من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أُختُ الرشيد
عُلَيَّة بنت الْمهْدي أَمِير الْمُؤمنِينَ مُحَمَّد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الله الْمَنْصُور العبَّاسيَّة أُخْت أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد أُمُّها مَكنونة اشتُريت للمهدي بِمِائَة ألف دِرْهَم وَكَانَت عُلَيَّة من أحسن النِّسَاء وأظرفهن وأعقلهن ذَات صِيَانة وأدب بارع تزوَّجها مُوسَى بن عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد العبَّاسي وَكَانَ الرشيد يُبَالغ فِي إكرامها واحترامها
وَلها ديوَان شعر معروفٌ بَين الأُدباء عاشت خمسين سنة وَتوفيت سنة عشر وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ سَبَب وفاتها أنَّ الْمَأْمُون سلَّم عَلَيْهَا فضمَّها إِلَيْهِ وَجعل يقبِّل رَأسهَا ووجهُها مغطَّى فشرِقتْ من ذَلِك ثمَّ حُمَّت وَمَاتَتْ لأيام يسيرَة وَكَانَت تتغزَّل فِي خادمين اسْم الْوَاحِد رشأ وَالْآخر طَلّ فَمن قَوْلهَا فِي طَلّ الْخَادِم)
أَيا سرحَةَ البستانِ طَال تَشَمُّسيفَهَل لي إِلَى ظِلٍّ إِلَيْك سبيلُ
مَتى يشتفي من ليسَ يُرجى خُرُوجهوليسَ لمن يهوى إِلَيْهِ دخولُ
فَبلغ الرشيد ذَلِك فَحلف أنَّها لَا تذكره ثمَّ تسمَّع عَلَيْهَا يَوْمًا فَوَجَدَهَا وَهِي تدرس آخر سُورَة الْبَقَرَة حتَّى بلغت قَوْله تَعَالَى فَإِن لم يُصِبْها وابلٌ فَطَلٌّ فَلم تلفِظ بِهِ وَقَالَت فَإِن لم يصبهَا وابلٌ فَمَا نَهَانَا عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَدخل الرشيد وقبَّل رَأسهَا وَقَالَ لَهَا لقد وهبت لَك طلاًّ وَلَا منعتكِ بعد هَذَا عمَّا تريدين مِنْهُ ذكر ذَلِك الصولي
وَكَانَت عُلَيَّة من أعفّ النَّاس كَانَت إِذا طهرت لَزِمت الْمِحْرَاب وَإِذا لم تكن طَاهِرَة غنَّتْ
ولمَّا خرج الرشيد إِلَى الرَّيّ أَخذهَا مَعَه فلمَّا وصل إِلَى المرج بهَا نظمت قَوْلهَا
ومغتربٍ بالمرج يبكي لشجوهوَقد غَابَ عَنهُ المسعِدون على الحبِّ
إِذا مَا أَتَاهُ الرَّكبُ من نَحْو أرضهتنشَّقَ يستشفي برائحة الرَّكبِ
وصاغت فِي الْحَال لَهما لحناً وغنَّت بِهِ فلمَّا سمع الصوتَ علم أنَّها قد اشتاقت إِلَى الْعرَاق وأهلُها بِهِ فَأمر بردِّها وَكَانَ قد عَوَّدها الدُّخُول إِلَيْهَا إِذا دخل إِلَى حُرَمه فأغفل ذَلِك يَوْمًا فَقَالَت
أَهلِي سلوا ربَّكمُ العافيهْفقد دهتني بعدكم داهيهْ
مَا لي أرى الأبصارَ بِي خافيهْلم تلتفتْ منِّي إِلَى ناحيهْ
مَا ينظر النَّاس إِلَى المُبتلىوإنَّما الناسُ مَعَ العافيهْ
وَمن شعرهَا
إنِّي كثرتُ عَلَيْهِ فِي زيارتهفملَّ والشيءُ مملولٌ إِذا كثرا
ورابني مِنْهُ أنِّي لَا أَزَال أرىفِي طرفه قِصَراً عنِّي إِذا نظرا
وَمِنْه
كتمتُ اسمَ الحبيب عَن العبادِوردَّدْتُ الصبابَةَ فِي فُؤَادِي
فواشوقي إِلَى نادٍ خَليٍّلعلِّي باسمِ مَن أَهْوى أنادي
وَمن قَوْلهَا فِي رشأ الْخَادِم تصحِّفه
أضحى الْفُؤَاد بزينباصبًّا كئيباً متعَبا
فجعلتُ زينبَ سُترةًوكتمتُ أمرا معجِبا
)
وَمِنْه
سلطانُ مَاذَا الغضبُتظلمني وتعتبُ
مَا ليَ ذنبٌ فَإِذاشئتَ فإنِّي مذنبُ
وَمِنْه
تَعَالَوْا ثمَّ نصطبحُونلهو ثمَّ نقترحُ
ونجمعُ فِي لَذاذتنافإنَّ القومَ قد جمحوا
وَمِنْه
لَيْت شعري مَتى يكون التلاقيقد براني وسلَّ جسمي اشتياقي
غَابَ عنِّي من لَا أُسمِّيه خوفًاففؤادي مُعلَّقٌ بالتَّراقي
وَمِنْه
خلوتُ بِالرَّاحِ أُناجيهاأخذتُ مِنْهَا وأُعاطيها
نادمتُها إذْ لم أجد صاحباًأرضاه أَن يَشْرَكَني فِيهَا
قلتُ قَوْلهَا نادمتُها أكمل من قَول أبي نواس
على مثلهَا مثلي يكون منادميوَإِن لم يكن مثلي خلوتُ بهَا وحدي
وَمن شعرهَا
سَلِّمْ على ذَاك الغزالِ الأغيدِ الحلوِ الدلالِ
سَلِّمْ عَلَيْهِ وقُلْ لَهُيَا غُلَّ ألبابِ الرجالِ
خَلَّيتَ جسمي ضاحياًوسكنتَ فِي ظلِّ الحجالِ
وبلغتَ منِّي غَايَةلم أدرِ فِيهَا مَا احتيالي
وَمِنْه وَقد حجَّت مَعَ رشأ
بَين الإزارين من المُحْرِمِتَوْليهُ عقلِ الرجلِ المسلمِ
مرَّ إِلَى الركنِ فزاحمتُهُفاستلمَ الرُّكْن وَلم يَلْثَمِ
وفاتَ بالسبقِ إِلَى زمزمٍوكانتِ اللذاتُ فِي زمزمِ
شربتُ فِي الظلماءِ من بعدهفلستُ أنسى طعمَه فِي فمِي
وَمِنْه)
قُم يَا نديمي إِلَى الشَّمولِقد نمتَ فِي ليلك الطويلِ
أما ترى النجمَ قد تبدَّىوهمَّ بَهرامُ بالأفولِ
قد كنتَ عَضْبَ اللِّسَان عهديفَرُحتَ ذَا منطقٍ كليلِ
مَن عاقرَ الراحَ أخرستْهُوَلم يُجِبْ منطِقَ السَّؤولِ
وَمِنْه
أَتَانِي عنكِ سبُّكِ لي فَسُبِّيأليسَ جرة بفيكِ اسْمِي فحسبي
وقُولي مَا بدا لكِ أَن تقوليفَمَاذَا كلُّه إلَاّ لحبِّي
قُصاراكِ الرجوعُ إِلَى مراديفَمَا تهوَين من تعذيبِ قلبِي
وَمِنْه
قلْ لذِي الطُّرَّةِ والأصداغِ والوجهِ المليحِ
وَلمن أشعلَ نَار الحبِّ فِي قلبٍ قريحِ
مَا صحيحٌ فتكتْ عيناكَ فِيهِ بصحيحِ
وَمِنْه
أَلْبِسِ الماءَ المداماواسقني حتَّى أناما
وأَفِضْ جودك فِي الناسِ تكنْ فيهم إِمَامًا
لعنَ اللهُ أَخا البخلِ وَإِن صلَّى وصاما
وَمِنْه
إِذا كنتَ لَا يُسليك عمَّن تُحبُّهتناءٍ وَلَا يَشفيك طولُ تلاقي
فَهَل أنتَ إلَاّ مستعيرٌ حُشاشةًلمهجةِ نفسٍ آذنتْ بفراقِ
وَمِنْه
صحائفُنا إشارتُناوأكثرُ رُسْلنا الحَدَقُ
لأنَّ الكُتْبَ قد تُقْراوَلَيْسَ برُسْلنا نَثِقُ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع