الثياب، فمن أتى موضع التقائنا وجد فيه ما قلنا، وهذا مثل قول عبد بني الحسحاس:
فكم قد شقَقْنا من رداءٍ مَطرفومن برقع عن طِفلةٍ غَير عانسِ
إذا شُقَّ بُردٌ شُقَّ بالبُرد برقعٌدواليكَ حتَّى كلُّنا غيرُ لابسِ
وقال جران العَود:
كأنَّني يومَ حثَّ الحاديان بهممرنَّح من سلافِ الخمر معلولُ
يومَ ارتحلتُ برَحْلي قبل بَرذَعتيوالقلبُ مستوهِلٌ بالبين مشغولُ
ثمَّ اغْترزْتُ على كوري لأدفعَهإثْر الحُمول الغوادي وهو معقولُ
لم يبقِ من كبِدي شيئاً أعيشُ بهطولُ الصَّبابةِ والبِيض العطابيلُ
ممَّن يجول وشاحاها إذا انصرفتْولا تجولُ بساقَيها الخلاخيلُ
يرنو إليها ولو كانوا على عجَلٍبالشِّعب من مكَّة الشِّيبُ المثاكيلُ
أما قوله: " ثمَّ اغْترزْتُ على كوري " البيت، فلا يكون في الطيش والدهش وشغل القلب بالبَين مثله؛ لأنه ذكر أنَّه جعل رحله على جَمَله قبل برذعته ثمَّ ركبه وأثاره وبعثه في السير وهو لا يعلم أنَّه معقول دهشاً لما ناله من فراق من يحبّ. وإلى هذا نظر أبو تمام في قوله:
أَظَله البين حتَّى أنَّه رجُلٌلو مات من شغله بالبين ما علِمَا
على أن جران العود أتى بما يمكن ويقوم في العقل وأتى أبو تمام بما لا يكون، إلاَّ أنَّه إغراق جيّد.
وقوله: " يرنو إليها ولو كانوا " البيت، نهاية في معناه، فهو قد جمع محاسن كثيرة، لأنه قد " يرنو إليها ولو كانوا على عجل " فجعل العجلان وغير العجلان في النظر إليها بمنزلة واحدة. ثمَّ قال: " بالشِّعب من مكَّة " أي أنهم في الحرم، ومن كان في الحرم كان خاشع القلب غاضّ الطرف. ثمَّ قال: " الشيبُ " والأشيب قلما يلتفت إلى شيء من اللهو من جهات، أما إحداها فلِما مضى من عمره، والأخرى أنَّ الأشيب أتقَى من الشاب. وأخرى أنَّ الأشيب يستحيي من الغزل أكثر ممَّا يستحيي الشباب. ثمَّ قال: " المثاكيل " والثاكل يشتغل بثكله عن النظر إلى الحسن والقبيح لا سيما إذا كان أشيب ثاكلاً، فقد يئس من الولد لكبره وعلوّ سنّه. والأوَّل في هذا المعنى قيس بن الخطيم في قوله:
ديار الَّتي كادت ونحن على منًىتَحُلُّ بنا لولا نجاء الركائبِ
وقد ذكرنا هذا البيت ونظائره في صدر كتابنا هذا. وبيت جران العود هذا الَّذي قدمناه ذكره أجود من كلّ ما عُمل في هذا المعنى وأشدّ إغراقاً.
وقال مسكين الدارميّ:
ونارٍ دعوتُ المعتفين بضوئهافباتوا عليها أو هَدَيتُ بها سَفْرَا
تضرَّمُ في ليل التِّمام وقد بدتْهوادي نجوم الليل تحسبُها جمْرَا
وضيفٍ يخوض الليل خوضاً كأنَّمايخوض به حتَّى تأوّبني بحرَا
وكم من كريم بوَّأَتْهُ رِماحُهُفتاة أُناس لا يسوق لها مهرَا
وما أنكحونا طائعين بناتهمولكن نكحناها بأرماحنا قسرَا
وكائن ترى فينا من ابن سبيئةٍإذا لقيَ الأبطالَ يطعنُهم شزْرَا
فما ردّها فينا السباء وضيعةًولا عرِيَتْ فينا ولا طبخت قِدرَا
ولكن جعلناها كخير نسائنافجاءتْ بهم بِيضاً غطارِفة زُهرَا
إذا لم تجدْ بُدّاً من الأمر فأتِهِرحيبَ الذراعِ لا تضيقَنْ به صدرَا
ولا تأمن الخُلانَ إلاَّ أقلّهمعليك إذا كانت صداقتهم مكرَا
وإنِّي امرؤ لا آلفُ البيتَ قاعِداًإلى جنبِ عِرْسي لا أفارقُها شِبرَا
ولا مُقسمٌ لا تبرحُ الدَّهرَ بينَهالأجْعلَه قبل المماتِ قبرَا
إذا هي لم تُحصِنْ أمامَ فنائهافليس يُنجِّيها بِنائي لها قصرَا
ولا حامل ظنِّي ولا قالَ قائلعلى غيرةٍ حتَّى أُحيط به خُبرَا
وهَبْني امرأ راعيتُ ما دمتُ شاهداًفكيف إذا ما غِبتُ من بيتها شَهرَا
أما قوله: " وكم من كريم " البيت، فإليه نظر أبو تمام في قوله:
لم تطلُعِ الشَّمسُ منهم يومَ ذاك علىبانٍ بأهلٍ ولم تغربْ على عَزَبِ
إلاَّ أن بيت أبي تمام أجود بناءً ورصفاً. وأمَّا ذكره النساء بما ذكر فلا نعلم أنَّ أحداً ذكرهن بأحسن من ذلك ولا أجود. ويقال إنَّ عبد الملك ابن مروان سابق بين ابنَيه، مسلمة والوليد، وكانت أُم مسلمة أُم ولد وأُم الوليد عبسيَّة، فسبق الوليد مسلمة فقال رجلٌ من أخوال الوليد من بني عبس: أحسن. والله يا أمير المؤمنين الَّذي يقول:
نهيتُكم أن تحملوا هُجناءَكمعلى خيلكم يوم الرِّهان فتُدرَكوا
وما يستوي المرءان هذا ابن حُرَّةوهذا ابن أُخرى طُهرها متشرَّكُ
فتصطكُّ فخذاه ويرعش كفُّهويلقى على الأعواد لا يتحرَّكُ
وأدركْنَه جدَّاتُه فخَلَجْنَهأَلا إنَّ عرق السُّوء لا بدَّ مُدركُ
فأعجب عبد الملك هذا القول لميله إلى الوليد، فقال مسلمة، وسمع الكلام: كذب يا أمير المؤمنين، بل أحسن من هذا وأصوب قول مسكين الدارميّ، وذكر الأبيات التي قدَّمنا ذكرها قبل هذا، فتعجب النَّاس من ذكاء مسلمة في ذلك الوقت وقلَّة دهشه.
وأمَّا أبياته في ذكر قلَّة الغيرة، فقد ردَّ مثلها في موضع آخر من شعره وهو:
أَلا أيُّها الغائر المستَشيطُعلامَ تغارُ إذا لم تُغَرْ
فما خيرُ عِرس إذا خِفتَهاوما خَير بيت إذا لم يُزَرْ
تغارُ على النَّاس أن يَنظرواوهل يفتِنُ الصالحاتِ النظَرْ
فإنِّي سأُخلي لها بيتَهافتحفَظ لي نفسَها أو تَذَرْ
وما نعلم أن أحداً من الشعراء سهَّل ترك الغيرة غير هذا. ونظنّه كأنَّه يقول بالإباحة، وإلاَّ فأيّ شيء دعاه إلى هذا القول الَّذي يأنف منه الأحرار.
ولقد روي أنَّ بعض العلويَّة قال في هوى له:
ولمّا بدا لي أنّها لا تُحبُّنيوليس هواها عن فؤادي بمُنجلي
تمنَّيتُ أن تهوى سِوايَ لعلَّهاإذا عرفَتْ طعم الهوَى أن تَجودَ لي
فجاء رجل يسأل عنه فقال: ما فعل المتديِّثُ في شعره؟ فهذا عيب عليه ما قال في غير زوجته، ونُسب إلى التديُّث بما قال. ولقد عيب على القائل:
أهيمُ بدعدٍ ما حييْتُ فإن أمُتْفوا حزَناً من ذا يَهيمُ بها بَعْدي
فقال له بعض من سمع هذا البيت: وما يهمّكَ ممَّن ينيكها بعدك؟ ولشتَّان بين مسكين الدارميّ في إغفاله تفقد امرأته وتركه الغيرة عليها وبين الَّذي يقول:
إذا كنتَ ذا عِرس تضِنُّ بوصلهافلا تُخرجنْها تبتغي ليلةَ القَدْرِ
ولا تُدخلِ الحمَّامَ عِرسكَ أنَّنيأخاف من الحمَّام قاصمةَ الظَّهْرِ
وإلى هذا أشار أبو عليّ البصير في قوله:
دهَتْك بعلّة الحمَّام خِشُفٌومال بها الطريق إلى سعيدِ
أرى أخبارَ بيتك عنك تخفىفكيف وليتَ أعمالَ البريدِ
وإلى هذا نظر عثمان بن سعدان بقوله:
سألَتْ زوجَها الخروجَ إلى الحَقِّ ويا رُبَّ باطل في الحقوقِ
واستقامتْ على الطريق إليهِ ساعة ثمَّ عرَّجتْ في الطريقِ
لم تخَفْ فتنة الفُتونَ لما فيقلبها من تلهُّب وحريقِ
وأقامت بمأتم اللهو لا مأتم شقِّ الجيوب والتخريقِ
ويروى أن جميل بن معمر كان يقول: ما رأيتُ مصعب بن الزبير يمشي بالبلاط إلاَّ لحقتْني الغيرة على بثينة وهي بالجِناب، وبينهما مسيرة عشر ليال للراكب المجِدّ المُسرع. ويقال إنّه لم يُرَ في الدُّنيا رجلٌ كان أغْيَر من مالك بن طوق. تزوَّج امرأة من بني تغلب فجاء أخوها يزورها فأقام سنة حتَّى وصل إلى من أدّى رسالته إليها.
ولمسكين الدارميّ أيضاً:
أرى كلَّ ريح سوف تسكنُ مرةًوكلَّ سماء لا محالة تُقْلِعُ
وإنِّيَ والأضيافَ في بُردة معاًإذا مات نصفُ الشَّمس والنصف يَنزِعُ
أحدِّثُه إن الحديث من القِرىوتعرفُ نفسي أنّه سوف يَهجعُ
قوله: " وإنِّي والأضياف في بردة معاً " البيت، حسن جدّاً، وذلك أنَّ
البرد في الشتاء أشدّ ما يكون طرفَي النهار، فهو قوله: " إذا مات نصف الشَّمس " أراد آخر النهار وقد غاب نصف الشَّمس وهو الَّذي مات، والنصف الَّذي ينزع هو الَّذي بقي منها، وهذا استعارة في نهاية الحسن والجودة.
وأما قوله: " أحدّثه إن الحديث من القرى " جيد حسن، وتمام الكرم عندهم مضاحكة الضيف ومحادثته وطلاقة الوجه. ومن أمثالهم: إنّ الحديثَ من القِرى طرفٌ. وقال الآخر:
أُضاحكُ ضيفي قبلَ إنزال رحلِهويُخصِبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وما الخِصبُ للأضياف أن يكثُر القِرىولكنَّما وجهُ الكريم خَصيبُ
وله أيضاً:
ناري ونارُ الجار واحدةوإليه قَبلي تُنزَل القِدْرُ
ما ضرَّ جاراً لي أُجاورُهأن لا يكون لبابِه سِتْرُ
أعمى إذا ما جارتي ظهرَتْحتَّى يُغيِّبَ جارتي الخِدْرُ
ذكر بعض الرواة أن امرأة مسكين خاصَمتْه ونسبَتْه إلى البخل، فقيل لها: أليس هو القائل:
ناري ونار الجار واحدةوإليه قبلي تُنزل القِدرُ
قالت: صدقَ، النار والقدر لجاره، وإليه تُنزل قبله لأنه صاحبُها؛ وهو أيضاً لا يشعل ناراً مخافة أن يراها ضيفٌ فيأتيَها، فعجب كلّ من حضر لتأتِّيها وحسن جوابها.
وله أيضاً:
إنِّي لأغلاهُمُ باللَّحمِ قد علموانِيّاً وأرخَصُهم لحماً إذا نَضِجا
لا تجعلنّي كأقوامٍ علمتهملم يظلموا لبَّةً يوماً ولا ودَجَا
ولا أُري صاحبي هجرانَ زوجتهولا أُحدِّثُها السوآتِ إن خرجَا
أُديمُ ودِّي لمن دامتْ مودِّتهُوأمزُج الودّ أحياناً لمن مزجَا
يا رُبَّ أمرَين قد فرَّقتُ بينهمامن بعد ما اشتبها في الصَّدر واعْتلَجا
وأقطعُ الخرقَ بالخَرقاءِ لاهيَةإذا الكواكبُ كانت للدُّجى سُرُجا
قوله: " إنِّي لأغلاهم باللحم " البيت، معنى مليح دقيق، وهو أنَّه لا يُطمع في إبله ولا غنمه لعزَّته، فإذا ذبح وطبخ أرخَص، أي أطعم الضيوفَ وغيرهم. ومثل هذا قول شبيب بن البرصاء:
وإنِّي لأُغلي اللَّحم نِيّاً وأنَّنيلممَّن يُهينُ اللَّحم وهْوَ نَضيجُ
والمعنى يحتمل وجهاً آخر، وهو أن أُغلي اللحم عند الشراء، فإذا طبخته أرخصته واخترتُ هذا المعنى من قول أبي نواس:
أُغالي بها حتَّى إذا ما ملكتُهاأَهنتُ لإكرامِ الخليل مَصونَها
ومثله أيضاً:
إنَّ بَذْلي لها لبذلُ جوادواقتنائي لها اقتناءُ شحيحِ
وقريب من هذا المعنى قول الآخر:
يا عين جودي بدمعٍ لا نفاد لهوابْكي فتى الجود والهَيجاء مسروقا
مَن لا يخامره جبن ولا بخلٍولا يَبيت لدَيه اللَّحمُ موشوقا
هذا ذكر أنَّ هذا الرَّجُل لا يقدَّد اللَّحم، فيدخره، بل يطبخه طريّاً ويُطعمه للأضياف وغيرهم.
وقوله: " لا تجعلنِّي كأقوام علمتهم " البيت، أراد أنهم لم يذبحوا ناقة وهم ظالمون لها، إذا نُحرت الناقة وهي غير عليلة فهي مظلومة، وكذلك السِّقاء إذا أُخذ زُبده قبل أن يستحكم فهو مظلوم، وكذلك كلّ شيء فعلوه قبل استحكامه فهو عندهم مظلوم، قال الشاعر يهجو رجلاً:
لا يظلِم الوَطْبَ لابن العمِّ يَصبَحُهويظلم العمّ وابن العمّ والخالاَ
وله أيضاً:
فما زال لي مثل الغزال وسابحٌوخطَّارة غبّ السرى من عياليا
أُقاسمهُمُ للمالِ في القُلّ والغنىويدفع عنهنَّ السِّنين احْتِياليا
فهذا لأيَّام الطِّراد وهذهللهوَى وهذي يُسِّرتْ لارتحاليا
وإنِّي لأسْتَحيي أخي أن أرَى لهعليَّ من الحقِّ الَّذي لا يرى لِيَا
قوله: " فهذا لأيَّام الطِّراد " البيت، حسن التقسيم محكم الصنعة. ذكر أن فرسه لأيام الحرب، وجاريته لأيام السلم، وناقته لرَحله. وهذا شبيه بقول رجل سافر عن امرأته، فاشترى جارية وفرساً، وأقام بالبلد الَّذي سافر إليه، فكتبت إليه امرأته تستبطِئُه، فكتب إليها:
أَلا أَقْرِها منِّي السَّلام وقل لهاغنِيتُ وأغْنَتْني الجُمانةُ والوردُ
شديد مناطِ المنكبَين إذا جرىوبَيضاء مِبْهاجٌ يُزيِّنها العِقدُ
فهذا لأَيَّام الطِّراد وهذهلحاجة نفسي حين ينصرف الجندُ
هذا يقرب من شعر مسكين الَّذي قدَّمنا ذكره إلاَّ أنَّه أجود من هذا، لأنَّ مسكيناً ذكر ثلاثة أشياء في بيت واحد، وهذا ذكر شيئين في ثلاثة أبيات فبينهما تفاوت بعيد.
وأما قوله: " وإنِّي لأسْتَحيي أخي " البيت، فهو من أمثال العرب الجياد. وقد روي هذا البيت لجرير. ويروى أيضاً لعبد الله بن معاوية ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵇. وضدّ هذا المعنى قولهم: إذا عزّ أخوك فهُن. وحكى بعضهم أنَّه قرأ على باب النوبهار ببلخ، مكتوب: يقول بعض الحكماء: إذا عزّ أخوك فهُنْ، وتحته مكتوب: كذب العديم لا الحكيم، إذا عزّ أخوك فأَهِنه. ومثل هذا قول ابن المعتز:
ولا إذا عزّ أَخ أَذِلُّ
ومثل الأول قول عبد الصمد بن المعذّل:
إذا عزّ يوماً أخوك في بعض أمر فهُنْ
وقال أيضاً:
وإنِّي لا أحِلُّ ببطن وادولا آوي إلى البيت الصغيرِ
وإنِّي لا أُخاوِصُ عينَ ناريولا أدعو رُعاتي بالصَّفيرِ
قوله: " لا أحلُّ ببطن واد " يقول: بيتي على اليفاع وفيه ينزل الكرماء لإيقاد النيران في الليل من أجل الضيوف؛ وإنَّما ينزل بالأودية البخلاء لتخفَى نيرانهم عن طرّاق الليل.
قوله: " ولا آوي إلى البيت الصغيرِ " يريد أنَّ بيتي في الفخر بيت كبير واسع. ومثله قول النابغة: " يا دار مَيَّةَ بالعلياء "، يقول: إنَّ بيتها في الفخر بيت عالٍ، هذا الَّذي ذُكر من تفسير بيت النابغة لم يقبله أحدٌ من أهل العلم. والَّذي ذكره الأصمعيّ وغيره في تفسيره أنَّه جعله بالعلياء ليكون بمنجاة من السَّيل. وكيف يريد بيت الفخر وهو يقول: " أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ ".
قوله: " وإنِّي لا أُخاوِصُ عينَ ناري " يريد إنِّي لا أجعلُ ناري صغيرة مثل العين الخوصاء وهي الصغيرة، من ذلك قولهم عن ابن عباس أنَّه قال: ما رأيتُ معاوية يخوِّص عينَه في وجه أحد ويقول له: هات يا أخ، إلاَّ رحمةً عِلماً من معاوية أنَّه قد انتهز فرصةً.
وقال الرَّبيع بن أبي الحُقَيق اليهودي:
أبلغ أبا ثابتٍ عنِّي مغلغَلَةًوالجهلُ شرّ قعودٍ كانَ مرتحلا
أنا ابنُ عمّك إن نابتْك نائبةٌولستُ منك إذا ما كعبُك اعْتدَلا
وقال أيضاً:
لسنا إذا جارتْ دواعي الهوَىنحكمُ حكمَ الجائرِ المائلِ
واصْطَرَعَ القومُ بألبابِهموأَنصتَ السَّامعُ للقائلِ
لا نجعلُ الباطلَ حقّاً ولانَلِط دون الحقِّ بالباطلِ
وقال أيضاً:
إذا ماتَ منَّا سيِّدٌ قام بعدهله خلَفٌ بادي السِّيادةِ بارعُ
من أبنائنا والغصن ينضُر فرعُهُعلى أصله والعِرق للمرءِ نازعُ
وإنَّا لتغشانا الجدوبُ فما نُرَىتُقَرِّبُنا للمُدنياتِ المطامعُ
وقال أيضاً:
ومن يكُ عاقلاً لم يلقَ بُؤساًيُنِخْ يوماً بِساحته القَضاءُ
تُعاورهُ بناتُ الدَّهرِ حتَّىتُثلِّمه كما ثلمَ الإناءُ
وكلُّ شديدة نزلتْ بحيٍّسيأتي بعد شِدَّتها رخاءُ
فقل للمتَّقي غرضَ المناياتوقَّ وليس ينفعكَ اتِّقاءُ
فما يُعطَى الحريصُ غِنًى بحرصوقد يَنمِي لدى الجود الثَّراءُ
يُريد المرءُ أن يلقَى نعيماًويأبَى الله إلاَّ ما يشاءُ
وقال مهرب الغامديّ بل هي لنهشل بن حري:
أرى الدَّهر لا يرعَى على أهل ثروةخؤوناً ويبدأ أهلَه بعقُوقِ
فمن يكُ نَصباً للمنون وريبهايكن بحِمام الموت غير سبوقِ
وكم قد رأينا من مُلوك وسُوقةوعيش لذيذ للعيون أنيقِ
مضى فكأن لم يغن بالأمس أهلهوكلُّ جديد صائر لخُلوقِ
وقال الحارث بن عوف الغامديّ:
فإن أكبرْ فإنِّي في لِدَاتيوعاقبةُ الأصاغِرِ أن يَشيبوا
وما كبرتُ فائدتي بغَدْرٍكفاني في الفوائد ما يطيبُ
أبَى لي ذاكمُ خالي وعمِّيوفضلُ المال والصَّدرُ الرحيبُ
قوله: " فإن أكبرْ فإنِّي في لِدَاتي " في نهاية التعزِّي والتسلِّي عن الشباب. يريد: إنِّي ما أُصبت بالشيب وحدي فأغتمّ، ولكن قد أُصبت مع غيري، فهذا يُسلِّي عنِّي. ومثل هذا ما أنشدنا ابن دريد لبعض الأعراب:
أَنحن ذمَمْناها أم النَّاس كلّهمسُقُوا شِرْبَهم منها برَنْقٍ مُكدَّرِ
وقد يجزَع الإنسانُ يُنكبُ وحدهوإن تكُن البلوى مع النَّاس يصبِرِ
وقال فراص الغامديّ:
ويَوم كأنَّ المصطلين بحرّهوإن لم يكن جمرٌ قيامٌ على الجمرِ
صبَرنا له حتَّى يَبُوخ وإنَّماتُفرَّج أيَّام الكريهة بالصبرِ
ومَن عدّ مسعاةً فلا يكذِبنَّهاولا يكُ كالأَعمى يقول ولا يدري
وقال معقر الأزديّ:
أَلا مَن لعَين قد نآها حميمُهاوأَرَّقها بعد المنام همومُها
وباتتْ لها نفسانِ شتَّى هواهمافنفسٌ تعزِّيها ونفسٌ تلومُها
ومُستنبح بعد العشاء دعوتُهُعلى ساعة من سمعة يَستديمُها
دعا دعوةً من بعد أوَّل هجعةمن الليل والظَّلماء خُوصٌ نجومُها
رفعتُ له بالكفِّ ناراً يشبُّهاعلى المجدِ معروفٌ بها ما يَريمُها
وقمتُ إلى البَرْك الهواجد فاتَّقتْمرابيعُ أمثال الجراثيم كومُها
قوله: " وباتت لي نفسان شتى " البيت، مثل قول الآخر:
أَلا إنَّ لي نفسَين نفسٌ تقول ليتمتَّعْ بليلى ما بدا لكَ لينُها
ونفسٌ تقول اسْتَحيِ من طلب الصّباونفسك لا تطرح على مَن يُهينُها
وقال صاحب الأزديّ:
هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ وصباحُهاوإلاَّ طلوعُ الشَّمس ثمَّ رواحُها
وإلاَّ صروفُ الدَّهر بالمرءِ مرَّةذلولاً ومرّا سعيُها ومراحُها
تُقرِّبُ ما ينأى وتُبعدُ ما دناإلى أجَلٍ ُيفضي إليه انشراحُها
ويسعى الفتَى فيها وليس بمُدركٍهواه سوى ما غرَّ نفساً طماحُها
أخذ أبو ذؤيب قوله: " هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ " البيت بأسره فقال:
هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ ونهارُهاوإلاَّ طلوع الشَّمس ثمَّ غِيارُها
وقال عبيد السلاميّ:
وكلُّ قرينٍ ذي قرين يودُّهسيفجَعُهُ يوماً من الدَّهر فاجِعُ
وإنِّي لصرَّامٌ ولم يخلقِ الهوَىجميلٌ فراقي حين تبدو الشَّرائِعُ
وإنِّي لأستَبْقي إذا العسرُ مسَّنيبشاشة وجهي حين تبلَى المنافِعُ
مخافةَ أن أقلَى إذا جئتُ سائلاًويرجعَني نحو الرِّجال المطامِعُ
وأعرضُ عن أشياء لو شئتُ نلتُهاحياءً إذا ما كانَ فيها مقادِعُ
ولا أدفَع ابنَ العمّ يمشي على شَفاًولو بلغَتْني من أذاهُ الجنادِعُ
ولكن أُواسيهِ وأنسَى ذنوبَهلترجِعَه يوماً إليَّ الرَّواجِعُ
وحسبُك من ذُل وسوء صنيعةٍمعاداةُ ذي القُربى ولو قيل قاطِعُ
فأَلْبس ثراكَ الأهلَ تسلمْ صدورُهمفلا بدَّ يوماً أن يروعَك رائِعُ
فتبلُوَ ما أسلفتَ حتَّى تردَّهإليك الجوازي وافراً والصنائِعُ
فإن تكُ تعفُو يُعفَ عنك وإن تكنتُقارعُ بالأخرى تُصبْكَ القوارِعُ
وقال عبد الله بن ثعلبة الأزديّ:
إنِّي إذا نادَى المنادي ليلةًإحدى ليالي الدَّهر لم أتعللِ
أسعَى إليه ولا يراني قاعداًبين القعودِ مع النِّساءِ الغزَّلِ
فلعلَّ ما أُدعى لما أنا فاعلٌولمَ الحياةُ إذا امرؤ لم يفعلِ
وقال قتادة بن طارق الأزديّ:
فإنْ أنأَ أو أقربْ فإنِّي لحافظٍلحقِّ ابن عمِّي حين يضعُف ناصرُهْ
ولا أتصدَّى للملوك ولا يُرَىعدوّ ابن عمِّي لي رفيقاً أُسايرُهْ
وواللهِ لا أُعطَى يداً عن مذلَّةأذَلُّ بها ما يمَّمَ البيت سائرُهْ
وقال شراحيل بن قيس بن جعال:
أليسَ أحقَّ النَّاسِ أن يدعَ الصّباوينهَى عن الجهل الكريمُ المُجرّبُ
من الأوَّلين عالج الفقرَ والغنَىوكلَّ ضُروعِ الدَّهر ما زال يحلبُ
وقال غيره:
أهنيد إنَّ الموتَ مدركُ من مشَىما إنْ له منجاً ولا متأخَّرُ
ولقد رأيتُ من الحوادث عبرةًوالدَّهر ذو عِبَرٍ لمن يتدبَّرُ
ولا تَخشعي للنائبات وسلّمِيإنَّ الزَّمان بأهله يتغيَّرُ
وقال الوليد بن عريض بن جبلة الكنديّ:
وكلُّ فتى وإنْ كره المناياسيَحدوه إلى المكروه حادي
إذا ما المجدُ ضلَّ ديارَ قومهداهُ لكِندة الأخيار هادي
ترى للمجد وسطَهم بيوتاًطِوالا غير واهية العمادِ
وقال شريك بن أبي الأعقل التجيبيّ:
ومستعجِل والمكثُ أدنى لرشدِهولم يدْرِ في اسْتعجاله ما يُبادرْ
تُهيِّبكَ الأسفارَ من خشية الرَّدَىوكائنْ رأينا من ردٍ لا يسافِرُ
ولو كان يبدو مقبل الأمر للفتىكمُدبره ألفَيتَه لا يدامِرُ
هذا أوّل من أتى بهذا المعنى وهو قوله: " تهيِّبك الأسفار " البيت، وقد أكثرت الشعراء بعده فيه. فمن جيد ذلك قول الشاعر:
تقول سُليمى لو أقمتَ لسرَّناولمْ تدْرِ أنّي للمَقام أُطوِّفُ
لعلَّ الَّذي خوَّفْتِنا من ورائنايُصادفهُ من بعدنا المتخلِّفُ
ومثله:
وخافَت على التَطواف فَوتي وإنَّماتُصابُ غِرارُ الوحش وهي رُتوعُ
وهذا البيت في نهاية الجودة، وهو للمحدثين. والقول في هذا المعنى كثيرٌ جدّاً، ومن سبيلنا الاختصار، لا سيما ما كان مشهوراً في أيدي النَّاس.
وقوله " ولو كان يبدو مقبل الأمر للفتى " البيت، جيد صحيح، وأخذه ابن الرومي فقال:
ألا من يُريني غايتي قبلَ مذهبيومن أينَ والغايات بعد المذاهبِ
وهذا المعنى كثير جدّاً. وقال ابن غزالة:
لا يُؤثلُ الدَّهر من صرف الرَّدَى أحداًوالموت إن أكُ منه هارباً لحِقا
وكلّ باكٍ سيُبكَى ليس منفلِتاًمن المنيَّة إمعاناً ولا شفقَا
كذلك الدَّهر لا يرعَى على أحدوالمرءُ رهنٌ لريب الدَّهر مذ خُلِقا
وقال آكل المُرَار:
رُبَّ همٍّ جَشَمتُه في هواكُموبَعيرٍ تركتُهُ محسورِ
وغُلام كلفتُه دَلج اللَّيلِ فأضحَى يَميد كالمخمورِ
إنَّ من غرَّه النساءُ بشيءبعد هندٍ لجاهلٌ مغرورُ
حلوة العين واللسان ومُرُّ كلّ شيء يُجِنّ منها الضميرُ
وقال الحارث بن مريم الوادِعيّ:
فما نفخ روض ذي أقاح وحَنوةوذي ورَقٍ من قُلَّةِ الحَزنِ عازبِ
ولا ريح فَغْوٍ أو خُزامَى وحَنوةأَرشَّتْ عليه سارياتُ السَّحائبِ
بأَطيبَ من فيها إذا ما تقلَّبتْمع اللَّيل وَسْنَى جانباً بعد جانبِ
وقال أيضاً:
إذا انكشفَتْ عنها عجاجةُ مَعركٍلحين تعَاديها بدت حولها شقرا
وكنَّا إذا ما اسْتمطرونا لحادثٍرعَدْنا فأمطَرنا مثقّفةً سُمرا
نجودُ بها في كلِّ قسر كريهةلأعدائنا حتَّى يلينوا لنا قسرا
وقال الحشيش بن عبد الله الوادِعيّ:
إنِّي إذا ما خفتم ورغِبْتُمفأنا الحبيبُ لديكُم والمصطفَى
عجباً عجبتُ لمن يدنِّسُ عِرضَهويصون حلّتَه ويحميها الأذَى
الثوب يبلَى ثمَّ يُشرَى غيرُهوالعِرضُ بعد هلاكه لا يُشترَى
ابن الرقاع العامليّ:
لا خيرَ في الخَبِّ لا تُرجَى فواضلُهفاسْتَمطِروا من قريش كلَّ منخدِعِ
تخالُ فيه إذا حاولتَهُ بلَهاًعن ماله وهْوَ وافي العقلِ والورعِ
ولبعض الشعراء في يزيد بن المهلّب لمَّا انهزم عنه النَّاس يوم العَقر، وقد بايعوه على الموت:
كلّ القبائل بايعوك على الَّذيتدعو إليه طائعينَ وسارُوا
حتَّى إذا حمِيَ الوغَى وجعلتَهمنصْبَ الأسنَّةِ أسْلموك وطارُوا
إنْ يقتلوك فإنَّ قتلكَ لم يكنعاراً عليك ورُبَّ قتلٍ عارُ
ابن الدمينة:
أيا ربّ أدعوك العشيَّةَ مخلِصاًلتعفُوَ عن نفس كثيرٍ ذنوبُها
قضيتَ لها بالبخل ثمَّ ابتَلَيْتهابحبِّ الغواني ثمَّ أنت حسيبُها
خليليَّ ما من حَوبة تَرَيانهابجسميَ إلاَّ أُمّ عمرو طبيبُها
أهُمُّ بجذِّ الحبلِ ثمَّ يردُّنيتذكُّرُ ريَّا أُمّ عمرو وطيبُها
وبردُ ثناياها إذا ما تغوَّرتْنجوم يشفّ الواجدين غيوبُها
وقد زعموا أنَّ الرياحَ إذا جرتْيمانيَّةً يشفِي المحبّ دبيبُها
وقد كذبوا لا بل يزيد صبابةًإذا كانَ من نحو الحبيب هبوبُها
فيا حبَّذا الأعراض طاب مقيلهاإذا مسَّها قَطْر وهبَّت جنوبُها
أما قوله: " قضيت لها بالبخل " البيت، فإليه نظر القائل:
أَيا ربّ تخلُقُ ما تخلُقُوتنهَى عبادَك أنْ يَعشَقوا
وأحسن منه قول الحسن المشرك الموصلي في هذا المعنى، وبه لقِّب المشرك:
أَيا ربّ تخلُق أقمارَ ليلٍوقضبانَ بانٍ وكثبان رملِ
وخشفان إنسٍ تصيدُ القلوبَبألفاظِ سحرٍ وألحاظ قتلِ
وتُبدِع في كلِّ خدٍّ بورْدٍوفي كلِّ قدٍّ بشَكْل ودَلِّ
وتنهَى عبادَك أن يعشَقوافيا حاكمَ الحُكمِ إذا حُكْمُ عدلِ
وقوله: " وقد زعموا أنَّ الرياح إذا جرت " البيت، والبيت الَّذي يليه ضد ما ذكره كثير من الشعراء لأن بعضهم يقول:
إذا الريح من أرض الحجاز تنسَّمتوجدتُ لمَسراها على كبدي بَرْدا
على كبدٍ قد كاد يُبدي بها الهوَىصدوعاً وبعض القوم يَحسبني جَلْدا
وقال آخر:
إذا هبَّت الأرواح من نحو جانببه آل مَيٍّ هاج وَجدي هبوبُها
قريبة عهد بالحبيب وإنَّماهوى كل نفس حيث كان حبيبُها
قيل: قوله يشبه قولَ المجنون:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجتِ من نَجدلقد زادني مسراكِ وجْداً على وجْدِ
وهذان المعنيان في أشعارهم كثير جدّاً.
وقال ذو الرمّة:
أما والَّذي حجَّ الملبُّون بيتَهسِراعاً ومولَى كلّ باقٍ وهالكِ
وربِّ القِلاصِ الأُدْم تَدمى أُنوفهابنخلَةَ والساعين حول المناسكِ
لئن قطعَ اليأس الحنينَ فإنّهرَقوءٌ لتَذْراف الدُّموع السوافكِ
لقد كنتَ أهوى الأرضَ ما يستفزُّنيلها الوجدُ إلاَّ أنّها من دياركِ
أحبُّك حُبّاً خالطَتْه نصيحةٌوإنْ كنتِ إحدى اللاوِيات المواعِكِ
أَلا من لقلب لا يزال كأنَّهمن الوجدِ شكَّته صدورُ النَّيازِكِ
وللعَين ما تنفكُّ تَجري شؤونُهاعلى إثْرِ حادٍ حين حادرت سالكِ
الصلمّان العبديّ:
قالتْ أُمامةُ ما تَبقَى دراهِمُناوما بنا سرَفٌ فيها ولا خُرُقُ
إنَّا إذا اجتمعتْ يوماً دراهمُناظلَّتْ إلى طرُق الخَيرات تستبقُ
فلا تخافي علينا الفَقر وانتظرِيسَيبَ الَّذي بالغنى من عنده نثِقُ
إنْ يفْنَ ما عندنا فالله يرزقُناومَن سِوانا ولسْنا نحن نرتزقُ
حُطايط اليربوعيّ:
أرِيني جواداً ماتَ هُزْلاً لعلَّنيأرى ما تَرَينَ أو بخيلاً مُخلَّدا
ذرِيني يكن مالي لعِرضي جُنَّةيقي المالُ عِرضي قبلَ أن يتبدَّدا
ذرِيني أكُنْ للمالِ ربّاً ولا يكنليَ المالُ ربّاً تَحمَدِي غِبَّه غدا
بعض الأعراب:
أَلا أَبلغْ لئيم بني نُمَيربأنَّ الريحَ أكرمُ منك جارا
تُغذِّينا إذا هبَّتْ شمالاًوتملأُ عينَ حافِظكُم غُبارا
هذا الشاعر يذكر أنَّ رجلاً من بني نمير كانت له نخل قد أقام لها حافظاً يمنع أن يتناول أحدٌ منها شيئاً، وكانت الشمال إذا هبَّت نفضت الرطب، فالتقطه هذا الشاعر، لأنَّ الريح تشغل الحافظ عن الحفظ وتغضّ من بصره.
أبو الجويرية العبديّ، يرثي من قُتل بالعقر من آل المهلّب:
نساء بكتْ آل المهلّب حُسَّراتوالَت عليهنَّ المصائب والثكلُ
يطاوعن من أوصى وأوجف في البكاوإن قيل مهْلاً قيل ما بعدهم مهلُ
وآلَينَ لا يُبقينَ وجْهاً لحُرَّةعن اللطم حتَّى تمَّحي الحَدَق النُّجلُ
يُشَقِّقْنَ عنهنَّ الجيوبَ كآبةًولهفاً على أُسدٍ أُتيح لها القتلُ
إذا شبَّ شَغبٌ أو تشاجرَ منطقٌفعندهم فيه الحكومةُ والفصلُ
مَعاطِيّ يستسْقِي الفقيرُ بسَيْبهمكأنَّ أديمَ الأرض بعدهم محلُ
جِذْل الطعان:
فمن برِئتْ جريرتُكم إليهفإنِّي من جريرتكم سقيمُ
ظلمتُم فاصْبروا للشرّ إنَّاسنصبرْ إنّه الحسبُ الكريمُ
وشرُّ الجازعين إذا أُضيعَتْقوادمُ ريشه الفزِعُ الظَلومُ
وكنّا قاعدين أقَمتموناعلى حسد فقد قُمنا فقوموا
ومن لا رغمكم فيه فإنِّيبرُغمكمُ وحربكمُ زعيمُ
أعرابيّ من بني أسد:
يا قبر بين بيوت آل محرِّقجادت عليك رواعِدٌ وبُروقُ
هل تنفعنّك دمنة مرعيةٌفيها أداء أمانة وحُقوق
ذهبتْ بك الأيامُ عنّا بعدماكادتْ بك الأرضُ الفضاءُ تضيقُ
حتَّى السماء فكنت قربَ نجومهاولئن بلغتَ نجومَها لحقيقُ
الجراح بن عبد الله بن جوشن الغطفاني، وقتلت بنو سليم أباه وعرضوا عليه الديّة، فأباها ثمَّ قتل قاتل أبيه وقال:
شفَيتُ أُواراً من غليل وجدتُهعلى القلب منه مُستسِرّ وظاهِرُ
ألا ليت قبراً بين داراتِ مُطرقٍيُحدِّثُه عنّي الأحاديث جابِرُ
وقالوا بَديل من أبيك وتتَّديفقلتُ كريمٌ لم تلِدني الأباعِرُ
ألم ترَ أنّ المالَ يُذهبُ دَثْرَهتغيُّر أحوال وتبقى معائرُ
وقال يحرِّض ابنَي أخيه وقد قُتل أبوهما أخوه:
رأيتُكما يا بنَي أخي قد سَمِنتُماولا يدركُ الآثارَ إلاَّ الملوَّح
وأمُّكما قد أصبحتْ وهيَ أيِّمتخيَّر في خطّابها أين تَنكِح
جَحش بن نُصَيب، أحد بني عبد الله بن غطفان:
ويوم بوادي اليعمرِيَّة لم نزَلْعلى الماءِ حتَّى أسْلمَ الماء غامرُه
وقرن تركتُ الطيرَ تَحجلُ حولهتحرَّكُ رِجْلاه وقد مات سائرُه
تركتُ يزيدَ يحفز الموتُ روحَهانثُّ عليه الغدرَ والرمحُ شاجرُه
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع