من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْعِمَاد الْكَاتِب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد
ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَليّ بن مَحْمُود بن هبة الله بن أَله بِفَتْح الْهمزَة وَضم اللَّام وَهُوَ الْعقَاب بالعجمي عماد الدّين أَبُو عبد الله بن صفي الدّين أبي الْفرج ابْن نَفِيس الدّين أبي الرَّجَاء الْكَاتِب الْأَصْفَهَانِي الْمَعْرُوف بِابْن أخي الْعَزِيز ولد بأصبهان سنة تسع عشرَة وَخمْس مائَة وَقدم بَغْدَاد وَهُوَ ابْن عشْرين سنة أَو نَحْوهَا وَنزل النظامية وبرع فِي الْفِقْه على ابي مَنْصُور سعيد بن الرزاز واتقن الْخلاف والنحو وَالْأَدب وَسمع الحَدِيث من أبي الْحسن عَليّ بن هبة الله)
بن عبد السَّلَام وَأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك بن خيرون وَأبي المكارم الْمُبَارك بن عَليّ السَّمرقَنْدِي وَأبي بكر أَحْمد ابْن عَليّ الْأَشْقَر وَغَيرهم وروى وَسمع من السلفى بالاسكندرية وَكَانَ شَافِعِيّ
الْمَذْهَب وَلما مهر تعلق بالوزير عون الدّين ابْن هُبَيْرَة فولاه نظر الْبَصْرَة ثمَّ نظر وَاسِط فَلَمَّا مَاتَ الْوَزير ضعف أمره فَقدم دمشق سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وتعرف بمدبر الدولة القَاضِي كَمَال الدّين الشهرزوري واتصل بطريقة بِنَجْم الدّين أَيُّوب وَالِد السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَكَانَ يعرف عَمه الْعَزِيز من تكريت فاستخدمه كَمَال الدّين عِنْد السُّلْطَان نور الدّين الشَّهِيد فِي الانشاء فجبن أَولا وَكَانَ ينشئ بالعجمية وترقت مَنْزِلَته عِنْد نور الدّين وجهزه رَسُولا إِلَى بَغْدَاد أَيَّام المستنجد وفوض إِلَيْهِ تدريس الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بالعمادية بِدِمَشْق ورتبه فِي إشراف الدِّيوَان فَلَمَّا مَاتَ نور الدّين وَقَامَ وَلَده ضويق من الَّذين حوله فسافر إِلَى الْعرَاق وَلما بلغه وُصُول صَلَاح الدّين إِلَى دمشق وَأَخذهَا عَاد إِلَى الشَّام وَصَلَاح الدّين على حلب فمدحه وَلزِمَ ركابه إِلَى أَن اسْتَكْتَبَهُ وَمَال إِلَيْهِ واطلعه على سره وَكَانَ يضاهي الوزراء وَإِذا انْقَطع الْفَاضِل بِمصْر لمصَالح صَلَاح الدّين
قَامَ مقَامه وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن توفّي صَلَاح الدّين فاختلت أَحْوَاله وَلم يجد فِي وَجهه بَابا فَلَزِمَ بَيته وَأَقْبل على التصنيف إِلَى أَن توفّي مستهل شهر رَمَضَان سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَدفن بمقابر الصُّوفِيَّة بِدِمَشْق وَكَانَ بَينه وَبَين القَاضِي الْفَاضِل سنة فِي الْوَفَاة ولعمري لقد كَانَ ذَا قدرَة على النّظم والنثر أَكثر مِنْهُ وَأرى أَن شعره ألطف من نثره لإنه أَكثر من الجناس فِيهِ وَبَالغ حَتَّى يعود كَلَامه كَأَنَّهُ ضرب من الرقي والعزائم وَإِنَّمَا لطف نظمه بِالنِّسْبَةِ إِلَى نثره لإن الْوَزْن كَانَ يضايقه فَلَا يَدعه يتَمَكَّن من الجناس وَقد عَابَ النَّاس مِمَّن لَهُ ذوق وفطرة سليمَة كَثْرَة التَّجْنِيس لإنه دَلِيل التَّكَلُّف وَقَالُوا كلما قل كَانَ أحسن ورؤى كالطراز فِي الثَّوْب وَالْخَال الْوَاحِد فِي الوجنة الْكَامِل
والخد بهجته بخال وَاحِدوتقل فِيهِ بِكَثْرَة الخيلان
وَأَيْنَ مرماه من مرمى القَاضِي الْفَاضِل وَيَا بعد مَا بَين المنزعين وَيَا فرق مَا بَين الطَّرِيقَيْنِ الْكَامِل
إِنِّي رَأَيْت الْبَدْر ثمَّ رَأَيْتهَامَاذَا عَليّ إِذا عشقت الأحسنا
وَانْظُر إِلَى الْقُرْآن الْكَرِيم وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة والْآثَار المروية عَن الصَّحَابَة وَالسَّلَف هَل تَجِد)
الجناس فِي ذَلِك كُله إِلَّا أقل من غيبَة الرَّقِيب وَوصل الحبيب وَلم اقل هَذَا غضاً من قدره وَلَا فضاً لختم سره إِذْ هُوَ الْبَحْر العجاج وَفَارِس الْكِتَابَة الَّذِي يفرج بأنابيب أقلامه مضايق العجاج وَلَكِن لما زَاد فِي اسْتِعْمَال الجناس ضَاقَتْ بتردده الأنفاس وَأصْبح الْكَلَام من الْقُلُوب وحشياً وَمن الأسماع حوشيا أَلا ترى قَوْله فَلَمَّا أَرَادَ الله السَّاعَة الَّتِي جلاها لوَقْتهَا وَالْآيَة الَّتِي لَا أُخْت لَهَا فَتَقول هِيَ أكبر من أُخْتهَا أفضت اللَّيْلَة الماطلة إِلَى فجرها ووصلت الدُّنْيَا الْحَامِل إِلَى تَمام شهرها وَجَاءَت بواحدها الَّذِي تُضَاف إِلَيْهِ الْأَعْدَاد ومالكها الَّذِي لَهُ الأَرْض بِسَاط وَالسَّمَاء خيمة والحبك أطناب وَالْجِبَال أوتاد وَالشَّمْس دِينَار والقطر دَرَاهِم والأفلاك خدم والنجوم أَوْلَاد لما كَانَ هَذَا خَالِيا من الجناس عذب فِي السّمع وقعه واتسع فِي الْإِحْسَان صقعه ورشفه اللب مدامة وَكَانَ عِنْد من لَهُ ذوق أطرب من تغريد حمامة وَقَوله ورد الْكتاب الْكَرِيم الْأَشْرَف الَّذِي كرم وَشرف وأسعد وأسعف وأجنى الْعِزّ وأقطف وأوضح الْجد وَعرف وقوى الْعَزْم وَصرف والهج بِالْحَمْد وأشغف وَجمع شَمل الحبى وَألف فَوقف الْخَادِم عَلَيْهِ وأفاض فِي شكر فيض فَضله المستفيض وتبلج وَجه وجاهته وتأرج نبا نباهته مَا عرفه من عوارفه الْبيض وَأمنت بمكارمه المكاره وَزَاد فِي قدر التائه قدره النابه وافترت مباسم مراسمه عَن ثنايا مناجحه ورفد طلائع صنائعه فسر بمنن منائحه وَاسْتمرّ على هَذَا النهج إِلَى آخِره فَانْظُر إِلَى قلق هَذَا التَّرْتِيب وكل كَلَامه من هَذَا النمط وغالب مَا ينشئه إِذا تحامل السّمع لَهُ سقط وَلم يكفه هَذَا بل أَنه يكثر من رد الْعَجز على الصَّدْر كَقَوْلِه وسر أولياءه وأولي مسرته وأقدر يَده وأيد قدرته وآزر دولته وأدال موازرته وَبسط مكنته وَمكن بسطته وأسعد جده وَأَجد سعادته وَأَرَادَ نجحه وأنجح إِرَادَته وَأجل جيله وسر أسرته وحاط حماه وَحمى حوطته وَلَا زَالَ معروفه مواليا ومواليه مَعْرُوفا وَوَصفه حسنا وإحسانه مَوْصُوفا وألفه بارا وباره مألوفا وَعطفه كَرِيمًا
وَكَرمه مَعْطُوفًا وَقد اقتصرت على هَذَا الْقدر وقلما يَخْلُو كَلَامه من هَذَا النَّوْع الغث وَالضَّرْب الرث وَله رسائل الْتزم فِي وَاحِدَة الدَّال فِي كل كلمة وَالضَّاد فِي الْأُخْرَى وَالْمِيم فِي الْأُخْرَى والشين فِي أُخْرَى وَأَشْيَاء من هَذَا النمط الَّذِي يقذفه السّمع ويمجه يقطعهُ الانكار ويحجه وديوانه يدْخل فِي أَربع مجلدات كبار وَمن نظمه الرمل
وهضيم الكشح فِي حبي لَهُلم يزدني كاشحي إِلَّا اهتضاما
كرم العاشق فِيهِ مثل مَالؤم العاذل فِيهِ حِين لاما
)
بقوام علم الهز القناولحاظ تودع السكر المداما
أتراه إِذْ تثنى ورناسمهريا هز أم سل حساما
خَدّه يجرحه لحظ الورىفَلِذَا عَارضه يلبس لاما
ويريك الْخط مِنْهُ دائراهَالة الْبَدْر إِذا حط اللثاما
وكثيب الرمل قد أخجلهوقضيب البان ردفاً وقواماً
ويعجبني قَوْله فِي أترجة الطَّوِيل
وأترجة صفراء لم أدر لَوْنهَاأَمن فرق السكين أم فرقة السكن
بِحَق عرتها صفرَة بعد خضرَةفَمن شجر بَانَتْ وَصَارَت إِلَى شجن
وَمثله قَول الْأُخَر الْبَسِيط
أمسيت أرْحم أترجا وَأَحْسبهُفِي صفرَة اللَّوْن من بعض الْمَسَاكِين
عجبت مِنْهُ فَمَا أَدْرِي أصفرتهمن فرقة الْغُصْن أَو خوف السكاكين
وَمن هَذِه الْمَادَّة قَول الْغَزِّي الْبَسِيط
كالشمع يبكي وَلَا يدْرِي أعبرتهمن صُحْبَة النَّار أَو من فرقة الْعَسَل
ويعجبني قَوْله أَيْضا أَعنِي الْعِمَاد الْخَفِيف
(هِيَ كتبي فَلَيْسَ تصلح من بعدِي لغير الْعَطَّار والاسكافي)
هِيَ إِمَّا مزاود للعقاقير وَإِمَّا بطائن للخفاف
قَالَ ابْن ظافر فِي بَدَائِع الْبِدَايَة أَخْبرنِي الشريف فَخر الدّين أَبُو البركات الْعَبَّاس ابْن مُحَمَّد العباسي الْحلَبِي قَالَ أَخْبرنِي القَاضِي الْأَجَل عماد الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد الْأَصْفَهَانِي كَاتب الْملك النَّاصِر نور الله ضريحه قَالَ كنت أعشق بالموصل صَبيا سِرَاجًا وَكَانَ يواصلني فَكلما استويت على عَرْشه قَالَ لي اكتم عَليّ وَلَا تنطق بِحرف وَيزِيد فِي ذَلِك فصنعت فِي بعض الْأَيَّام بديها السَّرِيع
