من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (١٣)
الصفحة ٢ من ٢
أَحْمد بن خَلِيل الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بالسلموني الأديب الشَّاعِر ذكره بعض فضلاء مصر فِي جمعيته وَقَالَ فِي وَصفه جَامع أشتات الْمَعَالِي وحسنة الْأَيَّام والليالي عَلامَة الزَّمَان ووحيد الأقران والمشار إِلَيْهِ بالبنان فِي الْبَيَان زين الأكابر والأماثل وَرَأس الْأَعْيَان والأفاضل ومقصد الملتمس والسائل ومحط رَحل أمل الآمل حسن الْأَخْلَاق حَلِيم النَّفس يلتذ بِالْعَفو عَن الزلة كَمَا يلتذ الأحمق بالعقاب عَلَيْهَا مشكور السِّيرَة صافي السريرة لَهُ مهارة جَيِّدَة فِي فنون مُتعَدِّدَة وأشعاره أنيقة حَسَنَة السبك رقيقَة مِنْهَا قَوْله من قصيدة يمدح بهَا بعض الْقُضَاة ومطلعها
مَاذَا الَّذِي وسق الأحشاء بالنصلوَلم يدع موضعا فِيهَا لمنتصل
أذاك زرق عَوَالٍ من كماة وغىأم ذَاك رشق نبال من بني ثعل
أم هِيَ عُيُون بأوتار الجفون رمتسِهَام ألحاظها قيس الحواجب لي
أم هِيَ سيوف لحاظ فِي الحشا فعلتفعال سيف أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ
أم هِيَ خناجر طعن فِي الْحَنَاجِر منرنا محاجر تِلْكَ الْأَعْين النجل
أم هِيَ رماح قدود لَا يعادلهافِي القدّ سمر القنا العسالة الذبل
بيض الْوُجُوه لَهَا الْبيض الصفاح طلاسود الْعُيُون لَهَا السمر الرماح حلي
مَالِي وعشق ملاح من محاسنهاتبدي أحد سلَاح مرهف صقل
واحيرتي الأغراء والغرام بذاالْجمال أجنح للوام والعذل
أصبو لذاك وَلَا أصغي لذين وَلَاأسلو حلاوة مص الرِّيق والقبل
لكنني فِي الْهوى أَصبَحت ذَا ولهٍوَمِنْه أمسيت شبه الذاهل الوهل
أشبهت مَا صلَة والغير يحسبنيذَا عَائِد موصلاً وَالْحَال لم أصل
أَنى الْوُصُول إِلَى نيل العوائد والصلاتمن فاتر الأجفان والمقل
من لي بذلك والألحاظ تسلبنيسلب المدامة لب الشَّارِب الثمل
مَا بالنا معشر العشاق تأخذنافِي السّلم تِلْكَ الرنا أخذا على عجل
وَنحن فِي الْحَرْب أقوى مَا نَكُون إِذاتقارعت فِي الظبا الْأَبْطَال والأسل
وَبعد ذَاك القوى والعزم تنظرنانهباً لألحاظ تِلْكَ النعس الْكحل
ظباء السيوف وأطراف الأسنة لَا نخشىونخشى سَواد الطّرف والكحل
الله أكبر كم من ناعس غنجٍأردى وجندل كم من فَارس بَطل
وَهِي طَوِيلَة وَله أشعار كَثِيرَة والعنوان يدل على الطرس وَكَانَت وَفَاته بِمصْر خَامِس شعْبَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الْأَمِير أَحْمد بن رضوَان بن مصطفى الْأَمِير الْكَبِير نَائِب غَزَّة وأمير الْحَاج كَانَ أَبوهُ الْأَمِير رضوَان من كبار الْأُمَرَاء فِي زمن السُّلْطَان سليم بن مُرَاد وَأما جده مصطفى فَإِنَّهُ كَانَ فِي رُتْبَة الوزراء فِي عهد السُّلْطَان سُلَيْمَان وَأرْسل إِلَى فتح بِلَاد الْيمن وَكَانَ يعرف فِي بِلَاد الشَّام بِأبي شاهين قيل لِكَثْرَة حمله الشاهين الطَّائِر الْمَعْرُوف على يَده عِنْد الصَّيْد وَنَشَأ ولد الْأَمِير أَحْمد هَذَا فِي دولة باهرة وَكَانَ شجاعاً بطلاً وعقله فِي غَايَة الرزانة وَله مطالعة فِي كتب التَّارِيخ وَبَعض الْفُنُون وقصده الشُّعَرَاء ومدحوه وخلدوا مدحه فِي مجاميعهم فَمنهمْ أَبُو الْمَعَالِي الطالوي فَإِنَّهُ مدحه بقصيده ميمية عَجِيبَة فِي بَابهَا عِنْد عوده من الْقَاهِرَة ومروره بغزة ومطلعها قَوْله
وَلما أرتنا العيس غَزَّة هَاشمعيَانًا أنخناها بِتِلْكَ المعالم
رواجع من مصر نوازع للحمىحمى الشَّام تهدى بالبروق البواسم
وَقد ذكر فِيهَا مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الطَّرِيق من المراحل فلأجل هَذِه الْفَائِدَة ذكرت مِنْهَا مَحل ذَلِك بِتَمَامِهِ وَذَلِكَ قَوْله
أَضَاء لَهَا الْبَرْق الشآمي مرّةفأثر فِي أخفافها والمناسم
الضميران للعيس الْمُقدم ذكرهَا وَبعده قَوْله
حننت وحنت إِذْ أَضَاء وَإِنَّمَاحنيني لَو تَدْرِي لبرق المباسم
وأعدى حصاني قطعهَا البيد فانثنىيجوب الفلا جوب النياق الرواسم
فودع ربع العادلية سائراًوَلم يثنه عَن سيره لوم لائم
ووافى ربوع الخانقاه عَشِيَّةوَمر على بلبيس مر النسائم
وَأصْبح خطار بخطارة المنىوَجَاز بهَا كالبرق لَاحَ لشائم
وَجَاوَزَ ورد الصالحية كالقطالقطية ليلى قبل ورد الحوائم
ترفع عَن بِئْر الدويدار قدرهوَخَلفهَا مطروقة للسوائم
وأهوى لبئر العَبْد كالنجم غائراًلَام الحسا وَاللَّيْل وحف القوادم
وقابله رمل الْعَريش فعاقهعَن السّير إِذْ خاتنته إِحْدَى القوائم
وغيبه عَن حسه هول صعقةتخرّ لَهَا كوم المطى الروازم
فودّعته طرفا أغر محجلاكريم السجايا من عتاق كرائم
وَقلت لَهُ هلا حملت على وجافَتى سيره للشام ضَرْبَة لَازم
فَقَالَ مقَالا كنت أَجْهَل قدرهوَعَيناهُ فاضت بالدموع السواجم
أتشكو الجوى إِذْ جِئْت غَزَّة هَاشموفيهَا أَمِير أريحي المكارم
سمى نَبِي الله أَحْمد من غَداحَدِيث نداه نَاسِخا ذكر حَاتِم
كثير رماد الْقدر دَان نوالهطَوِيل نجاد السَّيْف ماضي العزائم
سليل الْمُلُوك الصَّيْد من خضعت لَهُقبائل من تيم وَقيس ودارم
وَذُو النّسَب الوضاح والجوهر الَّذِيأَقَامَ فرنداً فِي متون الصوارم
أَمِير تردى الْمجد درعاً وشاحهطوال العوالي فِي طوال المهاذم
وَقد ألف الْبيض الصوارم والقناوَقتل العدا من قبل عقد التمائم
أَخُو الْحَرْب يغشى اللَّيْث وَاللَّيْث مشبلوتخشاه فِي الهيجاء أَسد الضراغم
ترى بَابه للوافدين محطةفَمن راحل مثن وَآخر قادم
وَردت حماه مستفيضاً نوالهفرحلني عَنهُ بأسنى الْغَنَائِم
فَلَا زَالَت الأقدار تخْدم سعدهبغزة فِي عز مدى الدَّهْر دَائِم
وَكَانَ يحب مذاكرة الْعُلُوم وَيسْأل الْعلمَاء عَن الْأَحْكَام ويعظمهم ويكرمهم ويصل عُلَمَاء بَلَده وَغَيرهم وانتشأ فِي أَيَّام حكومته بغزة عُلَمَاء وفضلاء سَيَأْتِي ذكرهم ورزق من السَّعَادَة حظاً عَظِيما وَاسْتولى على مملكة غَزَّة مَا يقرب من ثَلَاثِينَ سنة من غير عزل يَقْتَضِي رحيله عَنْهَا وسكنها وَتَوَلَّى إِمَارَة الْحَاج الشَّامي سِنِين عديدة بعد الْأَمِير قانصوه أَمِير عجلون وَمَا والاها من بِلَاد الكرك وَكَانَ يحضر إِلَى دمشق فِي بعض الأعوام وَعمر بهَا بِالْقربِ من بَاب الْبَرِيد بَيْتا مُحكم الْبناء حسن الْوَضع
وَأنْفق عَلَيْهِ مَالا كثيرا وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد وَكلهمْ من بنت المرحوم درويش باشا صَاحب الْجَامِع الْمَعْرُوف بالدرويشية خَارج دمشق وخالهم لأمهم حسن باشا الْوَزير ابْن الْوَزير وتفرغ فِي آخر عمره لبَعض أَوْلَاده عَن إِمَارَة غَزَّة وَأرْسل إِلَى طرف السلطنة قَاصِدا بتحف وهدايا كَثِيرَة وَطلب أَن يصير أَمِير الْأُمَرَاء بِبَعْض المدن الْكَبِيرَة على طَرِيق التقاعد الْمَعْرُوف الْآن فِي الِاصْطِلَاح فَأُجِيب إِلَى مَا طلبه وَكَانَ ذَلِك فِي سنة تسع بعد الْألف وَأقَام إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن روح الله بن سَيِّدي نَاصِر الدّين بن غياث الدّين بن سراج الدّين الْأنْصَارِيّ الجابري الرُّومِي قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام ومصر وأدرنة وقسطنطينية وَولي قَضَاء العسكرين اشْتغل ودأب وَأخذ الْعُلُوم عَن جمَاعَة كَثِيرَة من أَجلهم الْمولى مُحَمَّد شاه وَكَانَ معيداً لَهُ ولازم مِنْهُ وبرع وتفوق وَكَانَ عَلامَة فِي المعقولات متبحراً فِي فنونها وَألف مؤلفات تدل على فَضله مِنْهَا تَفْسِير سُورَة يُوسُف وحاشية على تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام للبيضاوي وحاشية على حَاشِيَة ملا مَسْعُود فِي آدَاب الْبَحْث وحواشي على غَالب شرح الْمِفْتَاح للسَّيِّد الشريف وَله رسائل مُتعَدِّدَة فِي فنون كَثِيرَة وَقد ذكره الْحسن البوريني فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد فِي بِلَاد كنجة بردعه من بِلَاد الْعَجم وَبهَا نَشأ ثمَّ خرج مِنْهَا وَكَانَ وحيداً فريداً قَالَ وَأَخْبرنِي أَنه ورد من بِلَاده مَاشِيا وَأَنه دخل الْبَلدة الْمُسَمَّاة بالقصير فَأخذ بهَا الْعَهْد على الشَّيْخ أَحْمد القصيري الْمَشْهُور وسافر بعد ذَلِك إِلَى بَاب السلطنة العثمانية وخدم رجلا من أَرْكَان الدولة يُقَال لَهُ فريدون وأقرأ أَوْلَاده ولازمه حَتَّى انتظم فِي سلك الموَالِي قَالَ غَيره ودرس بعدة مدارس مِنْهَا مدرسة بناها المرحوم مُحَمَّد باشا باسمه وَهِي مَعْرُوفَة بَين قسطنطينية وأدرنة وَهُوَ أول من درس بهَا وَمِنْهَا مدرسة أياصوفيا ومدرسة وَالِدَة السُّلْطَان مُرَاد بِمَدِينَة اسكدار وَألقى بهَا درساً عَاما حَضَره غَالب فضلاء الرّوم وعلماؤها وخلع عَلَيْهِ يَوْم الدَّرْس ثَلَاث خلع بعد أَن أرْسلت إِلَيْهِ الوالدة ألف دِينَار لأجل ضِيَافَة من يحضر الدَّرْس وَمَا وَقع ذَلِك لأحد غَيره وَتكلم فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام على قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ ملك﴾ الْآيَة وَكَانَ درساً حافلاً لم يعْهَد فِي الرّوم مثله لِأَن المدرسين فِي بِلَادهمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك وَإِنَّمَا يجلس الْمدرس وَحده فِي مَحل خَال من النَّاس فَلَا يدْخل إِلَيْهِ إِلَّا من يقْرَأ الدَّرْس وشركاؤه فِيهِ وَلَا يحضرهم
أحد من غير تلامذة الْمدرس وَجرى بذلك الدَّرْس أبحاث وتناقلتها الروَاة وَألف هُوَ فِيهِ رِسَالَة وعرضها على كثير من الْعلمَاء فقرظوا لَهُ عَلَيْهَا وَكَانَ من جملَة الْقَوْم جدي القَاضِي محب الدّين فَكتب مَا من جملَته قَوْله
ومتع العَبْد طرفه بِتِلْكَ الطّرفبِظِل هاتيك الْهَدَايَا والتحف
وَدخل من جنان سطورها غرفامَبْنِيَّة من فَوْقهَا غرف
فَلَمَّا شَاهد آيَات فَضلهَا الَّتِي لَا تحجد وعاين معجزاتها الباهرة آمن برسالة أَحْمد وَقد أعْطى من مدرسة الوالدة قَضَاء الشَّام قَالَ البوريني وَكَانَ مَوْصُوفا بالتهاون فِيمَا يتَعَلَّق بِأُمُور الْقَضَاء حَتَّى أَنه كَانَ لَا يتأمّل الْحجَّة الَّتِي تعرض عَلَيْهِ للإمضاء بل كَانَ يمضيها تقليداً لِلْكَاتِبِ ثِقَة بِهِ وتغافلاً عَن التثبت لَا سِيمَا فِي أُمُور الشَّرْع وَصدر من ذَلِك أَن بعض أعدائه أَدخل عَلَيْهِ حجَّة فِيهَا بيع السَّمَوَات وتحديدها بكرَة الأَرْض فَعلم عَلَيْهَا واشتهر أمرهَا بَين موَالِي الرّوم وَمَا بإلى ذَلِك انْتهى ثمَّ بعد عَزله من دمشق ولي قَضَاء مصر وَوجدت فِي بعض المجاميع أَنه لما ولي قَضَاء مصر كَانَ إِ ذ ذَاك أَبُو الْمَعَالِي الطالوي بهَا فنظم هذَيْن الْبَيْتَيْنِ يهجوه بهما وهما فِي غَايَة اللطافة
حمير شرْوَان أَتَت مصرناوأصبحت بعد الشقا فِي دَعه
وَفَارَقت كنجة لَكِنَّهَالم يخل مِنْهَا الْبَعْض من بردعه
وَبعد ذَلِك ترقى فِي المناصب على التَّرْتِيب الَّذِي ذكرته فِي مبدأ تَرْجَمته إِلَى أَن وصل إِلَى قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلي وَتُوفِّي وَكَانَت وَفَاته بقسطنطينية فِي سنة ثَمَان بعد الْألف
الشريف أَحْمد بن زيد بن محسن بن الْحسن بن الْحسن بن أبي نمي وتقدّم تَمام النّسَب فِي تَرْجَمَة عَم جده الشريف أبي طَالب فَليرْجع إِلَيْهِ ثمَّة كَانَ من أَمر الشريف أَحْمد الْمَذْكُور أَنه كَانَ فِي دولة أَخِيه الشريف سعد مشاركاً لَهُ فِي الرّبع ثمَّ لما عزلا عَن شرافة مَكَّة توجها فِي ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف إِلَى الطَّائِف ثمَّ إِلَى بيشة وَأَقَامَا بهَا ثمَّ توجه المترجم إِلَى ديرة بني حُسَيْن فَإِن لَهُ أَهلا بهَا وَولدا وَاسْتمرّ مُقيما إِلَى ذِي الْقعدَة من السّنة فَرَحل مِنْهَا قَاصِدا لزيارة جده
فِي الْمَدِينَة فَدَخلَهَا لَيْلَة دُخُول الْحَاج الشَّامي وواجهه فِيهَا أَمِير الْحَاج الْمَذْكُور وَالْتمس مِنْهُ بعض مرام من شرِيف مَكَّة إِذْ ذَاك الشريف بَرَكَات ثمَّ خرج من الْمَدِينَة وَنزل على شيخ حَرْب أَحْمد بن رَحْمَة وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى عود الْحَاج الشَّامي فواجهه أَمِير الْحَاج وَأخْبرهُ بِعَدَمِ تَمام ذَلِك المرام ثمَّ توجه إِلَى الْفَرْع فِي أول عَام أَربع وَثَمَانِينَ
وَألف وَاسْتمرّ بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ لما خرج الشريف بَرَكَات لمحاربة حَرْب فِي أواسط السّنة الْمَذْكُورَة عَاد إِلَى حَرْب وحصن الْحَرْب ثمَّ بعد انْقِضَائِهَا توجه إِلَى الْفَرْع ثمَّ وصل إِلَيْهِ أَخُوهُ الشريف سعد واستمرا سبين الوارقية وَالْفرع وَأكْثر الْإِقَامَة بالفرع وَلما توعد الشريف بَرَكَات أهل الْفَرْع فِي أَوَائِل سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف تنحوا إِلَى جِهَة وَادي البقيع من بِلَاد حَرْب بَين السّفر وبلاد بني عَليّ وعَوْف واستمروا وَمن مَعَهم إِلَى شهر رَمَضَان ثمَّ عَن لَهُم التَّوَجُّه إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فوصلوا إِلَى حول الْمَدِينَة ونزلوا بِالْغَابَةِ مُجْتَمع السُّيُول غربي أحد أَوَاخِر رَمَضَان وعيدوا فِي ذَلِك الْمحل وَلَيْسَ فِي نزُول الْأسود فِي الغابة ملامة وَلَا معابة وقضوا حوائجهم وذهبوا خَامِس شَوَّال متوجهين إِلَى الشَّام لَا يَمرونَ بحي من أَحيَاء الْعَرَب إِلَّا أكرموهم وَمن أعجب الِاتِّفَاق نزولهم على مرج بني سجيم من غير علم مِنْهُم بذلك وَكَانَ الشريف سعد قتل أَبَاهُ فَلَمَّا علمُوا بِهِ حصل لَهُم كرب شَدِيد فَلم يشعروا إِلَّا وَولده مواجه لَهُم بالعبودية وَالسَّلَام وأهدر دم وَالِده وَأكْرمهمْ وَذبح لَهُم الذَّبَائِح ومنح المنائح وَهَذِه من غير شكّ معْجزَة من جدهم وَلم يزَالُوا على مثل ذَلِك مَعَ كل من مروا عَلَيْهِ من العربان من جمع ووحدان إِلَى أَن وصلوا إِلَى الشَّام فَتَلقاهُمْ أَهلهَا وأمراؤها وكبراؤها وعلماؤها ونقيبها ودخلوا بموكب عَظِيم والأشراف من أهل الشَّام حَولهمْ مشَاة بِأَمْر من نقيبهم ثمَّ أَقَامُوا بهَا وَاسْتَأْذَنَ لَهُم حَاكم الشَّام حِينَئِذٍ السلطنة فِي الْوُصُول فأنوا لَهُم فتوجهوا إِلَى أَن دخلُوا أدرنة فَحصل لَهُم من الدولة إكرام والتفات وَاجْتمعت بهم فِيهَا ثمَّ توجهوا بِأَمْر من السلطنة إِلَى قسطنطينية واستمروا بهَا وَتَوَلَّى الشريف سعد بعد ذَلِك معرة النُّعْمَان وَتوجه إِلَيْهَا ثمَّ عزل عَنْهَا وَعرضت على المترجم طرسوس فَلم يقبل وَأقَام بقسطنطينية مُدَّة مديدة واتحدت بخدمته اتحاداً تَاما وَتَقَرَّبت إِلَيْهِ كثيرا وَكَانَ كثيرا مَا يدنيني إِلَيْهِ وَيقبل عَليّ بكليته ومدحته بقصائد مِنْهَا هَذِه القصيدة كتبتها إِلَيْهِ فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف وَهِي قولي
يجوب الأَرْض من طلب الكمالاوَمن صحب القنا بلغ السؤالا
وَكم فِي الأَرْض من سكن وَدَاروَإِن كَانَ النَّوَى يضني الجبالا
وَمَا هجري الدمى ذلاً وَلَكِنرَأَيْت الذل أَن أَهْوى الجمالا
وَأَن الحتف فِي حب الغوانيجزين الصب هجراً أَو وصالا
أما وحياة عَيْنَيْك اللواتيبِغَيْر السحر تأبى الاكتحالا
وَمَا بسقيم جفنك من فتورأعَاد الْبَدْر من سقم هلالا
لانت أعز من روحي وَمَالِيوَإِن لعب الزَّمَان بِنَا ومالا
وَكم للشوق فِي أحشاء صبيبيت خياله يرْعَى خيالا
يُخَاطب من أمانيه نديماويجني من مطامعه نوالا
فَيقطع بالنوى الْأَيَّام سيراوَيقطع بالمنى السود الطوالا
إِذا مَا أوهمته النَّفس أمراوَرَاء السد كلفها ارتحالا
وَلَيْسَ الْجد فِي الدُّنْيَا بمجدوَلَا زَاد النَّوَى رزقا ومالا
وَلَكِن الْأُمُور لَهَا دواعيوَأَسْبَاب بَقَاء أَو زوالا
وأسهرني بِأَرْض الرّوم برقسرى من جلق يشكو الكلالا
وجدد لي بِأَرْض الشَّام عهداوذكرني الْأَحِبَّة والظلالا
مَوَاطِن صبوتي مقَام أنسيوَإِن صرمت أهاليها الحبالا
وَمَا كَانَت غوانيها جُفَاةوَلَكِن علموهن الدلالا
وَترك الْمَرْء دَار الضيم حتموَنَفس الْحر تأبى الاعتقالا
وَمَا كلفتهم شَيْئا وَلَكِنأعَاد الْوَهم رشدهم ضلالا
وَلَيْسَ يبين فضل الْمَرْء حَتَّىيبين وَيُشبه الشهب انتقالا
وَمن لم يشْكر النعماء يَوْمًاوأنكرها فقد رَضِي الزوالا
جفوا فحلمت فازدادوا جفَاءوظنوا الْحلم عَجزا واحتمالا
وَبَعض الْجَهْل فِي الأحيان خيروَبَعض الْحلم يَسْتَدْعِي النكالا
فَحَلَفت الديار وَمن عَلَيْهَاوَفَارَقت الْأَحِبَّة والعيالا
وسرت ولي من الذكرى سميريؤرقني وصحبي والجمالا
فَلَا زَالَت لِأَحْمَد مكرماتتقابلني نزولا وارتحالا
هُوَ الْمولى الشريف وَمن تسامىإِلَى العيوق أفضالا وطالا
مليك مُسْتَفَاد من مليككعرف الرَّوْض أكسبه شمالا
فَتى للفضل قد أضحى يَمِيناوباقى النَّاس كلهم شمالا
طليق الْوَجْه بسام الْمحيايسابق فَضله منا السؤالا
وَمن أَحْيَا موَات الْجُود فضلاوَورث عدله الدُّنْيَا اعتدالا
تهون بِهِ الصعاب وكل عقدأَبى أَلا يَكْفِيهِ انحلالا
أجل مُلُوك أهل الأَرْض طراوأصدقهم إِذا نطقوا مقَالا
رويدا أَيهَا الراجي علاهُفَإِن الشَّمْس تكبر أَن تنالا
وَيَا من قاسه الْبَحْر جودالقد قايست بالملح الزلالا
وَيَا من قد أَرَادَ لَهُ نظيرالقد كلفت دنياك المحالا
لَهُ النّسَب الرفيع إِلَى نَبِيلقد نَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا جمالا
أجل الْمُرْسلين ومقتداهموأجزل من على الغبرا نوالا
عَلَيْهِ بعد أنفاس البراياصَلَاة لله تكسبه كمالا
إِلَيْك سليل خير الْخلق أَشْكُونوى قصرت نتيجته وطالا
وهاك حلى على الهيف الغوانيوَالْأَخْذ على الوجنات خالا
عروب إِن أردْت قتال خصميأجرد من قوافيها النصالا
تمتّع من مدائحها بروضيروقك مِنْهُ شِمَاله اعتدالا
وَدم صدر الزَّمَان وَلَا رَأينَالذاتك مَا حدا الْحَادِي زوالا
لمجدك تنتمي زهر الدراريومجدك ينْطق الْكَوْن ارتجالا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع