تجاوز إلى المحتوى

من «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)

حرف الميم (٧)

الصفحة ٢ من ٢

أحد غيره قال والذي يظهر لى أنه كان مجذوبا وعظيم شأنه في الدولة جدا حتى كان يكتب ورقته إلى كاتب السر والدويدار وغيرهما من أركان الدولة في المهمات فلا يستطيعون ردها وكان بات في عافية فأرسل إلى من حوله أنه عرض أمر مهم يقتضي حضوركم فحضروا فدخل خلوته فابطا فطلبوه فوجدوه ميتا وذلك في رمضان سنة وذكر ابن فضل الله في ترجمته نحو ما تقدم وزاد أن الذى يحكى عنه لم يسمع بمثله في سالف الدهر من رجل منقطع في زاوية في قرية صغيرة في طريق الرمل لا يوجد فيها شئ من هذه الآنواع مع أن الشائع والذائع أنه كان يأتيه الجماعة وكل واحد منهم يشتهى شيئا مما لا يوجد إلا في القاهرة أو دمشق فاذا حضروا غاب هنيهة وأحضر لكل واحد منهم ما اقترح وأكثر ما كان يحضره بنفسه وليس له خادم ولا عرف له طباخة ولا قدر ولا مغرفة ولا موقد نار مع اشتغاله أكثر نهاره بالناس ولا يختص ذلك بوقت دون وقت بل لو أتاه في اليوم الواحد من أتاه لا بد من أن يحضر له ما يشتهيه قال ولا يخلو أكثرها من مجازفة ولكن اشتهارها وشيوعها يدل على أن لها أصلا ثم حكى عن جماعة متنوعة وقوع ذلك لهم بغير وساطة إلى أن قال وقد زعم قوم أن جميع ما كان يأتي به كان يمده به قاضي فوه فانه كان يختص بالشيخ فكان القاضي لا يقدر على عزله فطالت مدته وانبسطت يده وأكثر من التجارة

والزراعة والولاة ترعاه لجاهه بالشيخ فتمت أحواله واتسعت دائرته فلم يكن له شغل إلا تلقى من يقبل زائرا للشيخ فينزله ويحادثه حتى يقف على ما في خاطره ثم يرسل إلى الشيخ ذلك بامارات ودواب مركزة بما يرسل إليه ويمده به قال وعلى الجملة فكان ذا بر ومعرفة ومعروف وطريق غير مألوف رحمه الله تعالى

محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عباس بن حامد بن خليفة السويدى الأصل ثم الصالحي الحنبلي شمس الدين المعروف بابن الناصح ويعرف أيضا بقاضي الكفر ولد سنة وسمع منه يحيى بن محمد بن سعد كتاب العلم للمروزي بسماعهمن جعفر سمعه منه الشيخ جمال الدين ابن ظهيرة ومات في ذى الحجة سنة

محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن المقدسي ثم الصالحى الحنبلى الحافظ شمس الدين أبو بكر بن المحب الصامت ولد سنة وأحضره أبوه على التقى سليمان ومحمد بن يوسف بن المهتار وست الوزراء وغيرهم وأسمعه الكثير من عيسى المطعم وأبي بكر ابن عبد الدائم وأبي الفتح ابن النشو والقاسم ابن عساكر وأبي نصر ابن الشيرازى وأبي بكر بن مشرف ويحيى بن سعد وإسحاق الآمدى وابن الزراد وابن مزيز وآخرين وأجاز له الرضى الطبرى وزينب بنت شكر والرشيد بن المعلم وحسن الكردى والشريف الموسوى والدشتي وابن

درادة ومحمد بن عبد المحسن الدواليبى وغيرهم وكان مكثرا شيوخا وسماعا وطلب بنفسه فقرأ الكثير فأجاد وخرج وأفاد وكان عالما متفننا متقشفا منقطع القرين وحدث دهرا ومات بالصالحية في ليلة الخامس من شوال سنة وكان قد شهر بالصامت لكثرة سكوته وكان يكره أن يلقب بذلك وتفقه إلى أن فاق الأقران وأفتى ودرس وكان كثير المروءة حسن الهيئة من رؤساء أهل دمشق

محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن راجح بن بلال بن عيسى ابن حذيفة المقدسى الحنبلى سمع من يحيى بن محمد بن سعد ومحمد ابن المحب والذهبي وغيرهم سمع منه المحدث برهان الدين الحلبي بدمشق في سنة ثمانين وأجاز في سنة سبعين لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز ابن جماعة

محمد بن عبد الله بن أحمد الأيجى شمس الدين المكى الشاعر أنشدنا عنه الرجاء من نثره ومن نظمه لما مات العلم صالح الأسنوى

محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبرى بهاء الدين ابن تقى الدين ابن الحافظ محب الدين الطبري ثم المكي الخطيب ولد بمكة سنة وسمع من جده وأبيه وعثمان التوزرى

محمد بن عبد الله بن أحمد اليزدى حدث عن جده عن فضل الله التوربشتى وكان بعد الثمانين وسبعمائة نقلته من مشيخة الجنيد الكازرونى تخريج الشيخ شمس الدين الجزرى وأظن أنه سقط بين جده أحمد وبين فضل الله رجل

محمد بن عبد الله بن عبد الله بن أحمد الهكارى ثم الصلتى بدر الدين قاضي حمص ولد بعد الثلاثين ونشأ بالصلت وكان أبوه مدرسا تولى التدريس بعد أبيه بعد أن استقل بالقدس ثم قدم دمشق فطلب الحديث وسمع من شيوخ العصر بعد الستين وأب على الاشتغال وتعليق الفوائد ثم ولى قضاء بلدة وتنقل في ولايات القضاء بالبر إلى أن ولى القدس وآخر ما ولى حمص ومات بها في شهر رجب سنة ولم يبلغ الخمسين وله اختصار ميدان الفرسان في ثلاثة

محمد بن عبد الله بن ألبابا بدر الدين الشاعر الشامى توجه إلى طرابلس فمدح النائب فأجازه فمات في ربيع الآخر سنة وكان فاضلا خيرا معروفا بالكرم ومن نظمه

كأن الرياض وأغصانهاتمايل في الورق الأخضر
قباب الزبرجد منصوبةيظلها العنبر بالجوهر

محمد بن عبد الله بن الحاج المالقى وكان شاعرا يستجدى بشعره مدح ملوك الأندلس ومن النوادر التي اتفقت له أنه رئي ابن الأحمر لما مات واستقر ابنه في المملكة فأنشده قصيدة أولها

على من تنشر اليوم البنودوتحت لواء من تمشى الجنود

فبادر الملك فقال على رأس الذي بين يديك فخجل الشاعر وانقطع

واستظرف الناس هذا الجواب قاله ابن الخطيب وقيد وفاته بعد الأربعين وسبعمائة

محمد بن عبد الله بن الحسين بن علي بن عبد الله بن عمر بن عيسى بن أحمد بن حسن الاربلى ثم الدمشقى الزرزاري شهاب الدين أبو الفرج ابن المجد ولد سنة وسمع مع ابن أبي اليسر وابن البخاري وابن أبي عمرو ابن الأنماطى وعبد الواسع الأبهري وغيرهم وأكثر ودار على الشيوخ وكتب الطباق وتفقه إلى أن أفتى ودرس وجود العربية وتعانى الشروط فمهر فيها حتى صار إذا رأى المكتوب نظرة واحدة عرف فساده من صلاحه وكان ينوب في وكالة بيت المال ثم استقل بها ثم ولى القضاء بعد ابن جملة في ذى القعدة سنة ثم صرف بالجلال القزويني ومات بسبب وقوعه عن بغلته فمرض أسبوعا ومات في جمادى الأولى سنة فقال الضفدع الشاعر

بغلة قاضينا إذا زلزلتكانت له من فوقها القارعة
وأظهرت زوجته بعدهضائقة بالرحمة الواسعة

وهو الذي قال فيه ابن نباتة

كم من صديق قد جاء يسألنيفي البر والمكرمات والحلم
عن ابن صصرى وعنك قلت لهلا فرق بين الشهاب والنجم

قال الذهبي لم يحمد في أحكامه ولما مات لم يعمل له عزاء وأوذى أصهاره وكانت فيه مكارم وله محاسن

محمد بن عبد الله بن الحسين بن علي بن عبد الله الزرزارى عفيف الدين أبو عبد الله بن المجد أخو القاضى شهاب الدين الماضى ذكره وهذا هو الأكبر ولد بحلب سنة خمسين وستمائة في المحرم وأسمع على إبراهيم ابن خليل جزءا من حديث أبي بكر المروزى بسماعه له من إسماعيل الخبزى وشيخ الشيوخ وغيرهما وحفظ التنبيه واشتغل إلى أن ولى تدريس الكلاسة بعد أبيه وكان صالحا زاهدا مات في ربيع الآخر سنة وهو أخو الذى قبله

محمد بن عبد الله بن الحسين بن علي ركن الدين ولد بحلب بالمدرسة العصرونية في ربيع الاخر سنة وسمع جزء ابن عرفة من شيخ الشيوخ وحدث به مرارا ذكره الزملكاني فقال حسن السمت كثير الصمت قليل الاختلاط بالناس حفظ التنبيه في صفره وأم بالقيمرية اثنتين وأربعين سنة ومات في ذى القعدة سنة بدمشق

محمد بن عبد الله بن سالم العراقي شمس الدين إمام الأسدية بحلب سمع من سنقر صحيح البخارى ذكره محمد بن يحيى بن سعد في شيوخ حلب سنة

محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السلمانى قرطبى الأصل ثم نزل سلفه طليطلة ثم لوشة ثم غرناطة يكنى أبا عبد الله ويلقب لسان الدين ولد في خامس عشرى رجب سنة بلوشة وكان سلفه قديما يعرفون ببنى وزير ثم صاروا يعرفون ببني الخطيب نسبة إلى سعيد جده الأعلى وكان قد ولى الخطابة بها وتحول

جده الأدنى سعيد إلى غرناطة ومات سنة ونشأ ابنه عبد الله في نعمة طائلة ثم ولى الوزارة بلوشة ورجع وخدم في المخزن بغرناطة ومات سنة وقرا لسان الدين القرآن على أبي عبد الله بن عبد الولى العواد حفظا ثم تجويدا لأبي عمرو وقرأ القراآت أيضا والعربية على أبي على القيجاطى وأبي القاسم ابن جزى وأبي عبد الله بن الفخار وتأدب بأبي الحسن بن الجباب وسمع من أبي عبد الله بن جابر وأخيه أبي جعفر وابي البركات بن الحاج وأبي محمد بن سلمون وأخيه أبي القاسم وأبي عمرو بن الأستاذ وابي بكر بن شيرين وأبي عبد الله بن عبد الملك وأبي عبد الله بن حزب الله وأبي العباس بن يربوع وأبي محمد بن أيوب المالقى خاتمة أصحاب أبي علي بن أبي الأحوص وغيرهم وأخذ الطب والمنطق والحساب عن يحيى بن هذيل الفيلسوف وبرز في الطب وتولع بالشعر فنبغ فيه وترسل ففاق أقرانه واتصل بالسلطان أبي الحجاج يوسف بن أبي الوليد بن نصر بن الأحمر فمدحه وتقرب منه واستكتبه من تحت يد أبي الحسن بن الجباب إلى أن مات أبو الحسن في الطاعون العام فاستقل بكتابة السر وأضاف إليه رسوم الوزارة واستعمله في السفارة إلى الملوك واستنابه في جميع ما يملكه حتى كان في جملة المناشير له وأطلقنا يده على كل ما جعل الله لنا النظر فيه فلما قتل أبو الحجاج سنة وقام ابنه محمد استمر بابن الخطيب على وزارته واستكتب معه غيره ثم أرسله إلى

أبي عنان المريني بفأس ليستنجده فمدحه فاهتز له وبالغ في إكرامه فلما خلع محمد وتغلب أخوه إسماعيل على السلطنة فقبض عليه بعد أن آمنه واستؤصلت نعمته وقد وصفها بأنها لم يكن بالأندلس مثلها من تفجر الغلة وفراعة الأعيان وغبطة العقار وحصانة الآلات ورفعة البنيان واستجادة العدة ووفور الكتب إلى ألآنية والفرش والطيب والمضارب والسائمة وبيع جميع ذلك وصاحبها البخس ونقصها الخوف وشمل الطلب جميع الأقارب واستمر مسجونا إلى أن وردت شفاعة أبي سالم ابن أبي عنان فيه وفي صاحبه وجعل خلاصه شرطا في مسالمة الدولة فانتقل صحبة سلطانه إلى فاس وبالغ في إكرامه وأجرى عليه وأقطعه وجالسه ثم نقله إلى مدينة سلا بعد أن دخل مراكش فأكرمه عمالها ثم شفع له أبو سالم مرة ثانية فردت عليه ضياعه بغرناطة غلى أن عاد سلطانه إلى السلطنه فقدم عليه بولده فأكرمه وتوسل إليه بأن يأذن له في الحج فلم يجبه وقلده ما وراء بابه فباشره مقتصرا على الكفاية راضيا بغير النبيه من اللبس هاجرا للزخرف صادعا بالحق في أسواق الباطل وعمر حينئذ زاوية ومدرسة وصلحت أمور سلطانه على يده فلم يزل في ذلك إلى أن وقع بينه وبين عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة منافرة أدت إلى نفى عثمان المذكور في شهر رمضان سنة فظن ابن الخطيب أن الوقت صفا له وأقبل سلطانه على اللهو وانفرد هو بتدبير المملكة فكثرت القالة فيه من الحسدة واستشعر في آخر الأمر أنهم سعوا به إلى سلطانه

وخشى على نفسه البادرة فأخذ في التحيل في الخلاص وراسل أبا سالم صاحب فأس في اللحاق به وخرج على أن يتفقد الثغور الغربية فلم يزل حتى حاذى جبل الفتح فركب البحر إلى سبتة ودخل مدينة فاس سنة فتلقاه أبو سالم وبالغ في إكرامه وأجرى له الرواتب فاشترى بها ضياعا وبساتين فبلغ ذلك أعداءه بالأندلس فسعوا به عند سلطانه حتى أذن لهم في الدعوى عليه بمجلس الحكم بكلمات كانت تصدر منه وتنسب إليه وأثبتوا ذلك وسألوه الحكم به فحكم بزندقته وإراقه دمه وأرسلوا صورة المكتوب إلى فاس فامتنع أبو سالم فقال هلا أثبتم ذلك عليه وهو عندكم فأما ما دام عندى فلا يوصل إليه فاستمر على حالته بفاس إلى أن مات أبو سالم فلما تسلطن بها أبو العباس بعده اغراه به بعض من كان يعادية فلم يزل إلى أن قبض عليه وسجن فبلغ ذلك سلطان غرناطة فأرسل وزيره أبا عبد الله أبن زمرك إلى أبي العباس بسببه فلم يزل به إلى أن أذن لهم في الدعوى عند القاضي فباشر الدعوى ابن زمرك في مجلس السلطان وأقام البينة بالكلمات التي أثبتت عليه فعزره القاضي بالكلام ثم بالعقوبة ثم بالسجن فطرق عليه السجن بعد أيام ليلا فخنق وأخرج من الغد فدفن فلما كان من غد دفنه وجد على شفير قبره محروقا فاعيد

إلى حفرته وقد احترق شعره واسودت بشرته وذلك في شهور سنة وقد اشتهر انه نظم - حين أرادوا قتله - الأبيات المشهورة التي منها

فقل للعدا ذهب ابن الخطيبوفات فسبحان من لا يفوت
فمن كان يشمت منكم بهفقل يشمت اليوم من لا يموت

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.