تجاوز إلى المحتوى

من «الشكوى والعتاب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

الباب الحادي عشر

العز، والشرف، وعلو الخطر، والتقدم، والرياسة، والجاه، والهيبة، والاحتشام والشهرة] [تميم الداري ﵁]: سمعت رسول الله ﷺ [يقول]: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز يعز الله به الإسلام، وذل ذليل يذل الله به الكفر".

وعن علي ﵁ رفعه -: "من نقله الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس".

زقيل للحسن بن علي ﵁:"فيك عظمة. قال: لا، بل في عزة الله تعالى، قال الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله [وللمؤمنين]).

وقال ابن أبي لبابة: "من طلب عزاً بباطل أورثه الله ذلا بحق".

النابغة الجعدي:

فإن كنت ترجو أن تحول عزنابكفيك فانقل ذا المناكب يذبلا
وإني لأرجو إن أردت انتقالهبكفيك أن يأتي عليك ويثقلا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «جهلت علي ابن الحيا وظلمتني»

نصر بن سيار:

إن ينصرونا لا نعز بنصرهمأو يخذلونا فالسماء سماء
للشاعر نصر بن سيار، اقرأ القصيدة

يريد: فشرفنا بحالة لا يحطه [معها] خذلانهم، فضرب السماء ودوامها على حال واحدة مثلاً.

قال رجل للحسن: "إني أريد السند فأوصني. قال: أعز أمر الله حيث ما كنت يعزك الله. قال: فلقد كنت بالسند وما بها أحد أعز مني".

سئل محمد بن الحنفية عن أعظم الناس خطراً فقال: "الذي لا يرى الدنيا

كلها عوضاً من بدنه، ثم قال: إن أبدانكم هذه ليس [لها] أثمان إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها".

وقيل: قدم البصرة بدوي فقال لخالد بن صفوان: أخبرني عن سيد هذه المصر. قال: هو الحسن بن أبي الحسن. قال: عربي هو أو مولى؟ قال: مولى. قال: وبم استادها؟ قال: احتاجوا إليه في دينهم واستغنى عن دنياهم. فقال البدوي: كفى بهذا سؤدداً".

وقال علي ﵁: "ما أرى شيئاً أضر بالرجال من خفق النعال وراء ظهورهم".

يقال: "فلان من حضان الشرف".

ابن الكلبي: [كان] عصام القائل:

نفس عصام سودت عصاماًوعامته الكر والإقداما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نفس عصام سودت عصاما»
وقدمته في الأمور كلهاوصيرته ملكاً هماما

[مملوكاً] اتصل بالرزال رجل من أتباع النعمان فلم يزل بارتفاع همته حتى استولى [على] أمر النعمان قي ذلك. فسئل النعمان

فقال: "ما قدمته الأخلاق السرية المجتمعة فيه".

وقال الأهتم السعدي:

ولو أني كننت نفسيوغاداني شواء أو قدير
ولاعبني على الأنماط لعسعليهن المجاسد والحرير
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
ولكني إلى تركات قومهم الرؤساء والنبل البحور
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة

وقال فضيل: "ما عشق الرئاسة أحد إلا حسد وبغى وطغى".

وعنه: "من عشق الرئاسة لم يفلح".

وعنه: "لا يطلب الرئاسة أحد إلا طلب عيوب الناس ومساوئهم، وكره أن يذكر عنده أحد بخير".

وعنه: "ما كثر تبع رجل إلا كثرت شياطينه".

وقال إبراهيم بن أدهم: "كن ذنباً ولا تكن رأساً، فإن الذنب ينجو والرأس يهلك".

[وقيل]: "كان الرجل يجلس إلى جانب الحسن ثلاث حجج لا يسأله مسألة هيبةً له".

في مالك بن أنس:

يأبى الجواب فلا يراجع هيبةوالسائلون نواكس الأذقان
هدي التقى وعز سلطان التقىفهو المهيب وليس ذا سلطان
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة

وقال خالد بن صفوان: "كان الأحنف يفر من الشرف والشرف يتبعه".

وقال النبي ﷺ: "قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها".

شعر:

إن قريشاً [و] هي من خير الأمملا يضعون قدماً على قدم

وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيقف بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله".

قال رجل لقتيبة بن مسلم: "أتيناك [لا] لنرزأك ولا ننكأك، وإنما

نسألك جاهك. فقال: سألتم أثقل الأمور".

وقال محمد بن عبد السلام البغدادي:

وا سوءتا لامرئ شبيبتهفي عنفوان وماؤه خضل
راض بقوت المعاش مقتنععلى تراث الآباء يتكل
لا حفظ الله ذاك من رجلولا رعاه ما أطت الإبل
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة
كلا وربي حتى يكون فتىقد نهكته الأسفار والرجل
تسمو به همة تغادرهوطرفه بالسهاد مكتحل
مصمم يطلب الرئاسة أويضرب فتكاً بفعله المثل
حتى متى تخدم الرجاء ولاتخدم يوماً لأمك الهبل

وقال أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: "كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا".

كان شبيب بن شيبة إذا ذكر عمرو بن عبيد يقول:

إذا ما تراءته الرجال تحفظوافلم تنطق العوراء وهو قريب

أراد عاصم الخروج إلى البصرة فقال للشعبي: "ألك حاجة؟ قال: إذا أتيتها فبلغ الحسن سلامي. فقال: ما أعرفه. قال: انظر إلى أجمل رجل في عينك وأهيبه في صدرك فأقرئه عني السلام. هو أنور من ليلة البدر، وأشهر من يوم بدر".

وقال الحسن: "لقد صحبت أقواماً، إن الرجل لتعرض له الكلمة من الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه فما يمنعه منها إلا مخافة الشهرة".

وقال ابن سيرين: "لم يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي

البلاء حتى أخذ بلحيتي، فأقمت على المصطبة. فقيل: هذا ابن سيرين".

كان أيوب السختياني يخفي زهده، وما رئي أحد أشد تبسماً في وجوه الرجال منه. ودخلوا عليه مرة فإذا على فراشه محبس أحمر فرفعوه فإذا خصفة محشوة ليفاً. وكان يقوم الليل فإذا كان آخر الليل يرفع صوته يوهم أنه قام تلك الساعة. وكان يقول: أهلكت المعرفة. والله إني أخاف أن أكون بها شقياً".

وقال معمر: "رأيت قميص أيوب يكاد يمشي على الأرض، فقلت: ما هذا؟ قال: إنما كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها واليوم الشهرة في تقصيرها".

وكان يقول للخياط: "اقطع وأطل فإن الشهرة اليوم في القصر".

وقال النمري:

يقولون في بعض التذلل عزةوعاداتنا أن ندرك العز بالعز
أبى الله لي والأكرمون عشيرتيمقامي على دحض ونومي على وخز

ذكرت البيوتات عند هشام بن عبد الملك فقال: "البيت ما كان له سالفة ولاحقة وعماد حال ومساك دهر، فإذا كان كذلك فهو بيت قائم".

أراد بالسالفة ما سلف من شرف الآباء، واللاحقة ما لحق من شرف الأبناء، وبعماد الحال الثروة، ومساك الدهر الجاه عند السلطان.

وقيل: اصطنع أنو شروان رجلاً فقيل له: "إنه لا قديم له. فقال: اصطناعنا إياه بيته وشرفه".

وعنه: "لي همة لو غرقت الدنيا فيها ما طلبت إلا بالغاصة، ولو كانت الليل ما تنفس فيه صبح".

وقال بعضهم:

ولي همة أسمو بها وعزيمةتبلغني أعلى من السرطان
إذا النفس لم تتبعك في طلب العلافتلك من الأموات لا الحيوان

وقال الأمير الصليحي::

ولي همة تعلو على كل همةولي أمل يعلو على كل آمل
ولي حرفة تعلو كل حرفةصليحية ليست بهبش القبائل

قيل للعتابي: "فلان بعيد الهمة. فقال: إذاً لا يكون له غاية دون الجنة".

يقال: "فلان بعيد المنزعة" أي الهمة.

وقيل: أتى دكين الشاعر عمر بن عبد العزيز بعدما استخلف يستنجز وعداً كان وعده إياه فقال له: "يا دكين إن الله وضع بين جنبي نفساً نزاعة إلى معالي الأمور. نزعت إلى إمارة المدينة فرزقتها، فنزعت إلى إمارة الحجاز فنالتها، فنزعت إلى الخلافة فلما حظيت بها قالت هي الفوز بالدنيا كلها. فتاقت إلى الآخرة وترقت بهمتها إلى أهل الجنة وما رزأت من أموال المسلمين شيئاً وما عندي إلا ألفا درهم. فأعطاني ألفاً وقال: خذها بارك الله لك فيها. فابتعت بها إبلاً وسقتها إلى البادية فرمى الله في أذنابها بالبركة ورزقني ما ترون".

يقال: همته ترمي به وراء سنه مرمى بعيداً".

وقال بعضهم: "إني لأعشق الشرف كما يعشق الجمال".

وقال معاوية لعرابة بن أوس: أنت الذي يقول لك الشماخ:

رأيت عرابة الأوسي يسموإلى الخيرات منقطع القرين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»
إذا ما راية رفعت لمجدتلقاها عرابة باليمين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

فبم سدت قومك؟ قال: والله ما أنا بأكرمهم حسباً ولا أفضلهم نسباً ولكن أعرض عن جاهلهم وأسمح لسائلهم، فمن عمل عملي فهو مثلي ومن زاد فهو أفضل مني. فقال معاوية: هذا والله الكرم والسؤدد".

وقال مخرمة بن عبد الملك: "ما رأيت من العلماء أهيب من الشافعي من بعيد، ولا أبر وأكرم منه من قريب، في عيش غريض وجاه عريض".

وقال الشعبي: كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج".

قيل: لما جيء بالهرم زان ملك خوزستان أسيراً إلى عمر لم يزل الموكل به يقتفي أثر عمر حتى عثر عليه بالمسجد، فرآه نائماً متوسداً درته، فلما رآه الهرم زان قال: هذا هو الملك ألهني، عدلت فأمنت فمنت. والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة وأصحاب التيجان فما وهبت أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة".

وقال الأخطل في عبد الملك

تسمو العيون إلى إمام عادلمعطى المهابة نافع ضرار
وترى عليه إذا العيون رمقنهسيما التقى ومهابة الجبار

تذكروا أشراف الجاهلية في مجلس عبد الله بن الزبير فقال: "إن كنتم لا بد فاعلين فاذكروا عبد الله بن جدعان فما اقتسم الشرف إلا بعده".

وقيل: "أصاب الناس بالبصرة مجاعة، وكان ابن عامر يغدي عشرة آلاف ويعشي مثلهم حتى انجلت الأزمة، فكتب إليه عثمان يجزيه خيراً، وأمر له بأربعة آلاف معونة على نوائبه وكتب إليه: "لقد رفعك السؤدد إلى موضع لا يناله إلا الشمس والقمر، فتوخ أن يكون ما أعطيت لله فإنه لا شرف إلا ما كان فيه وله".

وقال رجل لفضيل: "عظني. فقال: كن ذنباً ولا تكن رأساً".

حسبك. والله سبحانه أعلم.

تم الكتاب المبارك بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه في ثامن عشر شهر الحجة الحرام من شهور سنة أربعة وثمانين ولألف من الهجرة النبوية على يد أفقر عباده وأحوجهم إليه علي محمد العمري عفا الله عنه.

والحمد لله وحده

النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الشكوى والعتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.