من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
التسلية بعد وقوع المحذور
اشتكى ابن لعمر بن عبد العزيز فجزع عليه ثم مات، فرؤي متسليا. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رقة له ورحمة فلما وقع القضاء زال المحذور. وقالت امرأة مات واحدها فرؤيت حسنة الحال: أمّنني من المصائب بعد.
قال البحتري:
صعوبة الحزن تلقى في توقّدهمستقبلا وانقضاء الرزء إن يقعا
وقال آخر:
فقد جرّ نفعا فقدنا لك إنّناأمنّا على كلّ الرزايا من الجزع
وقال:
وكنت عليه أحذر الموت وحدهفلم يبق لي شيء عليه أحاذر
ومرض ابن لجعفر بن محمد فجزع ثم مات، فلم يجزع، فقيل له فقال: أما بعد وقوع الأمر فلم يبق إلا الرضا والتسليم. وقال بعضهم: نزلت بامرأة ذات أولاد وثروة، فلما أردت الإرتحال قالت: لا تخلني إذا وردت هذا الصقع. ثم أتيتها بعد أعوام فوجدتها قد افتقرت وثكلت أولادها وهي ضاحكة مسرورة، فسألتها فقالت: إني كنت ذات ثروة وجاه وكانت لي أحزان فعلمت أن ذلك لقلة الشكر، وأنا اليوم بهذه الحالة أضحك شكرا لله تعالى على ما أعطاني من الصبر. ومن أحسن ما قيل في ذلك. قول أوس بن حجر:
أيّتها النفس أجملي جزعاإن الذي تحذرين قد وقعا
وقيل: إذا استأثر الله تعالى بشيء فاله عنه:
فلست أرجو ولست أخشىما أحدثت بعده الدهور
فليجهد الدهر في مساتيفما يرى بعد ما يضير
وقال:
ألا ليمت من شاء بعدك إنماعليك من الأقدار كان حذاريا
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع