تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

قيس بن الملوح

ديوان قيس بن الملوح

ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن قيس بن الملوح؟

قيس بن الملوح بن مُزَاحم بن قيس هُوَ مَجْنُون بني عَامر قَالَ صَاحب الأغاني لم يكن مَجْنُونا وَلَكِن كَانَت بِهِ لوثة كلوثة ابي حَيَّة

كَانَ سَبَب عشقه لليلى أَنه أقبل ذَات يَوْم على نَاقَة لَهُ كَرِيمَة وَعَلِيهِ حلتان من حلل الْمُلُوك فَمر بِامْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا كَرِيمَة وَعِنْدهَا جمَاعَة من النِّسَاء يتحادثن فِيهِنَّ ليلى فأعجبهن جماله وكماله فدعونه إِلَى النُّزُول فَنزل فَجعل يحدثهن وَأمر عبدا كَانَ مَعَه فعقر لَهُنَّ نَاقَته وحدثهن بَقِيَّة يَوْمه

بَينا هُوَ كَذَلِك إِذْ طلع فَتى فِي بردة من برود الْأَعْرَاب يُقَال لَهُ منَازِل يَسُوق معزى لَهُ فَلَمَّا رأينه أقبلن عَلَيْهِ وتركن الْمَجْنُون فَغَضب وَخرج من عِنْدهن وَقَالَ

أأعقر من جراً كَرِيمَة نَاقَتيووصلي مقرونٌ بوصل منَازِل
إِذا جَاءَ قعقعن الْحلِيّ وَلم أكنإِذا جِئْت أرْضى صَوت تِلْكَ الخلاخل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»
مَتى مَا انتضلنا بِالسِّهَامِ نضلتهوَإِن يرم رشقاً عِنْدهَا فَهُوَ ناضلي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»

وَلما أصبح لبس حلتيه وَركب نَاقَة أُخْرَى وَمضى معرضًا لَهُنَّ فألفى ليلى قَاعِدَة بِفنَاء بَيتهَا وَقد علق حبه بقلبها وَعِنْده جويريات يتحدثن مَعهَا فَوقف بِهن وَسلم فدعونه إِلَى النُّزُول وقلن لَهُ هَل لَك فِي محادثة من لَا يشْغلهُ عَنْك منَازِل وَلَا غَيره فَقَالَ إيه لعمري

وَنزل مثل مَا فعله بالْأَمْس فَأَرَادَتْ ليلى ان تعلم هَل لَهَا عِنْده مثل مَا لَهُ عغندها فَجعلت تعرض عَن حَدِيثه سَاعَة بعد سَاعَة وتحدث غَيره وَقد كَانَت شغفته واستملحها فَبينا هِيَ تحدثه إِذْ اقبل فَتى من الْحَيّ فدعته وسارته سراراً طَويلا ثمَّ قَالَت لَهُ انْصَرف وَنظرت إِلَى)

وَجه الْمَجْنُون وَقد تغير وامتقع لَونه فَقَالَت

كِلَانَا مظهرٌ لناس بغضاًوكل عِنْد صَاحبه مكين
تبلغنَا الْعُيُون بِمَا أردنَاوَفِي القلبين ثمَّ هوى دَفِين
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

فَلَمَّا سمع الْبَيْتَيْنِ شهق شهقة وأغمي عَلَيْهِ وَمكث على ذَلِك سَاعَة ونضحوا المَاء على وَجهه ثمَّ أَفَاق وَقد تمكن حل كل مِنْهُمَا فِي قلب صَاحبه وانفصلا وَقد أصَاب الْمَجْنُون لوثة

وَلم يزل فِي جنبات الْحَيّ مُنْفَردا عَارِيا لَا يلبس ثوبا إِلَّا خرقَة يهذي ويخطط فِي الأَرْض ويلعب بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَة لَا يُجيب أحدا يسْأَله فَإِذا أَحبُّوا أَن يتَكَلَّم أَو يثوب عقله إِلَيْهِ ذكرُوا لَهُ ليلى فَيَقُول بِأبي هِيَ وَأمي ثمَّ يرجع إِلَيْهِ عقله وينشدهم

فَلَمَّا تولى الصَّدقَات عَلَيْهِم نَوْفَل بن مساحق رأى الْمَجْنُون يلْعَب بِالتُّرَابِ عُريَانا وَحكي لَهُ مَا هُوَ فِيهِ فَأَرَادَ أَن يكلمهُ فَقيل لَهُ مَا يكلمك إِلَّا إِن ذكرت لَهُ ليلى وحديثها فَذكرهَا فَأقبل يحدثه بحديثها وينشده شعره فِيهَا فرق لَهُ نَوْفَل وَقَالَ لَهُ أَتُحِبُّ أَن أزَوّجكَهَا قَالَ نعم وَهل لي إِلَى ذَلِك سَبِيل فَدَعَا لَهُ بِثِيَاب فألبسه إِيَّاهَا وَرَاح مَعَه كأصح مَا يكون يحدثه وينشده فَبلغ ذَلِك رَهْط ليلى فتقلوه فِي السِّلَاح وَقَالُوا لَهُ لَا وَالله يَا ابْن مساحق لَا يدْخل الْمَجْنُون مَنَازلنَا أبدا وَقد أهْدر السُّلْطَان دَمه فَأقبل بهم وَأدبر فَأَبَوا فَقَالَ للمجنون إِن انصرافك أَهْون من سفك الدِّمَاء فَانْصَرف وَقَالَ

أيا وَيْح من أَمْسَى يخلس عقلهفَأصْبح مذهوباً بِهِ كل مَذْهَب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
خلياً من الخلان إِلَّا معذراًيضاحكني من كَانَ يهوى تجنبي
إِذا ذكرت ليلى عقلت وراجعتروائع عَقْلِي من هوى متشعب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
وَقَالُوا صَحِيح مَا بِهِ طيف جنةٍوَلَا الْهم إِلَّا بافتراء التكذب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
تجنبت ليلى أَن يلج بك الْهوىوهيهات كَانَ الْحبّ قبل التجنب
للشاعر النميري، اقرأ القصيدة
أَلا إِنَّمَا غادرت يَا أم مالكٍصدىً أَيْنَمَا تذْهب بِهِ الرّيح يذهب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»

ثمَّ إِن أَبَا الْمَجْنُون وَأمه وعشيرته اجْتَمعُوا إِلَى أبي ليلى ووعظوه وَنَاشَدُوهُ الرَّحِم وَقَالُوا لَهُ إِن هَذَا الرجل هَالك وَقد حكمناك فِي الْمهْر فَأبى وَحلف بِالطَّلَاق أَنه لَا يُزَوجهُ بهَا أبدا وَقَالَ أفضح نَفسِي وعشيرتي وَاسم ابْنَتي بميسم فضيحة فانصرفوا عَنهُ وَزوجهَا رجلا من قومه وَبنى بهَا فِي تلمك اللَّيْلَة فيئس الْمَجْنُون وَزَالَ عقله جملَة)

فَقَالَ الْحَيّ لِأَبِيهِ احجج بِهِ إِلَى مَكَّة وادع الله لَهُ فَلَعَلَّهُ أَن يخلصه فحج بِهِ

فَلَمَّا صَار بمنى سمع صَارِخًا بِاللَّيْلِ يَصِيح يَا ليلى فَصَرَخَ صرخة كَادَت نَفسه تتْلف وخر مغشياً عَلَيْهِ

وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى أصبح ثمَّ أَفَاق حَائِل اللَّوْن ذاهلاً وَأَنْشَأَ يَقُول

عرضت على قلبِي العزاء فَقَالَ ليمن الْآن فايأس لَا أعزّك من صَبر
إِذا بَان من تهوى وَأصْبح نَائِبافَلَا شَيْء أجدى من حلولك فِي الْقَبْر
وداعٍ دَعَا بالخيف غذ نَحن من منىفهيج أحزان الْفُؤَاد وَمَا يدْرِي
دَعَا باسم ليلى غَيرهَا فَكَأَنَّمَاأطار بليلي طائراً كَانَ فِي صَدْرِي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»
دَعَا باسم ليلى ضلل الله بغيهوليلى بأرضٍ عَنهُ نازحةٍ قفر

قَالَ الْعُتْبِي مر الْمَجْنُون ذَات يَوْم بِزَوْج ليلى وَهُوَ جَالس يصطلي فِي يَوْم بَارِد وَقد أَتَى ابْن عَم لَهُ فِي حَيّ الْمَجْنُون لحَاجَة فَوقف عَلَيْهِ ثمَّ أنشأ يَقُول

بِرَبِّك هَل ضممت إِلَيْك ليلىقبيل الصُّبْح أَو قبلت فاها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بربك هل ضممت إليك ليلى»
وَهل رقت عَلَيْك قُرُون ليلىرفيف الأقحوانة فِي نداها

فَقَالَ لَهُ اللَّهُمَّ غذ حلفتني فَنعم

فَقبض الْمَجْنُون بكلتا يَدَيْهِ قبضتين من الْجَمْر فَمَا فارقهما حَتَّى سقط مغشياً عَلَيْهِ وَسقط الْجَمْر مَعَ لحم رَاحَته فَقَامَ زوج ليلى مُتَعَجِّبا مِنْهُ مغموماً بِفِعْلِهِ

ون شعره

أيا جبلي نعْمَان بِاللَّه خلياسَبِيل الصِّبَا يخلص غلي نسيمها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا جبلي نعمان بالله خليا»
أجد بردهَا أَو تشق مني حرارةعلى كبدٍ لم يبْق إِلَّا صميمها
فَإِن الصِّبَا ريحٌ إِذا مَا تنسمتعلى نفس مهمومٍ تجلت همومها
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

وَمِنْه وَبِه سمي الْمَجْنُون

يَقُول أنَاس عل مَجْنُون عامرٍيروم سلواً قلت أَنى لما بيا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وَقد لامني فِي حب ليلى أقاربيأخي وَابْن عمي وَابْن خَالِي وخاليا
يَقُولُونَ ليلى أهل بَيت عداوةٍبنفسي ليلى من عَدو وماليا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وَلَو كَانَ فِي ليلى شذى من خصومةٍللويت أَعْنَاق الْخُصُوم الملاويا

)

ويحكى أَنه لما قَالَ

خليلي لَا وَالله لَا أملك الَّذِيقضى الله فِي ليلى وَلَا مَا قضى ليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»
قَضَاهَا لغيري وابتلاني بحبهافَهَلا بشيءٍ غير ليلى ابتلانيا
للشاعر خليل مردم بك، من قصيدة «قفا عللا قبل التفرق عانيا»

فسلب عقله وبرص

وَمن شعره

جرى السَّيْل فاستبكاني السَّيْل إِذْ جرىوفاضت لَهُ من مقلتي غرُوب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
وَمَا ذَاك إِلَّا حِين أيقنت أَنهيمر بوادٍ أَنْت مِنْهُ قريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
يكون أجاجاً دونكم فَإِذا انْتهىإِلَيْكُم تلقى نشركم فيطيب
أظل غرب الدَّار فِي رض عامرٍأَلا كل مهجور هُنَاكَ غَرِيب
وَإِن الْكَثِيب الْفَرد من أَيمن الْحمىإِلَيّ وَإِن لم آته لحبيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
وَلَا خير فِي الدُّنْيَا إِذا أَنْت لم تزرحبيباً وَلم يطرب إِلَيْك حبيب
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

وَمِنْه

وأدنيتني حَتَّى إِذا مَا سبيتنيبقولٍ يحط العصم سهل الأباطح
تناءيت عني حِين لَا لي حيلةٌوخلفت مَا خلفت بَين الجوانح

وَمِنْه

أمزمعةٌ للبين ليلى وَلم تمتكَأَنَّك عَمَّا قد أظلك غافل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمزمعة للبين ليلى ولم تمت»
ستعلم إِن شطت بهم غربَة النَّوَىوزالوا بليلى أَن لبك زائل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمزمعة للبين ليلى ولم تمت»

وَمِنْه

كَأَن الْقلب لَيْلَة قيل يغدىبليلى العامرية أَو يراح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»
قطاةٌ غرها شرك فَبَانَتتجاذبه وَقد علق الْجنَاح

وَلم يزل الْمَجْنُون يهيم فِي كل وَاد وَيتبع الظباء وَيكْتب مَا يَقُوله على الرمل وَلَا يأنس بِالنَّاسِ حَتَّى أصبح مَيتا فِي وَاد كثير الْحِجَارَة وَمَا دلّ عَلَيْهِ إِلَّا رجل من بني مرّة فَحَضَرَ أَهله وغسلوه وكفنوه وَاجْتمعَ فتيَان حَيّ ليلى يبكونه أحلا بكاء وَلم ير باك وباكية أَكثر من ذَلِك الْيَوْم وَذَلِكَ فِي حُدُود السّبْعين لِلْهِجْرَةِ

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْقَاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.