تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

كافور الأخشيدي

كافور أَبُو الْمسك الْخَادِم السود الحبشي الْأُسْتَاذ الأخشيدي السُّلْطَان اشْتَرَاهُ أَبُو بكر مُحَمَّد بن طغج الأخشيد من بعض رُؤَسَاء المصريين

وَكَانَ أسود بصاصاً أبيع بِثمَانِيَة عشر دِينَارا ثمَّ تقدم عِنْده لعقله ورأيه وسعده إِلَى أَن كَانَ من كبار القواد وجهزه فِي جَيش لِحَرْب سيف الدولة

ثمَّ لما مَاتَ أستاذه صَار أتابك وَلَده أبي الْقَاسِم أنوجور وَكَانَ صَبيا فغلب كافور على)

الْأُمُور قَالَ وَكيله خدمت كافوراً وراتبه كل يَوْم ثَلَاثَة عشر جراية وَتُوفِّي وَقد بلغت ثَلَاثَة عشر ألف جراية

ولي أنوجور ملكة مصر وَالشَّام إِلَّا الْيَسِير بِعقد الراضي بِاللَّه وَالْمُدبر لَهُ كافور فَمَاتَ أنوجور سنة تسع وَأَرْبَعين وثلاثمائة وأقيك مَكَانَهُ أَخُوهُ أَبُو الْحسن عَليّ وَمَات فِي أول سنة خمس وَخمسين وثلاثمائة فاستقل كافور بِالْأَمر وَركب فِي الدست بخلع أظهر أَنَّهَا جَاءَتْهُ من الْخَلِيفَة وتقليد

وَتمّ لَهُ الْأَمر وَلم يبلغ أحد من الخدم مَا بلغه

وَكَانَ ذكياً لَهُ نظر فِي الْعَرَبيَّة وَالْأَدب وَالْعلم

وَمِمَّنْ كَانَ فِي خدمته إِبْرَاهِيم النجيرمي صَاحب الزّجاج النَّحْوِيّ

وَكَانَت لأيامه سديدة جميلَة ودعي لَهُ على المنابر بالحجاز ومصر وَالشَّام والثغور طرسوس والمصيصة واستقل بِملك مصر سنتَيْن وَأَرْبَعَة أشهر وَتُوفِّي فِي جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة وعاش بضعاً وَسِتِّينَ سنة وَدفن بالقرافة الصُّغْرَى وَكَانَ وزيره أَبُو الْفضل جَعْفَر بن الْفُرَات

وَكَانَ كافور يحب الْخَيْر قَالَ بَعضهم حضرت مجْلِس كافور فَدخل رجل ودعا لَهُ وَقَالَ أدام الله أَيَّام مَوْلَانَا بِكَسْر الْمِيم فَتحدث جمَاعَة من الْحَاضِرين فِي ذَلِك وعابوه عَلَيْهِ فَقَالَ رجل من أوساط النَّاس وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مُحَمَّد بن حشيش الجيزي اللّغَوِيّ الأخباري كَاتب كافور وَالَّذِي دَعَا لكافور ولحن هُوَ أَبُو الْفضل ابْن ميحاس

وَأنْشد أَبُو إِسْحَاق الْمَذْكُور مرتجلاً

لَا غرو أَن لحن الدَّاعِي لسيدناوغص من دهشٍ بالريق أَو بهر
فَتلك هيبته حَالَتْ جلالتهابَين الأديب وَبَين القَوْل بالحصر
وَإِن يكن خفض الْأَيَّام من غلطٍفِي مَوضِع النصب لَا عَن قلَّة النّظر
فقد تفاءلت من هَذَا لسيدناوالفأل نأثره عَن سيد الْبشر
بِأَن أَيَّامه خفضٌ بِلَا نصبٍوَأَن أوقاته صفوٌ بِلَا كدر

وَكَانَ كافور لَا يَأْخُذ نَفسه برئاسة كَبِيرَة

يُقَال إِنَّه كَانَ يَوْمًا ماراً فِي الكافوري بِالْقَاهِرَةِ فصاحت امْرَأَة يَا كافور وَهُوَ غافل فَالْتَفت)

إِلَيْهَا وَرَأى أَن ذَلِك نقص مِنْهُ وهفوة

وَكَانَ كلما مر هُنَاكَ الْتفت وَلم تزل عَادَته إِلَى ان مَاتَ

وَيُقَال أَيْضا إِنَّه مر يَوْمًا برا بَاب اللوق وأناس من الحرافيش السودَان يضْربُونَ بالطبيلة ويرقصون فنسي روحه وهز كتفه طَربا وَلم يزل بعد ذَلِك يهزها كل قَلِيل إِلَى أَن مَاتَ

ومدحه أَبُو الطّيب المتنبي بقصائده الطنانة فَمن ذَلِك قصيدته الَّتِي مِنْهَا

وخيلاً مددنا بَين آذانها القنافبتن خافاً يتبعن العواليا
نجاذب مِنْهَا فِي الصَّباح أَعِنَّةكَأَن على الْأَعْنَاق مِنْهَا أفاعيا
قواصد كافورٍ توارك غَيرهوَمن قصد الْبَحْر اسْتَقل السواقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»
فَجَاءَت بِنَا إِنْسَان عين زَمَانهوخلت بَيَاضًا خلفهَا ومآقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

مِنْهَا

ويحتقر الدُّنْيَا احتقار مجربٍيرى كل مَا فِيهَا وحاشاه فانيا

وَقَالَ فِيهِ قصيدته الَّتِي أَولهَا

أغالب فِيك الشوق والشوق أغلبوأعجب من ذَا الهجر والوصل أعجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

مِنْهَا

وأخلاق كافورٍ إِذا شِئْت مدحهوَإِن لم أشأ تملي عَليّ وأكتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إِذا ترك الْإِنْسَان أَهلا وَرَاءهويمم كافوراً فَمَا يتغرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

وَيُقَال إِنَّه لما فرغ مِنْهَا قَالَ يعز عَليّ أَن تكون هَذِه فِي غير سيف الدولة

وَحكي أَنه قَالَ كنت إِذا دخلت على كافور أنْشدهُ يضْحك غلي ويبش فِي وَجْهي

إِلَى أَن أنشدته قصيدتي الَّتِي مِنْهَا

وَلما صَار ود النَّاس خباًجزيت على ابتسامٍ بابتسام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وصرت أَشك فِي من أصطفيهلعلمي أَنه بعض الْأَنَام

قَالَ فَمَا ضحك بعْدهَا فِي وَجْهي إِلَى أَن تفرقنا فعجبت من فطنته وذكائه

ولبي الطّيب فِيهِ الأهاجي المؤلمة مثل قَوْله

مَا كنت أحسبني أَحْيَا إِلَى زمنٍِيسيء بِي فِيهِ كلب وَهُوَ مَحْمُود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
وَأَن ذَا السود المثقوب مشفرهتُطِيعهُ ذِي الغضاريط الرعاديد

)

أكلما اغتال عبد السوء سَيّدهأَو خانه فَلهُ فِي مصر تمهيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
نَامَتْ نواطير مصرٍ عَن ثعالبهاوَقد بشمن فَمَا تفنى العناقيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
العَبْد لَيْسَ لحر صالحٍ بأخٍلَو أَنه فِي ثِيَاب الْخَزّ مَوْلُود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
لَا تشتر العَبْد إِلَّا والعصا مَعَهإِن العبيد لأنجاس مناكيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
من علم الْأسود المخصي مكرمةٍأقومه الْبيض أم آباؤه الصَّيْد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أم أُذُنه فِي يَد النخاس داميةًأم قدره وَهُوَ بالفلسين مَرْدُود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
من كل رخو وكاء الْبَطن منفتقلَا فِي الرِّجَال وَلَا النسوان مَعْدُود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
مَا يقبض الْمَوْت نفسا م نُفُوسهمإِلَّا وَفِي يَده م نتنها عود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
أولى اللئام كوفير بمعذرةٍفِي كل لؤم وَبَعض الْعذر تفنيد
وَذَاكَ أَن الفحول الْبيض عاجزةٌعَن الْجَمِيل فَكيف الخصية السود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

وَمثل قَوْله أَيْضا

من أَيَّة الطّرق يَأْتِي مثلك الْكَرمأَيْن المحاجم يَا كافور والجلم
لَا شَيْء أقبح من فحلٍ لَهُ ذكرتقوده أمةٌ لَيست لَهَا رحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

وَله فِيهِ غير ذَلِك

وَمن قصائده الطنانات فِيهِ قَوْله

عَدوك مذمومٌ بِكُل لسانٍوَلَو كَانَ من أعدائك القمران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

وَقَوله

فراقٌ منَّة فَارَقت غير مذمموَأم وَمن يممت خير ميمم

وَلما غزا كافور دنقلة وَأكْثر جَيْشه سودان قَالَ شَاعِر

وَلما غزا كافور دنقلةً غَدابجيشٍ كطول الأَرْض فِي مثله عرض
غزا الْأسود السودَان فِي رونق الضُّحَىفَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ أظلمت الأَرْض

وَمَا أحسن مَا قَالَ القَاضِي محيي الدّين ابْن عبد الظَّاهِر فِي الْكتاب الَّذِي وَضعه جَوَابا عَن الْملك النَّاصِر صرح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب إِلَى الْخَلِيفَة الإِمَام النَّاصِر لما جهز إِلَيْهِ كتابا يُنكر فِيهِ أَشْيَاء وَقد علم كل مَا عاملوا بِهِ الْخلَافَة تضييقاً وتقتيراً وكونهم عوضوا عَن الألوف ذَهَبا برسم)

نفقاتهم فضَّة قدروها وَلَا تَقْديرا وَلَا خَفَاء بمناقضة أَحْمد بن طولون لما كَانَ على مصر أَمِيرا حِين طافت على الدولة تسلطاً بكاس كَانَ مزاجها كافوراً

وأنشدني لنَفسِهِ إجَازَة صفي الدّين الْحلِيّ من قصيدة وصفهَا فَقَالَ

على ابي الطّيب الْكُوفِي مفخرهاإِذا لم أَضَع مسكها فِي مثل كافور
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «من نفخة الصور أم من نفحة الصور»

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْكَاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.