من «الشكوى والعتاب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب العاشر
في العمل والكد والتعب والشغل والجد [والعزم] والنية والكفاية والكيس والعجلة والسرعة والعدو وحسن التأني في الأمور وانتهاز الفرص قال النبي ﷺ: "أفضل العمل أدومه وإن قل".
وعن عائشة ﵂: "كان عمله ديمة".
وقال علي كرم الله وجهه: "قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه".
وعنه: "أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه".
وقيل: "لما مات علي بن الحسين فغسلوه وجدوا على ظهره مجلاً مما كان يستقي لضعفة جيرانه بالليل، ومما كان يحمل إلى بيوت المسلمين من جرب الطعام".
في التوراة: "حرك يدك أفتح لك باب الرزق".
وقال داود الطائي: "أرأيت المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب أليس يجمع آلته! فإذا أفنى عمره في جمع آلته فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل وإذا أفنى عمره في جمعه فمتى يعمل؟ ".
كان إبراهيم بن أدهم يستقي ويرعى ويعمل بكراء ويحفظ البساتين للناس والمزارع، ويحصد بالنهار ويصلي بالليل.
وقال النبي ﷺ: "تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تعملوا به فإن العلماء همتهم الوعاية وإن السفهاء همتهم الرواية".
وقال ابن مسعود ﵁: "كونوا للعلم وعاة ولا تكونوا رواة، فإنه قد يروى ولا يرعوى، ويرعوى ولا يروى".
وقال عيسى ﵇: "ليس بنافعك أن تعلم م لا تعمل. إن كثرة العلم لا تزيدك إلا جهلاً إذا لم تعمل به".
وقال مالك بن دينار: "إن العالم إذا لم يعمل زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا".
وقال شبيب بن سليم الأسدي: "دخلنا على الحسن حجاجاً فدعا لنا ثم قال: "لعلكم من أصحاب السبورجات. قلنا لا. قال: إياكم وإياهم، فإنه بلغني أن الرجل منهم يكتب حمس مائة حديث ثم يضيعها، ولا يعلم أن الله سائله عنها حرفاً حرفاً".
وقال علي كرم الله وجهه: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ما ينفي عني حجة الجهل؟ قال: العلم. قال: فما ينفي عني حجة العلم؟ قال: العمل".
وقال النبي ﷺ: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه هواها ثم تمنى على الله".
"شر الأعمال ما كان عناؤه طويلاً وغناؤه قليلاً".
رأى رسول الله ﷺ فرجة في لبن قبر ولده إبراهيم فأمر أن تسد وقال: "أما إنها لا تضر ولا تنفع، ولكن العبد إذا عمل عملاً أحب الله أن يتقنه".
وقال الوزاعي: "إذا أراد الله بقوم شراً أعطاهم الجدل ومنعهم العمل".
مفرد:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسهففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
وقال عمر بن عبد العزيز: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".
وعن حكيم: "ما شيء أحسن من عقل زانه علم، ومن علم زانه حلم، ومن حلم زانه صدق، ومن صدق زانه عمل، ومن عمل زانه رفق".
كتب لبعض الملوك على صحيفة من ذهب: "لا عمل إلا العمل للثواب".
شعر:
ألم تر أن الله أوحى لمريمإليك فهزي الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزةلكان، ولكن كل أمر له سبب
أكثل السدوسي:
صبراًً خلاج ولن تعانق طفلةشرقاً بها الجادي كالتمثال
حتى تلاقي في الكتيبة معلماًعمرو القنا وعبيدة بن هلال
صعصعة بن معاوية التميمي:
وللمجد حومات تلقاك دونهامهالك مقطوع عليها جسورها
وقال عبد الله بن السائب: "إن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى، فلا تحزنوا موتاكم".
وعن عباد الخواص أنه دخل على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين
فقال: أصلحك الله، بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ماذا يعرض على رسول الله ﷺ من عملك. فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه.
وكان أبو أيوب الأنصاري يقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملاً أخزى به عند عبد الله بن رواحة. وقد آخى النبي ﷺ بينهما، ومات ابن رواحة قبله.
وعن علي كرم الله وجهه: "كونوا بقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل فإنه لا يقل عمل بالتقوى، وكيف يقل عمل بتقبل".
وعن بعضهم: "صف عملك من الآفات وإن قل تسعد به في الدارين. ومن لم يتق الآفات في عمله فإنه لا يكاد يفلح وإن كثر اجتهاده. وإنما ارتفع القوم لاعتنائهم بإصلاح سرائرهم فعند ذلك أمدهم الله بالنصر على الشيطان وبصرهم مكائده وصاروا من الأبطال، حتى إن الشيطان ليفر من ظل أحدهم".
وقال مطرف: "لأن يقول لي ربي لم لم تعمل أحب إلي من أن يقول لي لم عملت؟ ".
وقال الداراني: "إن عمل الرجل مع رفيقه ومع أهله عمل في السر لأنه لا يقدر أن يكتم منهما".
وقيل: "تفرقت بفلان شعب الدنيا. إذا كثرت أشغاله".
وقال عبيد الله بن سليمان لأبي العيناء: "اعذرني فإني مشغول. فقال: إذا فرغت لم أحتج إليك، وما أصنع بك فارغاً؟ وأنشد:
فلا تعتلل بالشغل عنا فإنماتناط بك الآمال ما اتصل الشغل
واعتذر بعضهم إلى رجل بالشغل فقال: لا بلغت يوم فراغك".
وقيل لروح بن حاتم: "لقد طال وقوفك في الشمس. قال: ليطول وقوفي في الظل". وأنشد:
تقول سليمى لو أقمت بأرضناولم تدر أني للمقام أطوف
أعرابية في ابنها:
لو ظمى القوم فقالوا من فتىيحلف لا يردعه خوف الردى
فبعثوا سعداً إلى الماء سدىفي ليلة بيانها مثل العمى
بغير دلو ورشاء لاستقىأمرد يهدي رأيه رأي اللحى
من على دماغه في القيظ غلت قدره في الشتاء وقال لقيط بن زرارة يرتجز يوم جبلة:
إن الشواء والنشيل والرغيفوالقينة الحسناء والكأس الأنف
للضاربين الهام والخيل هيف
كان عمر بن حبيب إذا فرغ من تهجده قال: "الرواح الرواح، السباق السباق. سبقتم إلى الماء والظل، إنه من يسبق إلى الماء يظمأ ومن يسبق إلى الظل يضح".
"وكان في بستان له ومعه غلامه فأذن المؤذن فقال الغلام: الله أكبر، الله أكبر. فقال: سبقتني إليها. أنت حر ولك هذه النخلة".
"إن كلف السعي سعى، وإن يقل قم يثبت".
وقال عبيد بن عمير: "ما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيما مضى".
"ما في كل صدر اتساع ولا في كل نفس اضطلاع".
مدح أعرابي رجلاً فقال: "كان والله إذا نزلت به النوائب قام إليها ثم قام بها، ولم تقعد به علات النفوس".
وقال أبو مسلم صاحب الدولة:
أدركت بالجد والتشمير ما عجزتعنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى بجهدي في دمارهموالقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوامن نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعةونام عنها تولى رعيها الأسد
"إذا هم بأمر هان علاجه، وانفتح رتاجه".
وقيل: "فلان يستعير السيف حده، ويتعلم الليث جده".
"فلان لا يجف لبده، إذا لم يفتر.
"هو في طلبه قاضي نذور".
"أخف من حسو طائر، ولفتة ناظر، ومن لمعة بارق، وخلسة سارق".
"أخف من خلسة منتهز، وجلسة مستوفز".
"فلان لا يزعزع عما يرتئيه، ولا يستنزل عما ينتويه".
تسنم ظهر مفخرة أنيختلتركبها ولاتك بالهيوب
"ما دري على البرق سار أم على البراق".
"والشنفرى هو وابن براق أسرع من النجم منكدراً ومن الماء منحدراً".
"أسرع حتى ظله لا يلحقه".
"لا يمس [الأرض] إلا تحليلاً وإيماء، ولا يطؤها إلا إشارة وإيحاء".
"برز عن الغاية وقصب، وغبر في وجوه الخيل وحصب".
شعر:
برئت إلى الرحمن من كل صاحبأصاحبه إلا خماس بن ثامل
وظني به بين السماطين أنهسينجو بحق أو سينجو بباطل
"لا يكاد يعدم الصرعة من عادته السرعة".
وقال ﷺ: "سرعة المشي يذهب ببهاء المؤمن".
وقال عدي بن أرطأة لإياس بن معاوية: "إنك لسريع المشية. قال: ذاك أبعد من الكبر، وأسرع في الحاجة".
كان الأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود يجتهد في العبادة، ويصوم في الحر حتى يخضر جسده ويصفر، ويكاد لسانه يسود من الظمأ في الهواجر
فيقول له علقمة: كم تعذب هذا الجسد. فيقول: إن الأمر [جد] يا أبا شبل، الجد الجد".
وقال عيسى ﵇ لرجل: "ما تصنع؟ قال أتعبد. قال: فمن يعود عليك؟ قال: أخي. قال: أخوك أعبد منك".
وقيل: عدا كلب خلف غزال فقال له: لن تلحقني. قال: لم ذا؟ قال: لأني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك".
وقيل: نظر رجل إلى ظبية ترود فقال له أعرابي: هل تحب أن تكون لك؟ قال: نعم. قال: أعطني أربعة دراهم حتى أردها عليك. ففعل. فجعل يمحص في إثرها حتى أخذ بقرنيها فجاء بها وهو يقول:
وهي على البعد تلوي خدهاتريغ شدي وأريغ شدها
كيف ترى عدو غلام ردها
وقل من جد في أمر يطالبهواستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
"من جد وجد".
تقول العرب: "فلان وثاب على الفرص".
"الزق ما دام التنور حاراً". أي اطلب الأمر في إبان إمكانه.
"هو من فرس الأيام وغرورها، وحجول الأماني وغررها".
مفرد:
وإني إذا باشرت أمراًً أريدهتدانت أقاصيه وهان أشده
[وقيل]:
لو بت تقدح في ظلمةصفاة [بنبع] لأوريت نارا
وقال حماس بن الأبرش الكلبي:
ولو جمع الأقوام إذ أنت وسطنالما عدلوا في موطئ منك إصبعا
"في كد البدن روح الروح".
"يعمد الشغل لأوسع أوقاتي فيضيقه".
كتب مسلمة إلى أخيه الوليد من القسطنطنية يقول:
أرقت وصحراء الطوانة بيننالبرق تلالا نحو غمرة يلمح
أزاول أمراً لم يكن ليطيقهمن القوم إلا اللوذعي الصمحمح
غيرة:
نقل الجبال الرواسي من مواضعهاأخف من رد نفسي حين تنصرف
"لا أريد كذا ولو جعل العليون إقطاعي، والعالمون أتباعي".
[وقيل: (مجزوء الكامل]:
فلئن كفيت مهمهافلمثلها أعددت مثلك
النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع