من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب سوء الخلق وسوء الجوار والسّباب والشرّ
حدّثني زياد بن يحيى قال: حدّثنا أبو داود عن صدقة بن موسى عن مالك بن دينار عن عبد الله بن غالب عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن سوء الخلق والبخل».
قال: وحدّثني أحمد بن الخليل عن أزهر بن جميل عن إسماعيل بن حكيم عن الفضل بن عيسى عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قيل: يا رسول الله ما الشؤم؟ قال: «سوء الخلق».
قال: وحدّثني أبو الخطّاب قال: حدّثنا بشر بن المفضّل قال: حدّثنا يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: المستبّان ما قالا فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم».
قال: وحدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: حدّثني شيخ بمنى قال: صحب أيوب رجل في طريق مكة فآذاه الرجل بسوء خلقه؛ فقال أيوب:
إنّي لأرحمه لسوء خلقه.
قال: وحدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ قال: قال أبو الأسود: لو أطعنا المساكين في أموالنا كنّا أسوأ حالا منهم. وأوصى بنيه فقال: لا تجاودوا الله فإنه أمجد وأجود، ولو شاء أن يوسّع على الناس كلّهم حتى لا يكون محتاج لفعل، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسّع فتهلكوا هزلا. قال: وسمع رجلا يقول: من يعشّي الجائع؟ فقال: عليّ به، فعشاه ثم ذهب ليخرج؛ فقال: أين تريد؟؛ قال: أريد أهلي؛ قال: هيهات، عليّ ألّا تؤذي المسلمين
اللّيلة، ووضع في رجله الأدهم حتى أصبح. قال: وأكل أعرابيّ معه تمرا فسقطت من يد الأعرابيّ تمرة فأخذها وقال: لا أدعها للشيطان؛ فقال أبو الأسود: لا والله ولا لجبريل. نظر ابن الزبير يوما إلى رجل وقد دقّ في صدور أهل الشام ثلاثة أرماح فقال: اعتزل حربنا فإنّ بيت المال لا يقوم لهذا، وذكر أبو عبيدة أنه كان يأكل في كلّ سبعة أيام أكلة ويقول في خطبته: إنما بطني شبر في شبر وما عسى أن يكفيني. وقال أبو وجزة مولى آل الزبير:
لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقدأفضلت فضلا كثيرا للمساكين
فإن تصبك من الأيّام جائحةلانبك منك على دنيا ولا دين
وفيها يقول:
ما زلت في سورة الأعراف تدرسهاحتّى فؤادك مثل الحزّ في اللّين
وفيها يقول:
إنّ امرأ كنت مولاه فضيّعنييرجو الفلاح لعندي حقّ مغبون
وفيه يقول آخر:
رأيت أبا بكر- وربّك غالبعلى أمره- يبغي الخلافة بالتّمر
هذا حين قال: أكلتم تمري وعصيتم أمري. وقال بعض الشعراء:
من دون سيبك لون ليل مظلموحفيف نافجة وكلب موسد
وأخوك محتمل عليك ضغينةومسيف قومك لائم لا يحمد
والضّيف عندك مثل أسود سالخلا بل أحبهّما إليك الأسود
ومدح أعرابيّ سعيد بن سلم فقال:
أيا ساريا باللّيل لا تخش ضلّةسعيد بن سلم ضوء كلّ بلاد
لنا سيّد أربى على كلّ سيّدجواد حثا في وجه كلّ جواد
فلم يعطه شيئا، فقال يهجوه:
لكلّ أخي مدح ثواب يعدّهوليس لمدح الباهليّ ثواب
مدحت ابن سلم والمديح مهزّةفكان كصفوان عليه تراب
وقال فيهم الممزّق الحضرميّ:
إذا ولدت حليلة باهليّغلاما زيد في عدد اللّئام
وعرض الباهليّ وإن توقّىعليه مثل منديل الطّعام
ولو كان الخليفة باهليّالقصّر عن مساماة الكرام
ودخل قدامة بن جعدة على قتيبة بن مسلم فقال: أصلح الله الأمير، بالباب ألأم العرب؛ قال: ومن ذاك؟ قال: سلوليّ رسول محاربيّ إلى باهليّ؛ فضحك قتيبة. وقال آخر
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهمواستوثقوا من رتاج الباب والدّار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهمولا تكفّ يد عن حرمة الجار
وقال عمر بن عبد العزيز الطائيّ من أهل حمص:
سمت المديح رجالا دون قدرهمصدّ قبيح ولفظ ليس بالحسن
فلم أفز منهمو إلا بما حملترجل البعوضة من فخّارة اللّبن
وقال آخر:
ألام وأعطي والبخيل مجاوريإلى جنب بيتي لا يلام ولا يعطي
ونحو هذا قولهم: منع الجميع أرضى للجميع. وقال بشّار:
أعطى البخيل فما انتفعت بهوكذاك من يعطيك من كدره
قيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق فإنّ مالك عريض؟ قال: الدهر أعرض منه: قيل له: كأنك تأمل أن تعيش الدهر كلّه؟ قال: ولا أخاف أن أموت في أوّله.
قال الجاحظ: قلت مرّة للحزاميّ: قد رضيت بقول الناس: عبد الله بخيل؛ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم؛ قلت: كيف؟ قال: لأنه لا يقال فلان بخيلا إلا وهو ذو مال، فسلّم لي المال وادعني بأيّ اسم شئت؛ قلت: ولا يقال سخيّ إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد وجمع هذا الاسم المال والذمّ؛ قال: بينهما فرق؛ قلت: هاته: قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، وفي قولهم: سخيّ إخبار عن خروج المال عن ملكه، واسم البخل اسم فيه حزم وذمّ، واسم السخاء اسم فيه تضييع وحمد، والمال راهن نافع ومكرم لأهله معزّ، والحمد ريح وسخرية واستماعه ضعف وفسولة، وما أقلّ، والله، غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري جلده وضاع عياله وشمت عدوّه! وكان محمد بن الجهم يقول: من شأن من استغنى عنك ألّا يقيم عليك، ومن احتاج إليك ألّا يذهب عنك، فمن ضنّ بصديقه وأحبّ الاستكثار منه وأحب التمتع به احتال في دوام رغبته بأن يقيم له ما يقوته ويمنعه ما يغنيه عنه، فإنّ من الزهد فيه أن تغنيه عنك ومن الرغبة فيه أن تحوجه إليك؛ وإبقاؤك مع الضنّ به أكرم من إغنائك له مع الزهد فيه؛ وقيل في مثل: «أجع كلبك يتبعك». فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر وقطع أسبابه من الشكر؛ والمعين على الغدر شريك الغادر، كما أن مزيّن الفجور شريك الفاجر. قال: وأوصى عند موته وقال في وصيّته: يزعمون أن رسول الله ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثير»؛ وأنا أزعم أن ثلث الثلث كثير، والمساكين حقوقهم في بيت المال، إن طلبوا طلب الرجال أخذوه، وإن جلسوا جلوس النساء
منعوه، فلا يرغم الله إلا أنفهم ولا يرحم الله من يرحمهم.
تقدّم رجلان من قريش إلى سوّار أحدهما ينازع مولى له في حدّ أرض أقطعها أبوه مولاه؛ فقال سوّار: أتنازع مولاك في حدّ أرض أقطعها أبوك إياه!؛ فقال: الشّحيح أعذر من الظالم؛ فرفع سوّار يده ثم قال: اللهمّ اردد على قريش أخطارها.
وقال الخزرجيّ:
إنّ جود المكّيّ جود حجازيي وجود الحجاز فيه اقتصاد
كيف ترجو النوال من كفّ معطقد غذته الأقراص والأمداد
نظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال: في شقّ «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وفي وجه آخر «الله لا إله إلا هو الحيّ القيّوم»، ما ينبغي أن يكون هذا إلا معاذة وقذفه في الصّندوق. أنشدنا عبد الرحمن بن هانىء صاحب الأخفش عن الأخفش للخليل:
كفّاه لم تخلقا للنّدىولم يك بخلهما بدعه
فكفّ عن الخير مقبوضةكما نقصت مائة تسعه
وكفّ ثلاثة آلافهاوتسعمئيها لها شرعه
قل أبو عليّ الضرير:
لعمر أبيك ما نسب المعلّىإلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكنّ البلاد إذا اقشعرّتوصوّح نبتها رعي الهشيم
وقال آخر:
أمن خوف فقر، تعجّلتهوأخّرت إنفاق ما تجمع
فصرت الفقير وأنت الغنيّوهل كنت تعدو الذي تصنع؟
خوّف رجل رجلا جوادا الفقر وأمره بالإبقاء على نفسه؛ فكتب إليه: إني أكره أن أترك أمرا قد وقع، لأمر لعله لا يقع. وقال أبو الشّمقمق:
رأيت الخبز عزّ لديك حتىحسبت الخبز في جوّ السّحاب
وما روّحتنا لتذبّ عنّاولكن خفت مزرئة الذّباب
وقال دعبل:
صدّق أليّته إذ قال مجتهدالا والرغيف، فذاك البرّ من قسمه!
قد كان يعجبني لو أنّ غيرتهعلى جراذقه كانت على حرمه
فإن هممت به فافتك بخبزتهفإنّ موقعها من لحمه ودمه
وقال الشاعر:
أرفق بحفص حين تأكل يا معاوي من طعامه
الموت أيسر عندهمن مضغ ضيف والتقامه
وتراه من خوف النزيل به يروّع في منامه
سيّان كسر رغيفهأو كسر عظم من عظامه
لا تكسرنّ رغيفهإن كنت ترغب في كلامه
وإذا مررت ببابهفاحفظ رغيفك من غلامه
وقال أبو نواس:
خبز إسماعيل كالوشي إذا ما انشقّ يرفا
عجبا من أثر الصّنععة فيه! كيف يخفى؟
إنّ رفّاءك هذاأحذق الأمّة كفّا
فإذا قابل بالنّصف من الجردق نصفا
أحكم الصّنعة حتّىلا ترى موضع إشفى
مثل ما جاء من التّننور ما غادر حرفا
وله في الماء أيضاعمل أبدع ظرفا
مزجه العذب بماء البئر كي يزداد ضعفا
فهو لا يشرب منهمثل ما يشرب صرفا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع