من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الأبنية المحكمة
من ذلك الخورنق بناه سنمار لكسرى على فرات الكوفة، فلما صعده كسرى أعجب منه وخاف أن يبني لغيره مثله فقتله. وقيل: إثما قتله لقوله أعرف في أركانه موضع حجر إن نقضته تداعى هذا البناء كله. ومن ذلك مارد والأبلق الفرد، وفي المثل تمرد مارد وعز الأبلق.
وغمدان باليمن من أعجب ما بنى الملوك أربعة عشر غرفة بعضها فوق بعض، فهدم الحبشة بعضها وهدم عثمان بعضها، كما هدم آطام المدينة والمشقر وقصر سنداد بالكوفة وفيه يقول الأسود:
ماذا أؤمل بعد آل محرّقتركوا منازلهم وآل إياد
أهل الخورنق والسّدير وبارقوالقصر ذي الشرفات من سنداد
وبناء الإسكندرية وقد ذكره النابغة في قوله:
وخيّس الجنّ إني قد أذنت لهميبنون تدمر بالصفّاح والعمد
وكان المنصور تقدّم بهدم إيوان كسرى، وحمل نقضه إلى مدينة السلام. فقال له خالد: لا تهدم بناء دلّ على فخامة قدر بانيه الذي غلبته وأخذت ملكه، فتعجز عنه فيدلّ ذلك على عجز منك، فقال: هذا الميل منك إلى المجوس، وأمر بهدمه فعجز عنه، فقال: يا خالد صرنا إلى رأيك، فقال: الآن أشير أن لا تكفّ عنه. فإن الهدم أيسر من البناء. ويتحدث الناس أنك عجزت عن هدم بناء بناه عدوّك.
وقال المأمون لما سمع هذا: قد حبّب إليّ هذا الخبر، أن لا أبني بناء يعجز عن هدمه.
والهرمان قيل كل هرم سمكه أربعمائة في الهواء مبنية بحجارة المرمر والرخام، وغلظ كل حجر وطوله ما بين عشرة أذرع إلى ثمان أذرع، مهندم لا يستبين مسّاده إلا حادّ البصر، عليها منقور كل عجب من الطب والطلاسم ومكتوب عليه: إني بنيتها فمن ادّعى قوة في ملكه فليهدمها، والهدم أيسر من البناء. وأراد بعض الخلفاء هدمها فإذا خراج مصر لا يقوم به فتركها.
وفي الخبر أن الإسكندرية بقيت مدة لا يدخلها، أحد إلا على بصره خرقة سوداء من بياض جصّها وبلاطها، وقيل بنيت في ثلاثمائة سنة، وكان فيها ستمائة ألف من اليهود خولا لأهلها.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع