تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْجِيم

الصفحة ٢ من ٢

وَكَانَ يَحْكِي عَن نَفسه إِنَّه لم يتَّفق لَهُ مُدَّة عمره صَلَاة من قعُود وَكَانَ مواظبا على السّنَن والرواتب وَله صدقَات سَرِيَّة وَكتب الْكثير من الْكتب بِخَطِّهِ وَكَانَ خطه حسنا وَضَبطه بَينا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من مُفْرَدَات وقته وحسنات عصره وَذكره وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَارِيخه وترجمته هُوَ شويخ نسر لُقْمَان عِنْده فريخ عمر إِلَى أَن فَاتَ حد الماية وَلَقي الْقرن بعد الْقرن والغاية بعد الْغَايَة وعاشر الوزراء ونادم الكبراء وَتردد إِلَى الْأَعْيَان وهام فِي الغيد الحسان حَتَّى صَار شيخ الغرام ونقيب الوجد والهيام فَهُوَ صَغِير كَبِير وكبير صَغِير إِذا خالط الْكِبَار يكبر

وَإِذا خالط الصغار يصغر مَحْبُوب قُلُوب الْأَنَام لَهُ فِيهَا التَّصَرُّف التَّام لَا يرَاهُ أحد من النَّاس إِلَّا وَيَوَد أَن يكون لَهُ من الندماء والجلاس يحب التلاق وبكره الْفِرَاق لَا يودع مُسَافِرًا وَلَا يعود مَرِيضا وَلَا يشيع جَنَازَة إِلَّا نَادرا وَكَانَت أوقاته مستغرقة فِي النزهات وَكَانَ لَهُ بعض ثروة وَيتَعَاطَى صَنْعَة القماش وَحج مرَّتَيْنِ متتابعتين وسافر إِلَى الْقُدس وحلب وَكَانَ يُورد قصصا وحكايات كَثِيرَة وَرُبمَا شَاهد غالبها بِالْعينِ وَكَانَ فِي ذَلِك تَارِيخا برحلين وَكَانَ مُفْرد وقته فِي لعب الشطرنج وَلم يكن فِي عصره مثله فِي مَعْرفَته وَالنَّاس يضْربُونَ بِهِ الْمثل فَيَقُولُونَ لمن يحسن لعبه فلَان يلْعَب مثل الْجُنَيْد وَرُبمَا كَانَ يمازحه بَعضهم بِأَنَّهُ أدْرك وَاضعه لكبر سنه ومهارته فِيهِ وَمِمَّا قيل فِيهِ وَكَانَ كَمَا وصف أصفر اللِّحْيَة

رب شخص بلحية نارنجيقَدمته نضيلة الشطرنج

وَكَانَ يكتم سنه فَإِذا ألح عَلَيْهِ فِي السُّؤَال ملح لم يزده على أَن سني عظم ويتمثل كثيرا بقول أبي الْعَلَاء الْبَغْدَادِيّ

احفظ لسَانك لَا تبح بِثَلَاثَةسنّ وَمَال مَا اسْتَطَعْت وَمذهب
للشاعر ابن الشبل البغدادي، اقرأ القصيدة
فعلى الثَّلَاثَة تبتلى بِثَلَاثَةبمكفر وبفاضح ومكذب

وَكَانَ يجْرِي لأدباء دمشق مَعَه مداعبات ومطارحات من أنفس مَا يسامر بِهِ فَمن ذَلِك مَا قَالَه فِيهِ الأديب إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأكرمي الْمُقدم ذكره وَكَانَ لَهُ رَفِيق يلقب بالقطب

الشَّام أضحت أحوالها عجبافِي دَهْرنَا والأمور أَسبَاب
للشاعر إبراهيم الأكرمي، اقرأ القصيدة
القطب فِيهَا بالعشق مشتهرلَا يستحي والجنيد دباب
للشاعر إبراهيم الأكرمي، اقرأ القصيدة

وَقَالَ فِيهِ أَيْضا هَذِه الأبيات وفيهَا إِشَارَة إِلَى مَا كَانَ فِيهِ من الشره فِي الْأكل وَيخرج مِنْهَا لفظ جُنَيْد بطرِيق النعمية

وَذي شَره مغرم بِالطَّعَامِيسير على بَطْنه أَي سير
ترَاهُ إِذا مد زاهي الطَّعَاموصف بأنواع لطف وَخير
يمد يداجن من قبلهَاويخلط كل الطَّعَام بِغَيْر

وَنقل عَنهُ أَنه حضر فِي ضِيَافَة عِنْد أحد الْأَعْيَان بِدِمَشْق فخلط فِي الطَّعَام على عَادَته فَأنْكر فعله بعض من كَانَ فِي الْمجْلس فَلَمَّا تنبه لإنكاره أنْشدهُ قَول الحريري

(سامح أَخَاك إِذا خلط ...)

فذيل لَهُ الْمُنكر هَذَا المصراع بقوله فِي الرز والزردا فَقَط والرز لُغَة فِي الْأرز وَيُقَال رز وأرز مثل كتب وزرنز وَحكى لي وَالِدي المرحوم أَنه

حضر سماطا وإمامه الْجُنَيْد فَبَالغ فِي النهمة وَكَانَ فِي الْمجْلس بعض الأدباء فَأَنْشد قَول أبي مُحَمَّد الْقزْوِينِي الضَّرِير فِي رجل أكول

وَصَاحب لي بَطْنه كالهاويةكَانَ فِي أمعائه مُعَاوِيَة

قَالَ لي الْوَالِد وَهَذَا الْبَيْت قد ذكره الثعالبي فِي اليتيمية وإستجاد وجازه لَفظه وَوُقُوع الأمعاء إِلَى حنب مُعَاوِيَة لمزية ثَالِثَة وَهِي كَون الَّذِي أنْشد فِيهِ من نسل مُعَاوِيَة وَحضر لَيْلَة فِي دَعْوَة كَانَ فِيهَا حَافظ الْمغرب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري وَأحمد بن شاهين الْمُقدم ذكرهمَا فَلَمَّا قدم الطَّعَام قَامَ الْجُنَيْد وَتَوَضَّأ وَصلى بعض رَكْعَات فَقَالَ الْمقري مستجيزا

قَامَ الْجُنَيْد يُصَلِّيوَنحن نَأْكُل عَنهُ

فَأَجَابَهُ ابْن شاهين

تقبل الله مناوَلَا تقبل مِنْهُ

وقصيدة مُحَمَّد الكريمي الَّتِي قَالَهَا فِي هجائه مَشْهُورَة وَهِي طَوِيلَة فَنَذْكُر بَعْضًا مِنْهَا فَإِنَّهَا من رائق الْكَلَام وَسبب انشائها أَن بعض أدباء دمشق وَمِنْهُم الْجُنَيْد كَانُوا مُجْتَمعين فِي مَحل وَبَين يديهم رمان يَأْكُلُون فطلع عَلَيْهِم الكريمي فَقَامَ الْقَوْم كلهم إِلَّا الْجُنَيْد فَأَنْشَأَ الكريمي هَذِه القصيدة ومطلعها

تزهو بشاشك أَو بِمَالكوَكِلَاهُمَا من حَظّ مَالك
فَم كم تنام وَفِي الْهوىمِنْهَا لكايا سوء حالك
كَيفَ الْقيام لناسكإِنِّي لَا عجب من محالك

مِنْهَا

إِن الْمُعظم نَفسهيَا شيخ فِي بَحر المهالك
يَا عير قَامَ الْقَوْم ليإِلَّا حمارا من مثالك
لَكِن عذرك وَاضحفالأكل من أقوى اشتغالك
هَذَا عتاب لاهجاوعظيم أَنْفك مَعَ سبالك
حررته مُسْتَغْفِرًاإِذْ كدت أَدخل فِي وبالك
هَذَا وَمَا عهد الْقياممن الجماد فدم بحالك

وَمِنْهَا

صدقت استاذي الْعِمَادِيّفِي شَهَادَته بذلك
بقصيدة الْكرْدِي والأغنامفاجعلها ببالك
فاشكر صنيعي إِن عقلتوَإِن ترم خُذْهَا بفالك
إِنِّي رَأَيْتُك قد مقتبعيد زهوك واختيالك
واغتضت بالدنيا عَن الْأُخْرَىفراقب نَار مَالك
ارْفُقْ بِنَفْسِك قد كَبرتوَزَاد هولك عَن مجالك
وَأعد صَلَاتك مَا اسنطعتوعد عَن ماضى دلالك
فَأَرَاك لَا تفرق ريالكفِي النَّجَاسَة من مبابك
وَالْحق أَنَّك جَاهِلوتعد نقصك من كمالك

وَقَوله بقصيدة الْكرْدِي والأغنام إِشَارَة إِلَى أَن الأبيات الَّتِي نظمها فِيهِ الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي والشاهيني وَعبد اللَّطِيف بن المنقار من بَاب المساجلة بَينهم ومطلع هَذِه القصيدة

عذرتك يَا حلا حل بالجنيدوَقلت لَهُ سماعك بالمعيدي

وحلا حل هَذَا كَانَ رجلا كثير المجون واسْمه عَليّ وَسَيَأْتِي ذكره وَكَانَ كثير الْحَط على الْجُنَيْد شَدِيد الإزراء بِهِ وَله مَعَه نكايات ووقائع شَتَّى وَكَانَ الْجُنَيْد بِمُجَرَّد ذكره يتألم ويحنق لما كَانَ يلْحقهُ مِنْهُ من الأذية خُصُوصا فِي مجَالِس الْكِبَار والأعيان من الْعلمَاء وَغَيرهم وتتمة الأبيات

لَهُ شال بشابه عارضيهصفارا فَوق وَجه كالقريد
ببادر للمآكل حِين يدعىويشتم الروائح من بعيد
ترَاهُ يمصمص الأعظام جوعاكَانَ أَبَاهُ بغدادي زبيدي
ينكش سنه من شرب مَاءبإصبعه وطورا بالعويد
وَيُصْبِح هائشا يَبْغِي طَعَامايطوف على الْمنَازل كالجعيدي
على الطَّحَّان يعتب كل آنوَيضْرب باليماني الهنيدمي
وَمثل النَّحْل بِأَكْل كل شَيْءويجني اللسع مَعَ عدم الشَّهِيد
وتشكو ثقل فستقة حشاهويزلط كل خرفان الكريدي
وينكح بنت شَهْوَته طَعَاماوَيُعْطى مهرهَا نحل النقيد
ويلبس فَرْوَة من جلد نمريَقُول لبستها خوف الْبَرِيد
بِمَوْت قد تلقب فِي البراياوَبَين النَّاس يدعى بالصميدي
على الْأَصْحَاب يطْرَح كل شاشبأَرْبعَة من الذَّهَب النقيدي
بِرَأْس المَال يُخْبِرهُمْ كذوباويفترس الْأَنَام كَمَا الفهيد
وَلما جِئْت مَا أهديت شَيْئابعثت إِلَيْك هجوا من عنيدي
وَإِن تنكر قوافيها فسامحفَإِن الشّعْر من ملامجيد

وملامجيد الْمَذْكُور كَانَ روميا نزل دمشق وقطن بهَا وَكَانَ ينظم أشعارا على

على طَرِيق المجون وَكَانَ أدباء دمشق كالمولى أَحْمد بن زين الدّين المنطقي وَابْن شاهين والأمير المنجكي ينظمون الْأَشْعَار الهزلية على لِسَانه وينسبونها إِلَيْهِ من نَوَادِر الْجُنَيْد أَنه لما وَصله خير الأبيات من الكريمي اجْتمع بِهِ واستنشده أياها فَلَمَّا أتم قرَاءَتهَا نظر إِلَيْهِ ينظر المستهزئ بِهِ وَلم يزده على أَن قَالَ لَهُ أَيْن الْأُم المشفقة الَّتِي تبْكي عَلَيْك وَهَذِه كِتَابَة عَن سوء حَاله فَإِن الكريمي ورث من أَبِيه مَالا كثيرا فأتلفه فِي مُدَّة جزئية وساء حَاله بعد ذَلِك وَحكى عَن الكريمي أَنه قابلني بِكَلِمَة لَو صرفت عمري فِي هجوه مَا وفيت بهَا وللجنيد نكات مَقْبُولَة ومقولات رائقة فَمن ذَلِك قَوْله لَا تسمع غناء الْأَمْن فَم تشْتَهي أَن تقبله وَمن لطائفه تَسْمِيَة فرع الْأَمْرَد بعريشة الْحسن وَقد نظمها الْأَخ الْفَاضِل إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد السّفر جلاني أبقاه الله تَعَالَى فِي مَقْطُوع فأجاد حَيْثُ قَالَ

قَالَ صف فرعي الَّذِي قد تدلىفَوق خدي إِن كنت من واصفيه
قلت مَاذَا أَقُول فِي وصف روضقد تدلت عريشة الْحسن فِيهِ

وَمن غرائب وقائعه الَّتِي تسند إِلَى حسن عشرته وتحمله وَتَقْدِيم النشاط على غَيره أَنه مَاتَ لَهُ ولدان وَجِيء إِلَيْهِ بخبرهما وَهُوَ مَعَ جمَاعَة فِي بُسْتَان بالصالحية يلْعَب بالشطرنج فَلم يشْعر أحدا وَقَامَ وَأعْطى الْمخبر دَرَاهِم وفوض إِلَيْهِ أَمر يجهيزهما وَعَاد إِلَى مَا كَانَ يه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من نَوَادِر الزَّمن وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْأَرْبَعَاء ثامن عشرى ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى وَقد أرخ بَعضهم وَفَاته بقوله

مَا الدَّهْر دهر جَدِيدكَذَا تكون العبيد
وَمَا سوى الله فَإِنوَأَيْنَ من لَا يبيد
وَعمر هَذَا قصبروَعمر هَذَا مديد
وللفريقين يَوْملَا بُد يَأْتِي شَدِيد
أما سَمِعت المناياتَقول مَاذَا يُفِيد
طير الفنا أَن تؤرخصَحَّ مَاتَ مَاتَ الْجُنَيْد

السَّيِّد جمال الدّين بن نور الدّين بن أبي الْحسن الْحُسَيْنِي الدِّمَشْقِي الأديب الشَّاعِر الذيق كَانَ ألطف أَبنَاء وقته دماثه خلق وَخلق حسن معاشر لطيف الصُّحْبَة سهي النُّكْتَة والنادرة قَرَأَ بِدِمَشْق وَحصل وَحضر مجَالِس الْعَلامَة السَّيِّد

مُحَمَّد بن حَمْزَة نقيب الْأَشْرَاف فَأخذ عَنهُ من المعارف مَا تنافست عَلَيْهِ بِهِ الآراء ثمَّ هاحر إِلَى مَكَّة وَأَبوهُ ثمَّة فِي الْأَحْيَاء فجاور بهَا مُدَّة ثمَّ دخل الْيمن أَيَّام الإِمَام أَحْمد بن الْحسن فَعرف حَقه من الْفضل وراجت عِنْده بضاعته ومدحه بِهَذِهِ القصيدة

خليلي عود إِلَى فيا حبذا المطلإِذا كَانَ يُرْجَى فِي عواقبه الْوَصْل
خليلي عودا وأسعد إِنِّي فأنتماأَحَق من الأهلين بل أَنْتُمَا الْأَهْل
فقد طَال سيري واضمحلت جوارحيوَقد سئمت فرط السرى العيس وَالْإِبِل
فعادا وَقَالا صَحَّ مَا بك من جوىوَفِي بعض مَا لاقيته شَاهد عدل
وَلَكِن طول السّير لَيْسَ بضائروغايته كنز الندى أَحْمد الشبل

مِنْهَا

أبانت بِهِ الْأَيَّام كل عَجِيبَةيسير بهَا الركب الْيَمَانِيّ والقفل
فنيران بَأْس فِي بحار مَكَارِموَمن فعله وصل وَفِي قَوْله فصل
أرانا عيَانًا ضعف أَضْعَاف سمعنَاوَعَن جودة قد صَحَّ بِالنّظرِ النَّقْل

وَمِنْهَا

أَقُول وَقد طفت الْبِلَاد وَأَهْلهَابلوتهم قولا يصدقهُ الْفِعْل
إِذا مَا جرى ذكر الْبِلَاد وحسنهافَتلك فروع وَالْغِرَاس هِيَ الأَصْل
وَإِن عد ذُو فضل ومجد مؤثلفَأَحْمَد من بَين الْأَنَام لَهُ الْفضل
فَلَا غروان قصرت طول مدائحيفَفِي الْبعد قصر الْفَرْض جَاءَ بِهِ النَّقْل
إِلَيْك صفي الدّين مني خريدةفريدة حسن لَا يصاب لَهَا مثل
وَأعظم مَا ترجو الْقبُول فَإِنَّمَاقبُول الثنا بَاب يتم بِهِ السُّؤَال
فحقق رجاها واحل عاطل جيدهابِمَا أَنْت يَا نجل الْكِرَام لَهُ أهل

ثمَّ فَارق الْيمن وَدخل الْهِنْد فوصل إِلَى حيدر آباد وصاحبها يَوْمئِذٍ الْملك أَبُو الْحسن فاتخذه نديم مَجْلِسه وَأَقْبل عَلَيْهِ بكليته وَهَذَا الْملك كَمَا بَلغنِي فِي هَذَا الْعَصْر الْأَخير من أَفْرَاد الدُّنْيَا وفور كرم وميلا للأدب وَأَهله فَأَقَامَ عِنْده فِي بلهنية عَيْش وصفاء عشرَة حَتَّى طرقت أَبَا الْحسن النكباء من طرف سُلْطَان الْهِنْد الْأَعْظَم السُّلْطَان محيي الدّين مُحَمَّد الشهير بأورنك زيب وَقبض عَلَيْهِ وحبسه وأحسب أَنه الْآن لم يزل مَحْبُوسًا هُنَاكَ فَانْقَلَبَ الدَّهْر على السَّيِّد جمال الدّين فبقى مُدَّة فِي حيدر آباد وَقد ذهب أَنه إِلَى أَن مَاتَ بهَا فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف كَمَا أَخْبرنِي بذلك أَخُوهُ روح الْأَدَب السَّيِّد عَليّ بِمَكَّة المشرفة حرسها الله تَعَالَى

الْأَمِير جَوْهَر سحرتي لبرهان نظام شاه الْمُوفق سُلْطَان الْهِنْد أحد أُمَرَاء الديار الْهِنْدِيَّة الْمَشْهُورين بِحسن السِّيرَة جلب إِلَى الْهِنْد وَهُوَ صَغِير هُوَ وَأَخ لَهُ فاشتراهما السُّلْطَان الْعَادِل برهَان نظام شاه وَسلم جوهرا لمن يُعلمهُ الْقُرْآن فتعلمه وَحفظه وَحفظ غَيره ثمَّ تعلم الفروسية واللعب بِالسَّيْفِ وَالرمْح والسهام إِلَى أَن مهر فِي ذَلِك ثمَّ ترقى إِلَى أَن صَار أَمِيرا على مِائَتي فَارس وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب سمع من جمَاعَة وَقَرَأَ كتبا كَثِيرَة وَصَحب الْمَشَايِخ وَلزِمَ الشَّيْخ الإِمَام شيخ بن عبد الله العيدروس وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة ذكره الشلي وَقَالَ اجْتمعت بِهِ فِي رحلتي إِلَى الْهِنْد وَعرفت فَضله ودرجته فِي الْعلم وَقَرَأَ عَليّ فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث فأقمت بُرْهَة أرتع فِي رياض فَضله وَكَانَ لَهُ من الْعِبَادَة شَيْء كثير لَا يفتر سَاعَة عَن تِلَاوَة أَو ذكر أَو صَلَاة على النَّبِي

وَكَانَ لَهُ مطالعة فِي كتب الدقائق وسير الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء وَكَانَ كثير الِاعْتِقَاد فِيمَن يثبت عِنْده صَلَاحه وَكَانَت لَهُ بشاشة وَجه وَكَانَ شجاعاً شهماً ذَا سياسة للرعايا كثير الْغَزْو وَالْجهَاد لقِتَال أهل الْكفْر ثمَّ رَمَاه الدَّهْر بسهمه فَفَارَقَ مَحل مَمْلَكَته وَتوجه إِلَى بيجافور فَمَاتَ بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة السَّادة وَالْعرب تَحت مَدِينَة بيجافور من أَرض الْهِنْد واعتنى السَّادة بتجهيزه وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَخلف وَلدين صغيرين فأقيما مقَامه رَحمَه الله تَعَالَى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.