تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب العشّاق سوى عشّاق الشعراء

محمد بن قيس الأسديّ قال: وجّهني عامل المدينة إلى يزيد بن عبد

الملك وهو خليفة فخرجت، فلما قربت المدينة بليلتين أو ثلاث وإذا أنا بامرأة قاعدة على قارعة الطريق، وإذا رجل رأسه في حجرها كلّما سقط رأسه أسندته، فسلّمت فردّت ولم يردّ الشاب؛ ثم تأمّلتني فقالت: يا فتى، هل لك في أجر لا مرزئة فيه؟ قلت: سبحان الله! وما أحبّ الأجر إليّ وإن رزئت فيه!. فقالت: هذا ابني، وكان إلفا لابنة عمّ له تربّيا جميعا، ثم حجبت عنه، فكان يأتي الموضع والخباء، ثم خطبها إلى أبيها فأبى عليه أو يزوّجها؛ ونحن نرى عيبا أن تزوّج المرأة من رجل كان بها مغرما، وقد خطبها ابن عمّ لها وقد زوّجت منذ ثلاث، فهو على ما ترى لا يأكل ولا يشرب ولا يعقل، فلو نزلت إليه فوعظته! فنزلت إليه فوعظته؛ فأقبل عليّ وقال:

ألا ما للحبيبة لا تعودأبخل بالحبية أم صدود
مرضت فعادني قومي جميعافما لك لم تري فيمن يعود
فقدت حبيبتي فبليت وجداوفقد الإلف يا سكني شديد
وما استبطأت غيرك فاعلميهوحولي من بني عمّي عديد
فلو كنت السّقيمة جئت أسعىإليك ولم ينهنهني الوعيد

قال: ثم سكن عند آخر كلمته؛ فقالت العجوز: فاضت والله نفسه ثلاثا! فدخلني أمر لا يعلمه إلّا الله، فاغتممت وخفت موته لكلامي. فلما رأت العجوز ما بي قالت: هوّن عليك! مات بأجله واستراح ممّا كان فيه، وقدم على ربّ كريم؛ فهل لك في استكمال الأجر؟ هذه أبياتي منك غير بعيدة، تأتيهم فتنهاه إليهم وتسألهم حضورهم؛ فركبت فأتيت أبياتا منها على

قدر ميل، فنعيته إليهم وقد حفظت الشعر، فجعل الرجل يسترجع. فبينما أنا أدور إذا امرأة قد خرجت من خبائها تجرّ رداءها ناشرة شعرها، فقالت: أيّها الناعي، بفيك الكثكث، بفيك الحجر! من تنعى؟ قلت: فلان بن فلان.

فقالت: بالذي أرسل محمدا واصطفاه، هل مات؟ قلت: نعم؛ قالت: فماذا الذي قال قبل موته؟ فأنشدتها الشعر، فو الله ما تنهنهت أن قالت:

عداني أن أزورك يا حبيبيمعاشر كلّهم واش حسود
أشاعوا ما سمعت من الدّواهيوعابونا وما فيهم رشيد
وأمّا إذ ثويت اليوم لحدافدور الناس كلّهم لحود
فلا طابت لي الدنيا فواقاولا لهم ولا أثرى العبيد

ثم مضت معي ومع القوم تولول حتى انتهينا إليه، فغسّلناه وكفّنّاه وصلّينا عليه، فأكبّت على قبره؛ وخرجت لطيّتي حتى أتيت يزيد بن عبد الملك، وأوصلت إليه الكتاب؛ فسألني عن أمور الناس، قال: هل رأيت في طريقك شيئا؟ قلت: نعم، رأيت والله عجبا، وحدّثته الحديث؛ فاستوى جالسا، ثم قال: لله أنت يا محمد بن قيس! امض الساعة قبل أن تعرف جواب ما قدمت له، حتّى تمرّ بأهل الفتى وبني عمّه، وتمرّ بهم إلى عامل المدينة، وتأمره أن يثبتهم في شرف العطاء، وإن كان أصابها ما أصابه، فافعل ببني عمّها ما

فعلت ببني عمه، ثم ارجع إليّ حتى تخبرني بالخبر، وتأخذ جواب ما قدمت له. فمررت بموضع القبر، فرأيت إلى جانبه قبرا آخر، فسألت عنه فقيل: قبر المرأة، أكبّت على قبره، ولم تذق طعاما ولا شرابا، ولم ترفع عنه إلى ثلاثة أيام إلا ميتة؛ فجمعت بني عمّها وبني عمّه، وأثبتّهم في شرف العطاء جميعا.

عن هاشم بن حسّان عن رجل من بني تميم قال:

خرجت في طلب ناقة لي، حتى وردت على ماء من مياه طيء، فإذا أنا بعسكرين بينهما دعوة، فإذا أنا بفتى شابّ وجارية في العسكر، وإذا هو قد سمع نبرة من كلامها وهو مريض، فرفع عقيرته وقال:

ألا ما للمليحة لا تعودأبخل بالمليحة أم صدود
فلو كنت المريضة كنت أسعىإليك ولم ينهنهني الوعيد

فسمعت صوته فخرجت تعدو، فأمسكها النساء، وأبصرها فأقبل ينشد، فأمسكه الرجال، فأفلت وأفلتت، فاعتنقا وخرّا ميّتين؛ فخرج شيخ من تلك الأخبية حتى وقف عليهما. فاسترجع لهما، ثم قال: أما والله لئن كنتما لم تجتمعا حيّين لأجمعنّ بينكما ميّتين. قال: فقلت: من هذا؟ قال: هذا ابن أخي، وهذه ابنتي؛ فدفنهما في قبر واحد.

عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن عجلان صاحب هند التي عشقها وكانت تحبّه فطلّقها:

ألا إنّ هندا أصبحت لك محرماوأصبحت من أدنى حموّتها حما
وأصبحت كالمقمور جفن سلاحهيقلّب بالكفّين قوسا وأسهما

ومدّ بها صوته ثم مات. قال الأصمعيّ: فيه قال الشاعر:

إن متّ من الحبّفقد مات ابن عجلان

قيل لأعرابيّ من العذريّين: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث كما ينماث الملح في الماء! أما تجلّدون؟ فقال: إننا ننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها.

وقيل لأعرابيّ: ممّن أنت؟ فقال: من قوم إذا أحبّوا ماتوا. فقالت جارية سمعته: عذريّ وربّ الكعبة!.

عن عبد الملك بن عمير قال: كان أخوان من بني كنّة من ثقيف، أحدهما ذو أهل، والآخر عزب، وكان ذو الأهل إذا غاب خلفه العزب في أهله؛ فغاب غيبة له، فجاء العزب يوما فطلعت عليه امرأة الأخ، وهي لا تعلم

بمكانه، وعليها درع يشفّ، فسترت وجهها بذراعيها، فوقعت في قلبه، وجعل يذوب حتى صار كأنه خيط؛ فقدم أخوه فقال: يا أخي، مالك؟ قال: لا أدري، واستحيا أن يذكر ما به؛ فانطلق أخوه إلى الحارث بن كلدة طبيب العرب، فوصفه له؛ فقال: احمله إليّ؛ فلما نظر إليه قال: أمّا العينان فصحيحتان، وأما الجسم فذائب، ولا أظن أخاك إلا عاشقا؛ قال: ترى أخي بالموت، وتزعم أنه عاشق! قال: هو ما أقول لك، فاسقه الشراب؛ فسقاه الخمر، فقال الشعر ولم يكن الشعر من شأنه، فقال:

ألمّا بي إلى الأبيات بالخيف أزرهنّه
غزال ما رأيت اليوم في دور بني كنّه
غزال أكحل العينوفي منطقه غنّه

فقال أخوه: والله ما أراه إلّا كما قال، ولكن لا أدري من عنى؛ فسقاه شربة أخرى، فقال:

أيّها الحيّ اسلموااسلموا ثمّت اسلموا
لا تولّوا وتعرضواوأربعوا كي تكلّموا
خرجت مزنة من البحر ريّا تحمحم
هي ما كنّتي وتزعم أنّي لها حم

قال: يا أخي هي طالق ثلاثا، فإن شئت فتزوّجها؛ قال: وهي طالق إن تزوّجتها. قال غيره: فلما أفاق ذهب على وجهه حياء ولم يرجع، فهو فقيد ثقيف.

عن أبي مسكين قال: خرج أناس من بني حنيفة يتنزّهون إلى جبل لهم، فبصر فتى منهم يقال له عباس بجارية فهويها، وقال لأصحابه: والله لا أنصرف حتى أرسل إليها؛ فطلبوا إليه أن يكفّ وأن ينصرف معهم فأبى، وأقبل يراسل الجارية حتى وقع في نفسها، فأقبل في ليلة إضحيانة متنكّبا قوسه وهي بين إخوتها نائمة، فأيقظها؛ فقالت: انصرف وإلا أيقظت إخوتي فقتلوك! فقال: والله للموت أيسر ممّا أنا فيه، ولكن لله عليّ إن أعطيتيني يدك حتى أضعها على فؤادي أن أنصرف؛ فأمكنته من يدها، فوضعها على فؤاده ثم انصرف؛ فلمّا كان من القابلة أتاها وهي في مثل حالها، فقالت له مثل مقالتها، وردّ عليها وقال: إن أمكنتني من شفتيك أرشفهما انصرفت ثم لا أعود إليك، فأمكنته من شفيتها فرشفهما ثم انصرف؛ فوقع في قلبها منه مثل النار؛ ونذر»

به الحيّ، فقالوا: ما لهذا الفاسق في هذا الجبل! انهضوا بنا إليه حتى نخرجه منه؛ فأرسلت إليه: إن القوم يأتونك الليلة فاحذر، فلما أمسى قعد على مرقب ومعه قوسه وأسهمه، وأصاب الحي من آخر النهار

مطر وندى فلهوا عنه؛ فلما كان في آخر اللّيل وذهب السحاب وطلع القمر، خرجت وهي تريده وقد أصابها الطلّ، فنشرت شعرها وأعجبتها نفسها ومعها جارية من الحيّ، فقالت: هل لك في عبّاس؟ فخرجنا تمشيان، ونظر إليهما وهو على المرقب، فظنّ أنهما ممن يطلبه، فرمى بسهم فما أخطأ قلب الجارية ففلقه! وصاحت الأخرى، فانحدر من الجبل وإذا هو بالجارية في دمها؛ فقال:

نعب الغراب بما كرهت ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتهافاصبر وإلّا فانتحر

ثم وجأ في أوداجه بمشاقصه، وجاء الحيّ فوجدوهما مقتولين فدفنوهما!.

قال خلّاد الأرقط: سمعت مشايخنا من أهل مكة يذكرون أن القسّ، وهو مولى لبني مخزوم، كان عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح، وأنه مرّ يوما بسلّامة وهي تغنّي، فوقف يسمع؛ فرآه مولاها فدنا منه فقال: هل لك في أن تدخل وتستمع؟ فأبى، ولم يزل به فقال: أقعدك في موضع لا تراها ولا تراك، ففعل، ثم غنت فأعجبته؛ فقال: هل لك في أن أحوّلها إليك؟ فتأبّى. ثم أجاب، فلم يزل به حتى شغف بها وشغفت به، وعلم ذلك أهل مكة. فقالت له يوما وقد خلوا: أنا والله أحبّك؛ فقال: وأنا

والله أحبّك. قالت: فأنا أحبّ أن أضع فمي على فمك؛ قال: وأنا والله.

قالت: وأنا والله أحبّ أن أضع صدري على صدرك؛ قال: وأنا والله. قالت:

فما يمنعك؟ والله إن الموضع لخال! فأطرق ساعة، ثم قال: إني سمعت الله يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ

، وأنا والله أكره أن تكون خلّة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة؛ ونهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها. وفيه قيل:

لقد فتنت ريّا وسلّامة القسّاولم تتركا للقسّ عقلا ولا نفسا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

ومن شعره فيها:

أهابك أن أقول بذلت نفسيولو أنّي أطيع القلب قالا
حياء منك حتى شفّ جسميوشقّ عليّ كتماني وطالا

وهو القائل:

قد كنت أعذل في السّفاهة أهلهافاعجب لما تأتي به الأيّام
فاليوم أرحمهم وأعلم أنّماسبل الغواية والهدى أقسام

وهو القائل:

ألم ترها لا يبعد الله دارهاإذا مرحت في صوتها كيف تصنع
تمدّ نظام القول ثم تردّهإلى صلصل في حلقها فترجّع

كتبت منية إلى قابوس: من سنّ سنّة فليرض بأن يحكم عليه بها. ومن سأل مسألة فليرض من العطيّة بقدر بذله. لكلّ عمل ثواب، ولكل فعل

جزاء. ومن بدأ بالظلم كان أظلم. ومن انتصر فقد أنصف. والعفو أقرب إلى العقل. وغير مسيء من أعتب. وغير مذنب من طوّل مع المخض تبدو الزّبدة. عند تناهي البلاء يكون الفرج. كلّ ذي قرح يشتهي دواء قرحه. كلّ مطمع منتظر. كل آت قريب. مع كل فرحة ترحة. من خبث سنخه غلظ كبده ونام حقده. الموت أروح من الهوى. اليأس أوّل سبب الراحة. السّحر أنفذ من الشعر. دواء كل محبّ حبيبه. مع اليوم غد. كما تدين تدان.

استشف الله لما بك، واسأله المدافعة عنك.

فأجابها:

من الكرام تكون الرحمة، ومن اللئام تكون القسوة. من كرم أصله لان قلبه ورقّ وجهه. ومن عاقب بالذنوب ترك الفضل. ومن ترك الفضل أخطأ الحظّ. ومن لم يغفر لم يغفر له. ومن حقد واضطغن اكتسب الأعداء. أولى الناس بالرحمة من احتاج إليها فحرمها. لكل كرب فرج، ولكل عمر ثواب.

من أحبّ رقّ لكلّ محبّ. لا داء أدوى من الهوى، ولا أوهن منه لذي القوى. لا ملكة أكرم من ملكة كريم، ولا قدرة ألأم من قدرة لئيم. ملكت فأسجحي: قدرت فاعفي. ويل للشّجيّ من الخليّ. من كان في نعمة لم يدر قدر البليّة. من سها عقله فسد عيشه، ومن فسد عيشه كان الموت راحته.

الآمال مبسوطة، والآجال معدودة. والمتوقّع الموت. وحسرة الموت من مات

بغصّة. خير الخير أعجله. من أراد معروفا فلا يتطوّل. الحبّ أثقل محمول.

وكتب إليها أيضا:

قلّ من حبيب كتاب، وعظم من محبّ مصاب. لكلّ آخر أوّل، مرقاة إلى مرقاة. قد ينمو القليل فيكثر، ويضمحلّ الكثير فيذهب. من طلب وجد.

ومن أدمن الاستفتاح فتحت له الأغلاق. أولى الأمور بالنجاح المواظبة. قد يتبع الظّفر البصر، ويتبع البصر التغير والاستثقال، ويتبع الاستثقال الاستبدال؛ ولن يدوم شيء على حال. ولكلّ همّ فرج. والعناء مقرون بالرجاء. قد يستخرج بالكلمة الحيّة، وتنشأ من الحبّة الشجرة. وفي اللقاء شفاء الغليل، وتنفّس الهموم. ارتاد امرؤ قبل حلوله، وتثبّت قبل إقدامه. مع العجلة تكون النّدامة، وفي التثبّت تكون السلامة. العاقل من ابتدأ عملا في غير حينه فبلغ في حين وقته. لا ينال بغير دواء شفاء. الصعب يمكن بعد منع. الرّفق سبب القدرة. الخرق مفتاح الحرمان. من أسرّ أسراره دامت له لذّاته. ربّ أكلة تمنع أكلات، ولقية تصدّ عن لقيات.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.