فديت سِرَاجًا إِذا لم يرجللوصل عِنْدِي أحد راج هُوَ
يَقُول لي اركبني وَلَا تفشهيُرِيد الجامي واسراجه
وَكتب إِلَيْهِ النشؤ أَحْمد بن نفاذة يستدعيه أَيَّام المشمش الطَّوِيل
دَعَا النَّاس للذات مشمش جلقفقد أَسْرعُوا من كل غرب ومشرق
)
فَقُمْ يَا عماد الدّين تحظ بِأَكْلِهِوَلَا تثن عَنهُ عَزمَة السّير تسبق
وَقل حِين يَبْدُو أَحْمَر اللَّوْن مشرقاًوَيَا حسنه من أَحْمَر اللَّوْن مشرق
لأكلك مَا يلقى الْفُؤَاد وَمَا لقىوللتوت مَا لم يبْق مني وَمَا بَقِي
فَأجَاب الْعِمَاد عَن ذَلِك الطَّوِيل
تغنم زمَان الْجُود فِي اللَّهْو وأسبقوفز باجتماع الشمل قبل التَّفَرُّق
هلموا إِلَيْنَا نَحْو مشمش جلقوَثمّ لما نهوى على الْأكل نَلْتَقِي
تصفر شوقاً لانتظار قدومناوَمن يتشوق ذَا الْفَضَائِل يشتق
وَمَا رمقت للشوق رمد عيونهفَإِن تترمق مِنْهُ تنظر وترمق
نواظر أحداق لَهَا فِي حدائقنواضر أَن يحدق بهَا الْمَرْء يحذق
إِذا حضرت أطباقه غَابَ رشدنالما نتلاقى من مشوق وشيق
لِأَن مذاب الشهد فِيهِ مجسدأجد لَهُ عهد الرَّحِيق الْمُعْتق
وَمَا اصفر إِلَّا خوف أَيدي جناتهفَلَيْسَ لَهُ أَمن من المتطرق
حكى جمرات بالأضي قد تعلّقتفيا عجبا من جمره الْمُتَعَلّق
كَأَن نُجُوم الأَرْض فَوق غصونهفيا حيرتا من نجمه المتألق
وحباتها محمرة وجناتهافَمن يرهَا مثلى يحب ويعشق
بَدَت بَين أوراق الغصون كَأَنَّهَاكرات نضار فِي لجين مطرق
فَلَمَّا أنشدت للسُّلْطَان صَلَاح الدّين قَالَ تَشْبِيه الْوَرق باللجين غير مُوَافق فَإِن الْوَرق أَخْضَر فَقَالَ الْعِمَاد بالزمرد محدق الطَّوِيل
تساقطها أشجارها فَكَأَنَّهَادَنَانِير فِي أَيدي الصيارف ترتقي
وَكتب الْعِمَاد إِلَيْهِ أَيْضا جَوَابا من أَبْيَات المنسرح
مُصَور بل مدور عجبترى بِهِ وَهُوَ جامد شعلا
فَفِي قُلُوب الْأَشْجَار مِنْهُ جذيوَفِي ظُهُور الغصون مِنْهُ حلى
طلوا بِمَاء النضار ظَاهرهلباطن فِي حشاه نَار طلا
(حلى تبر على عرائس أَغْصَان تشكت من قبلهَا عطلا)
حمر حسان الْوُجُوه قد لبستمن خضر أوراقها لَهَا حللا
)
عرائس من خدورها برزتتحسب أشجارها لَهَا كللا
وَهِي كشهب السَّمَاء راجمةجن جناة بقطفها كفلا
عيونها الرمد فِي ترقبناجاحظة أبرزت لنا مقلا
وَمن شعر الْعِمَاد الْكَاتِب الْكَامِل
متلون كمدامعي متعففكضمائري مُتَعَذر كوسائلي
أَنا فِي الضنى كالخصر مِنْهُ اشتكيمن جَائِر مَا يشتكي من جائل
وَمن شعره يمدح المستنجد بِاللَّه الطَّوِيل
وَمَا كل شعر مثل شعري فِيكُموَمن ذَا يقيس البازل الْعود بالنفض
وَمَا عز حَتَّى هان شعر ابْن هَانِيءوللسنة الغراء عز على الرَّفْض
وَمن شعره أَيْضا الْبَسِيط
أفدى الَّذِي خلبت قلبِي لواحظهوخلدت لدغات الْحبّ فِي كَبِدِي
صِفَات ناظره سقم بِلَا ألمسكر بِلَا قدح جرح بِلَا قَود
معشق الدل من تيه وَمن صلفمرنح الْعَطف من لين وَمن ميد
على محياه من نَار الصَّبِي شعلوَورد خديه من مَاء الْحَيَاة ندى
ويحكى عَنهُ أَنه قَالَ يَوْمًا للفاضل سر فَلَا كبا بك الْفرس فَأَجَابَهُ القَاضِي دَامَ عَلَاء الْعِمَاد وَهَذَا الْجَواب أول مصراع للْقَاضِي نَاصح الدّين الأرجاني فَإِن كَانَ الْفَاضِل استحضره فَحسن وَإِن كَانَ اخترعه فَأحْسن وكلا الْكَلَامَيْنِ مِمَّا يقْرَأ مقلوباً واجتمعا يَوْمًا فِي موكب السُّلْطَان وَقد انْتَشَر الْغُبَار لِكَثْرَة الفرسان بِمَا سد الفضاء فأنشده الْعِمَاد فِي الْحَال مرفل الْكَامِل
أما الْغُبَار فَإِنَّهُمِمَّا أثارته السنابك
والجو مِنْهُ مظلملَكِن أنار بِهِ السنابك
يَا دهر لي عبد الرحير فلست أخْشَى مس نابك
قلت لَيْسَ بَين الثَّالِث وَمَا قبله علاقَة وَإِنَّمَا الجناس اضطره إِلَى ذَلِك وَلما مَاتَ الْوَزير عون الدّين اعتقل الْعِمَاد فِي جملَة من اعتقل لإنه كَانَ يَنُوب عَنهُ فِي نظر وَاسِط فَكتب إِلَى عماد الدّين ابْن رَئِيس الرؤساء استاذ دَار المستنجد بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ الْكَامِل
(قل للْإِمَام علام حبس وَلِيكُم ... أولُوا جميلكم جميل ولائه أوليس إِذْ حبس الْغَمَام وليه ... خلى أَبوك سَبيله بدعائه)
وَهَذَا الْمَعْنى فِي غَايَة الْحسن لإنه أَشَارَ إِلَى قصَّة الْعَبَّاس فِي الاسْتِسْقَاء وَدُعَاء عمر ابْن الْخطاب ﵁ بِالْعَبَّاسِ فامطروا وَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ من يعودهُ فِي مَرضه ينشد مجزوء الْخَفِيف
أَنا ضيف بربعكمأَيْن أَيْن المضيف
أنكرتني معارفيمَاتَ من كنت أعرف
قَالَ شمس الدّين مَحْمُود الْمروزِي كنت بِحَضْرَة القَاضِي الْفَاضِل ﵀ وَكَانَ الْعِمَاد الْكَاتِب حَاضرا عِنْده فَلَمَّا انْفَصل قَالَ الْفَاضِل للْجَمَاعَة بِمَ تشبهون الْعِمَاد وَكَانَ عِنْده فَتْرَة عَظِيمَة وجمود فِي النّظر وَالْكَلَام فَإِذا أَخذ الْقَلَم أَتَى بالنثر وَالنّظم فكلهم شبهه بِشَيْء فَقَالَ مَا أصبْتُم هُوَ كالزناد ظَاهره بَارِد وباطنه فِيهِ نَار وَمن شعر الْعِمَاد الْكَاتِب السَّرِيع
اقنع وَلَا تطمع فَإِن الْفَتىكَمَاله فِي عزة النَّفس
وَإِنَّمَا ينقص بدر الدجىلأَخذه النُّور من الشَّمْس
وَمِنْه أَيْضا مجزوء الرجز
أبصرني مبلبلا وفِي الغرام ممتحن
فَقَالَ من قَاتلهقلت لَهُ قَائِل من
أَخذه من قَول الأول وَهُوَ مَشْهُور الرجز
قَالَت لترب مَعهَا مُنكرَةلوقفتي هَذَا الَّذِي نرَاهُ من
قَالَت فَتى يشكو الْهوى متيماًقَالَت بِمن قَالَت بِمن قَالَت بِمن
وَمِنْه قَول أبي الطّيب الْكَامِل
قَالَت وَقد رَأَتْ اصفراري من بِهِوتنهدت فأجبتها المتنهد
وَمن شعر الْعِمَاد الطَّوِيل
وَمَا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا صَحَائِفنورخ فِيهَا ثمَّ تمحي وتمحق
وَلم أر فِي دهري كدائرة المنىتوسعها الآمال والعمر ضيق
وصنف الْبَرْق الشَّامي وَهُوَ مَجْمُوع تَارِيخ بَدَأَ فِيهِ بِذكر نَفسه واتصاله بِخِدْمَة نور الدّين وَصَلَاح الدّين وَسَماهُ بذلك لإنه شبه تِلْكَ الْأَيَّام لطيبتها وسرعتها بالبرق وَهُوَ فِي سبع مجلدات وَالْفَتْح الْقُدسِي وَيُقَال إِنَّه لما عرضه على الْفَاضِل قَالَ سمه الْفَتْح القسي فِي الْفَتْح الْقُدسِي قلت)
وَلَو قَالَ الْفَتْح الْقُدسِي فِي الْفَتْح الْقُدسِي لَكَانَ أحسن لأنّ رَسُول الله ﷺ قَالَ لحسان روح الْقُدس ينفث فِي روعك ونصرة الفترة وعصرة القطرة تَارِيخ الدولة السلجوقية والبرق الشَّامي فِي أَخْبَار صَلَاح الدّين وفتوحه وأحواله وحوادث الشَّام فِي أَيَّامه وَكتاب خطْفَة البارق وعطفة الشارق وَكتاب عتب الزَّمَان فِي عُقبى الْحدثَان وأخبار الْمُلُوك السلجوقية ونحلة الرحلة وَحلية العطلة وخريدة الْقصر وجريدة الْعَصْر والذيل عَلَيْهَا ورأيتها بِخَطِّهِ وَيُقَال إِنَّه لما فرغ مِنْهَا جهزها إِلَى القَاضِي الْفَاضِل فِي ثَمَانِيَة اجزاء فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا مَا أَعْجَبته وَقَالَ أَيْن الْآخرَانِ لِأَنَّهُ قَالَ خري ده يَعْنِي خرى عشرَة لِأَن ده بالعجمي عشرَة وَمن هُنَا أَخذ ابْن سناء
الْملك قَوْله فِيهَا السَّرِيع
خريدة أفية من نتنهاكَأَنَّهَا من بعض أنفاسه
فنصفها الأول فِي ذقنهوَنِصْفهَا الآخر فِي رَأسه
وَرَأَيْت مكاتبات القَاضِي الْفَاضِل إِلَيْهِ جُزْءا والعماد ﵀ طَوِيل النَّفس فِي رسائله وقصائده وَله ديوَان دوبيت وَلما التقى الْعِمَاد الْفَاضِل على حمص مدحه بقصيدة فَدخل على صَلَاح الدّين وَقَالَ لَهُ غَدا تَأْتِيك تراجم الْأَعَاجِم وَمَا يحلهَا مثل الْعِمَاد فَقَالَ لَهُ مَالِي عَنْك مندوحة أَنْت كاتبي ووزيري وَرَأَيْت على وَجهك الْبركَة فَإِذا استكتبت غَيْرك تحدث عَنْك النَّاس فَقَالَ هَذَا يحل التراجم وَرُبمَا أغيب أَنا فَإِذا غبت قَامَ مقَامي وَقد عرفت فَضله وخدمته لنُور الدّين فاستخدمه
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع