من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
هبة الله بن وَزِير (٢) (٢)
الْحَافِظ الْفَسَوِي يَعْقُوب بن سُفْيَان بن جوان الْحَافِظ الْكَبِير الْفَسَوِي الْفَارِسِي صَاحب التَّارِيخ والمشيخة طوف الأقاليم وَسمع مَا لَا يُوصف كَثْرَة روى عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ لَا بَأْس بِهِ
وَكَانَ يتشيع وَيتَكَلَّم فِي عُثْمَان
قَالَ كنت أَكثر النّسخ فِي اللَّيْل وَقلت نفقتي فَجعلت أستعجل فنسخت لَيْلَة حَتَّى تصرم اللَّيْل فَنزل المَاء فِي عَيْني فَلم أبْصر السراج فَبَكَيْت على انقطاعي وعَلى مَا يفوتني من طلب الْعلم فَاشْتَدَّ بُكَائِي فَنمت فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم فناداني يَا يَعْقُوب بن سُفْيَان لم بَكَيْت فَقلت يَا رَسُول الله ذهب بَصرِي فتحسرت على مَا فَاتَنِي من كتب سنتك وعَلى الِانْقِطَاع عَن بلدي
فَقَالَ ادن مني
فدنوت مِنْهُ فَأمر يَده على عَيْني كَأَنَّهُ يقْرَأ عَلَيْهِمَا ثمَّ استيقظت فَأَبْصَرت وَأخذت بنسخي وَقَعَدت أكتب فِي السراج
وَتُوفِّي فِي حُدُود الثَّمَانِينَ والمائتين
الطَّبِيب النَّصْرَانِي الْمَقْدِسِي بالقدس فِي الحطيئة
الخازن الشَّافِعِي يَعْقُوب بن سُلَيْمَان بن دَاوُد أَبُو يُوسُف الخازن الإسفرائيني الْعرَاق وَالشَّام وَسكن بَغْدَاد وتفقه على القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ وَسمع مِنْهُ وَمن أبي طَالب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن
غيلَان الْبَزَّاز وَعلي بن أَحْمد بن عَليّ بن الْأَزْرَق السُّوسِي وَعبد الْعَزِيز بن عَليّ الْأَزجيّ
وَحدث بِكِتَاب السّنَن لأبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ عَن القَاضِي أبي نصر أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الكسار وَبِغَيْرِهِ
وَكَانَ خَازِن الْكتب بالنظامية وَهُوَ فَقِيه فَاضل حسن الْمعرفَة بالأصول على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَله معرفَة بالأدب وَكَانَ يكْتب خطا جيدا
وصنف كتاب المستظهري فِي الْإِمَامَة وشرائط الْخلَافَة وَبَعض السّير العادلة وَأورد فِيهِ أَشْيَاء من الْفِقْه وَالْأُصُول وسير الْخُلَفَاء وَكتاب محَاسِن الْآدَاب فِي بَدَائِع الْأَخْبَار وروائع الْأَشْعَار
وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَمن شعره
إِن الَّذِي قسم الْمَعيشَة فِي الورىقد خصني بالسير فِي الْآفَاق
مُتَرَدّد لَا أستريح من العنافِي كل يَوْم أبتلى بِفِرَاق
وَمِنْه
ألم بِنَا وَهنا فَقَالَ سَلامخيال لسلمى والرفاق نيام
ألم وَفِي أجفان عَيْني وصارميغراران نوم غَالب وحسام
أجيراننا بالخيف سقاكم الحيامراضع در مَا لَهُنَّ فطام
ظعنتم فسلمتم إِلَى الوجد مهجتيكَأَن قُلُوب الظاعنين سَلام
الْمَنْصُور المراكشي يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بن عَليّ
الملقب بالمنصور أَمِير الْمُؤمنِينَ
أَبُو يُوسُف الْقَيْسِي المراكشي
سُلْطَان الْمغرب أمه أم ولد ملك وعمره اثْنَان وَثَلَاثُونَ سنة عمر بمراكش بيمارستان غَرِيبا أجْرى فِيهِ مياها كَثِيرَة وغرس فِيهِ من جَمِيع الْأَشْجَار وزخرفه وَأمر لَهُ فِي كل يَوْم ثَلَاثِينَ دِينَارا للأدوية وَكَانَ يعود المرضى فِيهِ فِي كل جُمُعَة وَكتب إِلَيْهِ صَلَاح الدّين بن أَيُّوب يستنجده على الفرنج وخاطبه بأمير الْمُسلمين وَلم يخاطبه بأمير الْمُؤمنِينَ فَلم يجبهُ إِلَى مَا طلب وَوَقع بَين الْمَنْصُور هَذَا وَبَين الأدفونش ملحمة هائلة قل أَن وَقع مثلهَا قتل فِيهَا من الفرنج مئة ألف وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ ألف نفس وَقتل من الْمُسلمين نَحْو من عشْرين ألف نفس وَحمل من دروعهم لبيت المَال سِتُّونَ
ألف درع وَأما الدَّوَابّ فَلم يحص عَددهَا
وَكَانَ قد أَمر أَن لَا يُفْتى بِفُرُوع الْفِقْه وَأَن لَا يُفْتى إِلَّا بِالْكتاب وَالسّنة وَأَن تجتهد الْفُقَهَاء على طَريقَة أهل الظَّاهِر وَإِلَيْهِ تنْسب الدَّنَانِير اليعقوبية وَأمر بِقِرَاءَة الْبَسْمَلَة فِي أول الْفَاتِحَة فِي الصَّلَوَات وَأرْسل بذلك إِلَى سَائِر بِلَاد الْمُسلمين فَأجَاب قوم وَامْتنع آخَرُونَ وَكَانَ يشدد على الرّعية بِإِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس ويعاقب على تَركهَا وَيَأْمُر بالنداء فِي الْأَسْوَاق بالمبادرة إِلَيْهَا فَمن غفل عَنْهَا أَو اشْتغل عَنْهَا بمعيشة عزره تعزيرا بليغا وَقتل فِي بعض الأحيان على شرب الْخمر وَقتل الْعمَّال الَّذين تَشْكُو الرّعية مِنْهُم
وَقَالَ القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خلكان رَحمَه الله تَعَالَى وصل إِلَيْنَا جمَاعَة من مَشَايِخ الْمغرب وهم على تِلْكَ الطَّرِيق مثل أبي الْخطاب ابْن دحْيَة وأخيه أبي عَمْرو ومحيي الدّين ابْن الْعَرَبِيّ نزيل دمشق
وَكَانَ محبا للْعُلَمَاء محسنا إِلَيْهِم مقربا لَهُم وللأدباء مصغيا إِلَى المديح مثيبا عَلَيْهِ
وَله ألف أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد السَّلَام الجراوي صفوة الْأَدَب وديوان الْعَرَب فِي مُخْتَار الشّعْر
وَمن شعراء دولته أَبُو بكر يحيى بن عبد الْجَلِيل بن مجير الأندلسي وَقد تقدم ذكره فِي مَكَانَهُ
وَدخل عَلَيْهِ الأديب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الكاغي الْأسود الشَّاعِر فأنشده
أَزَال حجابه عني ودعينيترَاهُ من المهابة فِي حجاب
وقربني بِفضل مِنْهُ لَكِنبَعدت مهابة عِنْد اقترابي
وَكَانَ يَعْقُوب هَذَا صافي السمرَة جدا إِلَى الطول هُوَ جميل الْوَجْه أعين شَدِيد الْكحل ضخم الْأَعْضَاء جَهورِي الصَّوْت جذل الْأَلْفَاظ أصدق النَّاس لهجة وَأَحْسَنهمْ حَدِيثا وَأَكْثَرهم إِصَابَة بِالظَّنِّ مجربا للأمور
ولي وزارة أَبِيه فبحث عَن الْأَحْوَال بحثا شافيا وطالع مَقَاصِد الْعمَّال والولاة وَغَيرهم مطالعة أفادته معرفَة بجزئيات الْأُمُور
وَلما مَاتَ أَبوهُ اجْتمع رَأْي أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين وَبني عبد الْمُؤمن على تقدمته فَبَايعُوهُ وعقدوا لَهُ الْبيعَة وَدعوهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ كأبيه وجد ولقبوه الْمَنْصُور فَقَامَ بِالْأَمر أحسن قيام وَهُوَ الَّذِي أظهر أبهة ملكهم وَرفع راية الْجِهَاد وَنصب ميزانالعدل وَأقَام الْحُدُود حَتَّى على أَهله وعشيرته
وَخرج عَلَيْهِ عَليّ بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عَليّ بن غانة الملثم من جَزِيرَة ميورقة فِي شبعان سنة ثَمَانِينَ وَملك بجاية وَمَا حولهَا فَجهز إِلَيْهِ الْمَنْصُور يَعْقُوب عشْرين ألف فَارس وأسطولا فِي النَّهر ثمَّ خرج بِنَفسِهِ فِي أول ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فاستعاد مَا أَخذ من الْبِلَاد ثمَّ عَاد إِلَى مراكش سنة سِتّ وَثَمَانِينَ بلغه أَن الفرنج ملكوا مَدِينَة شلب وَهِي فِي غرب جَزِيرَة الأندلس فتجهز إِلَيْهَا بِنَفسِهِ وحاصرها وَأَخذهَا وأنفذ فِي الْوَقْت جَيْشًا من الْمُوَحِّدين وَمَعَهُمْ جمَاعَة من الْعَرَب ففتحوا أَربع مدن من بِلَاد الفرنج كَانُوا قد أخذوها من الْمُسلمين قبل ذَلِك بِأَرْبَعِينَ سنة
وخافه صَاحب طليطلة وَصَالَحَهُ خمس سِنِين وَعَاد إِلَى مراكش وَلما انْقَضتْ الْهُدْنَة وَلم يبْق مِنْهَا إِلَى الْقَلِيل خرجت طَائِفَة من الفرنج فِي جَيش كثيف إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فنهبوا وَسبوا وعاثوا عيثا فظيعا فَتوجه لقصدهم وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَجمع جيوشه من أَطْرَاف الْبِلَاد واحتفل احتفالا عَظِيما وَخرج إِلَى مَدِينَة سلا ليَكُون اجْتِمَاع العساكر بظاهرها فاتفق أَنه مرض مَرضا شَدِيدا إِلَى أَن يئس أطباؤه فتوقف الْحَال عَن تَدْبِير الجيوش فَحمل إِلَى مراكش فطمع
المجاورون لَهُ من الْعَرَب وَغَيرهم وعاثوا فِي الْبِلَاد وأغاروا على النواحي وَكَذَلِكَ فعل الأدفونش فِيمَا يَلِيهِ من بِلَاد الأندلس وتفرق الجيوش شرقا وغربا
وَزَاد طمع الأدفونش وَبعث رَسُولا إِلَى الْأَمِير يَعْقُوب يتهدده ويتوعده وَيطْلب بعض الْحُصُون المتاخمة لَهُ وَكتب إِلَيْهِ رِسَالَة من إنْشَاء وَزِير لَهُ يعرف بِابْن الفخار وَهِي
بِاسْمِك اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض وصل الله على السَّيِّد الْمَسِيح روح الله وكلمته الرَّسُول الفصيح أما بعد
فَلَا يخفى على ذِي ذهن ثاقب وَلَا ذِي عقل لازب أَنَّك أَمِير الْملَّة الحنيفية كَمَا أَنِّي أَمِير الْملَّة النَّصْرَانِيَّة وَقد علمت مَا عَلَيْهِ رُؤَسَاء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرّعية وإخلادهم إِلَى الرَّاحَة وَأَنا أسومهم بِحكم الْقَهْر وخلاء الديار وَسبي الذَّرَارِي وأمثل بِالرِّجَالِ وَلَا عذر لَك فِي التَّخَلُّف عَن نصرتهم إِذا أمكنتك يَد الْقُدْرَة وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَن الله فرض عَلَيْكُم قتال عشرَة منا بِوَاحِد مِنْكُم والآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا وَنحن الْآن نُقَاتِل عشرَة مِنْكُم بِوَاحِد منا لَا تَسْتَطِيعُونَ دفاعا وَلَا تَمْلِكُونَ امتناعا وَقد حُكيَ لي عَنْك أَنَّك أخذت فِي الاحتفال وأشرفت على ربوة الْقِتَال وَأَنت تماطل نَفسك عَاما بعد عَام وَتقدم رجلا وتوخر أُخْرَى فَلَا أَدْرِي أَكَانَ الْجُبْن أَبْطَأَ بك أم التَّكْذِيب بِمَا وَعدك رَبك ثمَّ قيل لي إِنَّك لَا تَجِد إِلَى جَوَاز الْبَحْر سَبِيلا لعِلَّة لَا يجوز لَك التقحم مَعهَا وَهَا أَنا أَقُول لَك مَا فِيهِ الرَّاحَة لَك وأعتذر لَك وعنك على أَن تفي بالعهد والمواثيق والاستكثار من الدَّهْر وَترسل لي جمَاعَة من عبيدك بالمراكب والشواني والطرائد والمسطحات وأجوز بحملتي إِلَيْك وأقاتلك فِي أعز الْأَمَاكِن إِلَيْك فَإِن كَانَت لَك فغنيمة كَبِيرَة جلبت إِلَيْك وهدية عَظِيمَة مثلت بَين يدك وَإِن
كَانَت لي كَانَت الْعليا عَلَيْك واستحقيت إِمَارَة الملتين وَالْحكم على البرين وَالله موفق السَّعَادَة يسهل الْإِرَادَة لَا رب غَيره وَلَا خير إِلَّا خَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَلَمَّا وصل كِتَابه إِلَى الْأَمِير يَعْقُوب مزقه وَكتب على ظهر قِطْعَة مِنْهُ ﴿ارْجع إِلَيْهِم فلنأتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا ولنخرجنهم مِنْهَا أَذِلَّة وهم صاغرون﴾ النَّمْل الْجَواب مَا ترى لَا مَا تسمع
وَلَا كتب إِلَّا المشرفية عِنْدهوَلَا رسل إِلَّا الْخَمِيس العرموم
ثمَّ استدعى الجيوش من الْأَمْصَار وَضرب السرادقات بِظَاهِر الْبَلَد من يَوْمه وَجمع العساكر وَسَار إِلَى الْبَحْر الْمَعْرُوف بزقاق سبتة فَعبر فِيهِ إِلَى الأندلس وَدخل بِلَاد الفرنج وَقد اعتدوا واحتشدوا وتأهبوا فكسرهم كسرة شنيعة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَلم ينج مِنْهُم ملكهم إِلَّا فِي نفر قَلِيل
وَكَانَ مَا ذكرته فِي أول هَذِه التَّرْجَمَة وأخلى الفرنج قلعة رَبَاح لما داخلهم من الرعب فملكها الْأَمِير يَعْقُوب وَجعل فِيهَا واليا وجيشا ولكثرة مَا حصل لَهُ من الْغَنَائِم لم يُمكنهُ الدُّخُول إِلَى بِلَاد الفرنج فَعَاد إِلَى طليطلة وحاصرها وَقطع أشجارها وَأخذ من أَعمالهَا حصونا كَثِيرَة وَقتل رجالها وسبى حريمها وَهدم مبانيها وَترك الفرنج فِي أَسْوَأ حَال
ثمَّ رَجَعَ إِلَى أشبيلية وَأقَام بهَا إِلَى أثْنَاء سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
وَعَاد إِلَى بِلَاد الفرنج مرّة ثَالِثَة وَفعل كَفِعْلِهِ الْمُتَقَدّم فَلم يبْق للفرنج قدرَة على لِقَائِه وسألوا مِنْهُ الصُّلْح فأجابهم وصالحهم لمُدَّة خمس سِنِين
وَعَاد إِلَى مراكش وَلما وصل إِلَيْهَا أَمر باتخاذ الأحواض والروايا وآلات السّفر إِلَى بِلَاد أفريقية فَاجْتمع إِلَيْهِ مَشَايِخ الْمُوَحِّدين وَقَالُوا قد طَالَتْ غيبتنا بالأندلس فمنا من لَهُ خمس سِنِين وَمن لَهُ ثَلَاث سِنِين فأنعم علينا بالمهلة هَذَا الْعَام وَتَكون الْحَرَكَة أول سنة خمس وَتِسْعين فأجابهم
وانتقل إِلَى مَدِينَة سلا وَشَاهد فِيهَا من المتنزهات الْمعدة لَهَا وَكَانَ قد بنى بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَة قَرِيبا مِنْهَا مَدِينَة سَمَّاهَا رِبَاط الْفَتْح عمل هَيْئَة الْإسْكَنْدَريَّة وبناها على الْبَحْر الْمُحِيط وَهِي على نهر سلا مُقَابلَة من الْبر القبلي وتنزه فِيهَا وَعَاد إِلَى مراكش
ثمَّ إِن النَّاس اخْتلفُوا فِي أمره من هُنَا فَقَالُوا إِنَّه ترك مَا كَانَ فِيهِ وتجرد وساح فِي الأَرْض وانْتهى إِلَى بِلَاد الشرق وَهُوَ مستخف لَا يعرف
وَمَات خاملا وَيُقَال إِن قَبره بِالْقربِ من المجدل قَرْيَة من الْبِقَاع العزيزي عِنْد قَرْيَة يُقَال لَهَا حمارة وَإِلَى جَانبهَا مشْهد يعرف بِقَبْر الْأَمِير يَعْقُوب ملك الغرب كل أهل تِلْكَ النواحي متفقون على ذَلِك
وَقَالُوا مَاتَ بِمَدِينَة سلا فِي غرَّة جُمَادَى الأولى وَقيل شهر ربيع الآخر فِي سَابِع عشرَة وَقيل فِي غرَّة صفر سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بمراكش
ومولده سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَأمر أَن يدْفن على قَارِعَة الطَّرِيق لترحم النَّاس عَلَيْهِ
وَبَايع النَّاس وَلَده أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب وَقد تقدم ذكره فِي المحمدين
وَمن حكايات الْأَمِير الْمَنْصُور يَعْقُوب أَن رجلا من المشارقة وَمثل إِلَيْهِ فِي زِيّ رَسُول وَزعم أَنه من الْهِنْد يذكر أَن ذَلِك الْملك رأى فِي كتاب ملحمة عِنْده أَن أَبَا يُوسُف هَذَا يصل بجيوشه من الْمغرب وَيملك بِلَاد الْمشرق ثمَّ يفتح الْهِنْد وَمَا أشبه ذَلِك وَطلب الِاجْتِمَاع بِهِ فَقَالَ الْمَنْصُور الْعَاقِل الْحَكِيم ينخدع فِي مَاله وَلَا ينخدع فِي عقله وَأمر بإنزاله وإجراء الضِّيَافَة عَلَيْهِ حَتَّى ينْفَصل وَأما الِاجْتِمَاع بِهِ فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ
وَرفع إِلَيْهِ صَاحب شرطته أَن رجلا من الْعَامَّة مِمَّن ابتلاه الله بحب الْخمر اشتاق إِلَى عَادَته فَقَالَت لَهُ زَوجته قد علمت أَن الْخَلِيفَة يقتل على الشّرْب وَأَنت فِيك عربدة وَقلة صمت إِذا شربت فَقَالَ أَنا أحسم الْمَادَّة فقيد نَفسه بِقَيْد حَدِيد ثمَّ اشْتغل بشرابه وأغلق بَابه فنم بِهِ أحد أنذال جِيرَانه إِلَى صَاحب الشرطة فَأمر الْمَنْصُور أَن يضْرب السَّكْرَان الْحَد الْخَفِيف وَيُؤْخَذ الْقَيْد من رجله وَيُوضَع فِي رجل الغماز بعد أَن يضْرب على نجسه ويودع السجْن حَتَّى يستريح النَّاس مِنْهُ
وَاحْتَاجَ لأحد أَوْلَاده عَالما وأمينا فطلبهما من القَاضِي فَاخْتَارَ لَهُ القَاضِي رجلَيْنِ وصف أَحدهمَا فِي رقعته أَنه عَالم بَحر وَالْآخر أَنه أَمِين بر فاستنطقهما الْمَنْصُور فَعلم أَنَّهُمَا يكذبان فَوَقع فِي الرقعة ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر
واشتهر لَهُ من قَوْله شعر أفسد بِهِ الْعَرَب على قراقوش أحد مماليك صَلَاح الدّين وَكَانَ قد استولى على طرابلس وَقَابِس وَعظم أمره بالغرب
يَا أَيهَا الرَّاكِب الساري لظبيتهعلى غدافره تشقى بهَا الأكم
بلغ سُلَيْمَان على بعد الديار بهَابيني وَبَيْنكُم الرحمان وَالرحم
يَا قَومنَا لَا تشبوا الْحَرْب إِن خمدتواستمسكوا بعرى الْإِيمَان واعتصموا
حاشى الأعاريب أَن ترْضى بمنقصهيَا لَيْت شعري هَل ألبابهم عدموا
يقودهم أرمني لَا خلاق لَهُكَأَنَّهُ بَينهم من جَهله علم
الله يعلم أَنِّي مَا دعوتكمدُعَاء ذِي ترة يَوْمًا فينتقم
وَلَا التجأت لأمر يستعان بِهِمن الْأُمُور وَهَذَا الْخلق قد علمُوا
لَكِن لأجزي رَسُول الله عَن رحمتنمى إِلَيْهِ وترعى تلكم الذمم
فَإِن أبيتهم فحبل الْوَصْل مُتَّصِلوَإِن أَبَيْتُم فَعِنْدَ السَّيْف نحتكم
فَلَمَّا وقفُوا على الشّعْر مالوا إِلَى الْمَنْصُور وانحرفوا عَن قراقوش
وَله موشحات حَسَنَة عَملهَا فِي جَارِيَة لَهُ كَانَ يهواها تسمى سَاحر وَقيل إِن هَذِه
تَقِيّ الدّين الجرايدي يَعْقُوب بن بدران بن مَنْصُور بن بدران
الإِمَام الْمُقْرِئ المجود تَقِيّ الدّين
أَبُو يُوسُف القاهري ثمَّ الدِّمَشْقِي الجرايدي
شيخ الإقراء بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة وَغَيرهَا بِالْقَاهِرَةِ
كَانَ مبرزا فِي علم الْقرَاءَات أَخذ الْقرَاءَات عَن السخاوي وَابْن ماسويه ورحل إِلَى أبي الْقَاسِم بن عِيسَى وَقَرَأَ عَلَيْهِ وعَلى غَيره
وَحدث عَن ابْن الزبيدِيّ وَابْن اللتي وانتفع بِهِ الطّلبَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ ابْنه الْعِمَاد مُحَمَّد وَالشَّيْخ نور الدّين الشطنوفي وَغير وَاحِد
وَعمل قصيدة فِي الْقرَاءَات حل فِيهَا رموز الشاطبية وَصرح بهم وَأثبت الأبيات عوض كل بَيت فِيهِ رمز وَأقر سَائِر القصيدة على حَاله
وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة
وَقد تقدم ذكر وَلَده عماد الدّين مُحَمَّد فِي المحمدين
نجم الدّين المنجنيقي يَعْقُوب بن صابر بن أبي البركات بن عباد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن حوثرت
أَبُو يُوسُف الْقرشِي
نجم الدّين المنجنيقي الْحَرَّانِي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ
الشَّاعِر لَهُ ديوَان كَانَ من فحول الشُّعَرَاء بالعراق سمع شَيْئا من الحَدِيث من أبي المظفر هبة الله بن عبد الله بن أَحْمد بن عمر السَّمرقَنْدِي
قَالَ محب الدّين ابْن النجار كتبنَا عَنهُ فِي حَدِيثه وَمن شعره
وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق لطيف الْعشْرَة ظريفا وَله سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَتُوفِّي سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة انْتهى
وَمَا زَالَ مغرى بآداب السَّيْف والقلم وصناعة السِّلَاح اشْتهر بذلك
فَلم يلْحقهُ أحد فِي عصره وصنف كتابا سَمَّاهُ عدَّة المسالك فِي سياسة الممالك يتَضَمَّن أَحْوَال الحروب وَفتح الثغور
وَكَانَ ذَا منزلَة عَظِيمَة عِنْد الإِمَام النَّاصِر
وَمن شعره
كَيفَ يسخو لعاشق بوصالباخل فِي الْكرَى بطيف خيال
علق القرط حِين بلبل صدغيهبداج من فَرعه كالليالي
فَرَأَيْنَا الدجا وَقد سحب الْبَدْرإِلَيْهِ من قرطه بِهِلَال
وَمِنْه
قد نفى جودك الْكِرَام فَلَانبئت فِي النَّاس محسنا إلاكا
فَكَمَا قيل لَا إِلَه سوى اللهكَذَا قيل لَا كريم سواكا
وَمِنْه
أدر المدام فسقينها واشربارَاحا ذكت أرجا وَطَابَتْ مشربا
رقت وراق مساغها فتصرمتصرفا وعاف مزاجها أَن مشربا
عجب السقاة لَهَا وَقَالُوا جذوةتزداد بِالْمَاءِ الزلَال تلهبا
إِن شعشعت فِي الكأس أبرزها السناأَو خدرت فِي الدن ضَاعَ بهَا مشربا
سبت الْعُقُول تبرجا وتأرجافلذاك قيل لمن شرى الْخمر اشربا
فاستجل مِنْهَا بنت كرم عنستفِي الخدر حينا لاهداء وَلَا سبا
من كف أهيف شادن حُلْو اللمىعذب الثنايا مَا انثنى إِلَّا اشربا
يسْعَى إِلَيْك بكأسه فتخالهقمرا يزف إِلَيْك مِنْهَا كوكبا
قمر إِذا مَا حل عقرب صُدْغهألفيته قمرا يحل العقربا
وَمِنْه
سقاني المدامة حَتَّى الصَّباحوألثمني مبسما كالأقاحي
وزودني سحر طرف سليمسقيم من الغنج سَكرَان صَاح
فرحت تجاذبني نشوتاننشوة رَاح وسكر ارتياح
غزال شماثله كالشمولسهل الْخَلَائق حُلْو المزاج
إِذا ارتشف الراح ذَات الْحبابكمبسمه فِي سنا واتضاح
أذاق المدامة طعم المداموقايضها كأس رَاح براح
وَمِنْه
شَكَوْت مِنْهُ إِلَيْهِ جوده فَبكىواحمر من خجل واصفر من وَجل
الْورْد والياسمين الغض منغمسفِي الظل بَين البكا والعذر والغزل
وَمِنْه
قبلت وجنته فألفت جيدهخجلا وَمَال بعطفه المياس
فانهل من خديه فرق عذارهعرق يحاكي الطل فَوق الآس
فكأنني استقطرت ورد خدودهبتصاعد الزفرات من أنفاسي
وَكتب إِلَيّ شيخ الرِّبَاط
مولَايَ يَا شيخ الرِّبَاط الَّذِيأبان عَن فضل وعلياء
إِلَيْك أَشْكُو جور صوفيةباتوا ضيوفي وأووا دَاري
أتيتهم بالخبز مستأثراوَبت تَشْكُو الْجُوع أعضائي
مَشوا على الْخبز وَمن عَادَةالزهاد أَن يمشوا على المَاء
وَقَالَ
تعلمت علم المنجنيق ورميهلهدم الصَّيَاصِي وافتتاح المرابط
وعدت إِلَى نظم القريض لشقوتيفَلم أخل فِي الْحَالين من قصد حَائِط
قلت وَهَذَا يشبه قَول مظفر الذَّهَبِيّ
كلفت بتصوير الدمى فِي شبيبتيوأتقنتها إتقان حبر مهذب
(فَلم أخل من تزويق زور مكذب)
وَمن شعر نجم الدّين
لَا تكن واثقا بِمن كظم الغيظاغتيالا وخف غرار الْغرُور
فالظبي المرهفات أقتل مَا كَانَتإِذا غاض مَاؤُهَا فِي الصُّدُور
وَمِنْه فِي جَارِيَة حبشية كَانَ يهواها
وَجَارِيَة من بَنَات الحبوشبِذَات جفون صِحَاح مراض
تعشقتها للتصابي فشبتغرما وَلم أك بالشيب رَاض
وَكنت أعيرها بِالسَّوَادِفَصَارَت تعيرني بالبياض
جَارِيَة عبرت للطَّوافوعبرتها حذرا تَدْمَع
فَقلت ادخلي الْبَيْت لَا تجزعيفَفِيهِ الْأمان لمن يجزع
سدانته لبني شيبَةفَقَالَت وَمن شيبَة أفزع
قلت وأكمل من هَذَا قَول الآخر وَهُوَ مواليا
لقيتها قلت ستي أَيْن ذِي الْغَيْبَةقَالَت ولي شبت قلت الشيب لي هَيْبَة
موري بِنَا الْبَيْت قَالَت مستك خيبةأَنا أبْغض الْبَيْت من بغضي بني شيبَة
وَكتب نجم الدّين ابْن صابر إِلَى الإِمَام النَّاصِر يعرض بالوزير القمي وَكَانَ يَدعِي أَنه شرِيف علوي
خليلي قولا للخليفة أَحْمدتوق وقيت الشَّرّ مَا أَنْت صانع
وزيرك هَذَا بَين أَمريْن فيهمَاصنيعك يَا خير الْبَريَّة ضائع
فَإِن كَانَ حَقًا من سلالة أَحْمدفَهَذَا وَزِير فِي الْخلَافَة طامع
وَإِن كَانَ فِيمَا يَدعِي غير صَادِقفأضيع مَا كَانَت لَدَيْهِ الودائع
وَكَانَت هَذِه الأبيات سَببا لتغير الْخَلِيفَة عَلَيْهِ
وَخرج إِلَى الْوَزير مملوكان مسرعان فهجما على الْوَزير فِي دَاره وضرباه على رَأسه بالدواة وَحمل إِلَى المطبق فَكتب إِلَى الْخَلِيفَة
القني فِي لظى فَإِن عيرتينفتيقن أَن لست بالياقوت
عرف النسج كل من حاك لَكِنلَيْسَ دَاوُد فِيهِ كالعنكبوت
فَكتب الْخَلِيفَة إِلَيْهِ الْجَواب
نسج دَاوُد لم يفد صَاحبالْغَار وَكَانَ الفخار للعنكبوت
وَبَقَاء السمند فِي لَهب النَّارمزيل فَضِيلَة الْيَاقُوت
اخترناك فعرفناك واختبرناك فصرفناك وَالسَّلَام
وَكَانَ بِبَغْدَاد شخص يُقَال لَهُ ابْن بَشرَان وَكَانَ كثير الأراجيف فَقعدَ على الطَّرِيق ينجم فَقَالَ فِيهِ ابْن صابر
إِن ابْن بَشرَان على علاتهمن خيفة السُّلْطَان صَار منجما
طبع المشوم على الفضول فَلم يطقفِي الأَرْض إرجافا فَأَرْجَفَ فِي السما
وَمن شعره مَا كتبه لبَعض الرؤساء بِبَغْدَاد
مَا جِئْت أَسأَلك الْمَوَاهِب مادحاإِنِّي لما أوليتني لشكور
لَكِن أتيت عَن الْمَعَالِي مخبرالَك أَن سعيك عِنْدهَا مشكور
وَمن شعره
قَالُوا بَيَاض الشيب نور سَاطِعيكسو الْوُجُوه مهابة وضياء
حَتَّى سرت وخطاته فِي مفرقيفوددت أَن لَا أفقد الظلماء
وَعدلت أستبقي الشَّبَاب تعللابخضابها فصبغتها سَوْدَاء
لَو أَن لحية من تشيب صحيفَةلمعاده مَا اخْتَارَهَا بَيْضَاء
قلت وَمن هُنَا أَخذ شهَاب الدّين التلعفري قَوْله
لَا تعجلن فوالذي جعل الدجىمن ليل طرتي البهيم ضِيَاء
لَو أَنَّهَا يَوْم الْمعَاد صحيفتيمَا سر قلبِي كَونهَا بَيْضَاء
وَمن شعر نجم الدّين أَن صابر وَقد كبر وَصَارَ يحمل عَصا
ألقيت عَن يَدي الْعَصَازمن الشبيبة للنزول
وحملتها لما دَعَا دَاعِيالمشيب إِلَى الرحيل
وَمِنْه فِي ذمّ الصُّوفِيَّة
قد لبس الصُّوف لترك الصَّفَامَشَايِخ الْعَصْر وَشرب الْعصير
الرقص وَالشَّاهِد من شَأْنهمْشَرّ طَوِيل تَحت ذيل قصير
وَمِنْه
قَالُوا نرَاهُ يسل شعر عذارهوسباله مستهترا بزواله
فتسل عَنهُ وَخذ حبيبا غَيرهفأجبتهم لَا زلت عبد وصاله
هَل يحسن السلوان عَن حب يرىأَن لَا يفارقني بنتف سباله
وَقَالَ فِي مليح يسبح فِي دجلة بتبان أَزْرَق وَشد بوسطيه شكوة منفوخة
يَا للرِّجَال سكايتي من شكوةأضحت تعانق من أحب وأعشق
جمعت هوى كهواي إِلَّا أَنَّهَاتطفو ويثقلني الغرام فأغرق
ويغيرني التبَّان عِنْد عناقهأردافه فَهُوَ الْعَدو الْأَزْرَق
الْمعز بن صَلَاح الدّين يَعْقُوب بن يُوسُف الْملك الْمعز
وَيُقَال الْأَعَز
شرف الدّين أَبُو يُوسُف بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين النَّاصِر بن أَيُّوب
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة
وَتُوفِّي سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة
وَسمع من عبد الله بن بري وَابْن أسعد الجواني
وَقَرَأَ الْقُرْآن على الأرتاجي
وَكَانَ متواضعا كثير التِّلَاوَة دينا حدث بالحرمين ودمشق كَانَ صَدُوقًا وَتُوفِّي بحلب رَحمَه الله تَعَالَى
ابْن الدقاق يَعْقُوب بن الدقاق أَبُو يُوسُف
كَانَ مستملي أبي نصر صَاحب قَالَ كُنَّا يَوْم جُمُعَة بقبة الشُّعَرَاء فِي رحبة مَسْجِد الْمَنْصُور فتناشدوا صَوتا إِذا صَاح فِي صائح من ورائي يَا منتوف
فتغافلت كَأَنِّي لم أسمع
فَقَالَ وَيلك يَا أعمى يَا أعمى لم لَا تَتَكَلَّم
فَقلت من هَذَا
فَقَالُوا أَبُو دانق الموسوس
فَالْتَفت إِلَيْهِ فَقَالَ لي وَيلك هَل تعرف أحسن من هَذَا الْبَيْت أَو أشعر من قَائِله
فَقلت كالمحاجر لَهُ لَا
فَقَالَ لَا أم لَك هلا قلت نعم قَوْله
يزيدك وَجههَا حسناإِذا مَا زِدْته نظرا
ثمَّ وثب وثبة فَجَلَسَ إِلَى جَانِبي وَأَقْبل عَليّ وَقَالَ لي يَا عمي صف لي صُورَتك على البديهة وَإِلَّا أخرجتك من بزتك
ثمَّ أقبل على من كَانَ حَاضرا فَقَالَ ظلمته هُوَ ضَرِير لم ير وَجهه فَمن أحسن منا أَن يصفه فليصفه وَكَانَ على أقبح النَّاس وَجها وَكَانَ يحلق شعر رَأسه وَشعر لحيته وَشعر حاجبيه قَالَ فَلم يتَكَلَّم أحد
فَقَالَ اكتبوا صفته فِي رَأسه وَأنْشد
أنسبه راسه لَوْلَا وجارلعينيه ونضنضة اللِّسَان
بأضخم قرعَة عظمت وتمتفَلَيْسَ لَهَا لَدَى التَّمْيِيز ثَان
إِذا عليت أَسْفَلهَا أمالتدعائم رَأسهَا نَحْو اللِّسَان
وَكَانَ لنا مَكَان الْجيد مِنْهَاإِذا اتَّصَلت بممسكه الجران
لَهَا فِي كل شارقة وبيصكَأَن بريقها لمع الدهان
فَلَا سلمت من حذري وخوفيمَتى سلمت صفاتك من بناني
ثمَّ وثب إِلَيّ فحالت الْأَيْدِي بيني وَبَينه
الجبان أَبُو يَعْقُوب الجبان
قَالَ ياقوت لم يَقع إِلَيّ اسْمه وَوَجَدته مَذْكُورا فِي كتاب أَصْبَهَان وَلَا شكّ فِي كَونه من أَصْبَهَان
قَالَ حَمْزَة بن الْحسن فِي كتاب أَصْبَهَان أَبُو يَعْقُوب الجبان مؤدب المكتفي قَالَ
إِذا المشكلات تصدين ليكشفت حقائقها بِالنّظرِ
وَإِن برقتْ فِي مخيل الصَّوَابعمياء لَا يجتليها الْبَصَر
مقنعة بظلام الغيوبسللت عَلَيْهَا حسام الْفِكر
وَلست بإمعة فِي الرِّجَالأسائل هَذَا وَذَا مَا الْخَبَر
ولكنني وافر الأصغرينأَقيس على مَا مضى مَا حضر
وَقَالَ أَيْضا
لقد سَاءَ أَقْوَامًا بقائي لعلمهمبعلمي بآباء لَهُم سلفوا قبلي
وسر بقائي آخَرين لعلمهمبِأَن لَيْسَ عَن أحسابهم ذائد مثلي
وَقَالَ أَيْضا
دنيا دنت من جَاهِل وَتَبَاعَدَتْعَن كل ذِي لب لَهُ
سلحت على أَرْبَابهَا حَتَّى إِذاصَارَت إِلَيّ أَصَابَهَا
نَاظر حلب يَعْقُوب بن عبد الْحَكِيم
الرئيس الصاحب شرف الدّين
نَاظر حلب وطرابلس وَكَانَ مباشرا نظر الْجَيْش بحلب قبل عود السُّلْطَان الْملك النَّاصِر من الْكَرم ثمَّ إِنَّه توجه إِلَى طرابلس نَاظر المَال سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَسَبْعمائة
ثمَّ إِنَّه عَاد إِلَى حلب نَاظرا وَأقَام بهَا فِي سَعَادَة زَائِدَة وَخير عَظِيم إِلَى أَن عزل مِنْهَا فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وَتوجه إِلَى طرابلس فَأَقَامَ بهَا إِلَى سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة
ثمَّ إِنَّه عَاد إِلَى نظر حلب ثمَّ نقل إِلَى نظر طرابلس فَأَقَامَ بهَا دون السّنة وَمرض وتعلل فَتوجه إِلَى حماة وَأقَام بهَا للتداوي مُدَّة
وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي إِحْدَى الجماديين سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَكَانَ من الرؤساء والنبلاء يَقْصِدهُ النَّاس ويمدحه الشُّعَرَاء فيجيزهم ويبرهم وَيحسن إِلَى النَّاس ويكارم المصريين ويخدم النَّاس ويتجمل فِي ملبسه ومأكله وَيُحب الْعلمَاء والصلحاء والفقراء
وَفِيه يَقُول جمال الدّين مُحَمَّد بن نباتة
قَالَت الْعليا لمن حاولهاسبق الصاحب واحتل ذراها
فدعوا كسب الْمَعَالِي إِنَّهَاحَاجَة فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا
وَهُوَ وَالِد القَاضِي نَاصِر الدّين مُحَمَّد كَاتب سر حلب ودمشق وأخيه الْأَمِير شهَاب الدّين أَحْمد وَهُوَ أَيْضا أَخُو القَاضِي تَاج الدّين نَاظر الْأَوْقَاف بحلب
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع