من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
حثّ القادر على العقاب قبل فوته
قيل: صمّم إذا أيقنت أنك عاقره، وقال بعض الغسانيين يحرض الأسود بن المنذر على قتل أعدائه:
ما كلّ يوم ينال المرء فرصتهولا يسوغه المقدار ما وهبا
فأحزم الناس من إن نال فرصتهلم يجعل السبب الموصول مقتضبا
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلهاإن كنت شهما فأتبع رأسها الذّنبا
دخل الأبرش على هشام لما غضب على خالد القسري فقال: يا أمير المؤمنين أقلّ خالدا عثرته»
وتدارك بحلمك هفوته فقال:
مضى السهم حتّى لا يريد سوى الحشافصادف ظبيا في الحديق راتعا
وكتب يحيى بن خالد إلى الرشيد من الحبس: إن كان الذنب خاصا فلا تعمم بالعقوبة في سلامة البري ومودة الولي. فكتب إليه: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
وقال عبد الصمد للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو. فقال: لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين أقوام قد رأونا بالأمس سوقة واليوم خلفاء فليس تتمهد الهيبة في صدورهم إلا باطراح العفو واستعمال العقوبة. وقال لما قتل أبا مسلم: لقد شاركت عبد الملك في قول كثير:
يصدّ ويغضي وهو ليث خفيةإذا أمكنته فرصة لا يقيلها
التبجّح بقسوة القلب وقلّة الرحمة
كان محمّد بن عبد الملك بن الزيات يقول: رقة القلب من خور الطبيعة. ولما أمر
الواثق بتعذيبه وبحبسه في تنور من الحديد وإطباقه عليه قال لمعذبه: ارحمني. فردّ الخبر إلى الواثق فقال: أين قول لا تكون الرحمة إلا من خور، ثمّ تمثل بقوله:
فلا تجز عن من حسنة سنة أنت سرّتها
ووقع في قصة رجل دعني من ذكر الرحمة والاشفاق فما هما إلا للنسوان والصبيان.
قال المتنبّي:
يدخل صبر المرء في مدحهويدخل الإشفاق في قلبه
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع