من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحثّ على التسلّي بمن أصابه كمصيبته والتمدح بذلك
روي أنّ الإسكندر حكم له أنه لا يموت إلا بأرض سماؤه ذهب وأرضه حديد. فلما سقط من دابّته حمل على درع وظلل بترس من ذهب فلما أفاق ورأى ذلك فطن لما حكم له، وقال: قاتل الله المنجمّين، يقولون ولا يفسرون، فكتب إلى والدته أن أصنعي طعاما وإدعي له من لم تصبه مصيبة، فامتثلت فبقي الطعام ولم يأتها أحد، ففطنت أنه أرسل يعزيها، وقال:
وما أنا بالمخصوص من بين من أرىولكن أتتني نوبتي في النّوائب
وتوفي ابن لمسلمة فاشتد جزعه حتى أمسك عن الطعام والشراب، فدخل في غمار الناس رجل رثّ الهيئة، فأنشده:
وطيّب نفسي عن شراحيل أننيإذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه
فقال: ويحك، أعد فأعاده فدعا بالطعام. قالت الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكنأسلّي النفس عنه بالتأسّي
وقال حريث:
ولولا الأسى ما عشت في الناس بعدهولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي
ونزل عروة بن الزبير بالوليد ومعه ابنه فضربته دابّة فأصبح ميتا. ووقعت الأكلة في
رجله فقطعت بالمنشار ولم يمسكه أحد، فقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. ثم قدم قوم من عبس على الوليد وفيهم ضرير، فقال: نزلت ليلة في بطن واد ولا أعلم في الأرض عبسيا أكثر ما لامني، فطرقنا سيل ذهب بأهلي، ومالي غير بعير ومولود، فند البعير فتبعته، فسمعت صرخة الولد فرجعت، فإذا الذئب قد أكله، فرجعت للبعير وتعلقت بذنبه، فحطّم وجهي فأعماني فأصبحت لا أهل ولا مال ولا عين. فقال الوليد: خذوا بيده إلى عروة ليتسلّى به.
وقال رجل لقوم عزاهم: ما منكم بدأت ولا إليكم انتهت، وعكس ابن الرومي فقال:
ليس تأسو كلوم غيري كلوميما به ما به وما بي ما بي
وقال فيلسوف: لئن كنت تبكي لنزول الموت بمن أنت له محب، فلطالما نزل بمن كنت له مبغضا. وقال أفلاطون لرجل رآه مغموما: لو أحضرت قلبك ما فيه الناس من المصائب لقل همك.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع