من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْحَاء الْمُهْملَة (٣)
الصفحة ٢ من ٢
الْفَضَائِل بإيضاح تَقْرِيره ومحيي ذَوي الإفهام بدر رغرر تحريره نقال الْمسَائِل الدِّينِيَّة وموضح المعضلات اليقينية صَاحب خلق حسن وفصاحة ولسن وَكَانَ أحسن فُقَهَاء زَمَانه وصنف كتبا كَثِيرَة فِي الْمَذْهَب وأجلها حَاشِيَته على كتاب الدُّرَر وَالْغرر لمنلا خسروا واشتهرت فِي حَيَاته وانتفع النَّاس بهَا وَهِي أكبر دَلِيل على ملكته الراسخة وتجره وَشرح منظومة ابْن وهبان فِي مجلدين وَله متن فِي الْفِقْه ورسائل وتحريرات وافرة متداولة وَكَانَ لَهُ فِي علم الْقَوْم بَاعَ طَوِيل وَكَانَ مُعْتَقدًا للصالحين والمجاذيب وَله مَعَهم إشارات ووقائع أَحْوَال مِنْهَا أَن بَعضهم قَالَ لَهُ يَا حسن من هَذَا الْيَوْم لَا تشتر لَك وَلَا لأهْلك وأولادك كسْوَة فَكَانَت تَأتيه الْكسْوَة الفاخرة وَلم يشتر بعْدهَا شَيْئا من ذَلِك وَقدم الْمَسْجِد الْأَقْصَى فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف صَحبه الْأُسْتَاذ أبي الإسعاد يُوسُف بن وفا وَكَانَ خصيصا بِهِ فِي حَيَاته وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة بعد صَلَاة الْعَصْر حادي عشرى شهر رَمَضَان سنة تِسْعَة وَسِتِّينَ وَألف عَن نَحْو خمس وَسبعين سنة وَدفن بتربة المجاورين والشرنبلالي بِضَم الشين الْمُثَلَّثَة مَعَ الرَّاء وَسُكُون النُّون وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ لَام ألف وَبعدهَا لَام نِسْبَة لشبرا بلولة وَهَذِه النِّسْبَة على غير قِيَاس وَالْأَصْل شبْرًا بلولى نِسْبَة كبلده تجاه منوف الْعليا بإقليم المنوفية بسواد مصر جَاءَ بِهِ وَالِده مِنْهَا إِلَى مصر وسنه يقرب من سِتَّة سِنِين فحفظ الْقُرْآن وَأخذ فِيهِ الإشتغال رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حسن بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ من مُلُوك الْيمن الَّذين تسنموا من الْفَخر عالى الذرى ووسع جودهم عَامَّة الورى أما الْعلم فَهُوَ من أفاضل جيله وَأما الْحلم فَهُوَ الناهج لسبيله وَأما الحماسة فَمَا إشتقاق الحمس إِلَّا من حماسته وَلَا السماحة الأ من فائض سماحته وَهُوَ الَّذِي فتح الْيمن وَأَخذه لأخويه مُحَمَّد وَإِسْمَاعِيل من الأتراك وأخرجهم مِنْهُ وَكَانَ مَعَ شجاعته ذَا سياسة وتدبير عَظِيم ومرجع الدولة فِي عصره إِلَيْهِ وَالْكل من بنى الْقَاسِم لَا يصدرون إِلَّا عَن رَأْيه ويعولون فِي جَمِيع الْأُمُور عَلَيْهِ وَكَانَ مَعَ إشتغاله بالحروب وقيامه بِأَمْر الْملك على ضروب يَهْتَز الشّعْر هز النشوان وَلَا يشْغلهُ شاغل عَن المذاكرة فِي كل أَوَان فَلَو رَآهُ ابْن الرُّومِي لما قَالَ شعر
ذهب الَّذين تهزهم مداحهمهز الكماة عوالي المرّان
وَكَانَ يبين بجودة دهنه الْوَقَّاد الْجواد والمقصر فِي ميدان الأنشاد وَكَانَ عَظِيم الْعَطاء
كثير الْمَعْرُوف محبا لفعل الْخَيْر وَكَانَ يجل أَوْلَاد الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء يعرف لَهُم حَقهم وَلذَلِك تمّ لَهُ الدست وَكَانَ سعيدا فِي حروبه وَمَا اتّفق أَنه ركب فِي جَيش الأوعاد منصوراً وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ حَسَنَة فِي بني الْقَاسِم على وَجه الزَّمَان وَلَا يدانيه فِي شجاعته مِنْهُم مدان وَأما مَا قيل فِيهِ من المدائح فَيطول ذكره وَهُوَ الَّذِي اختط الْجَبَل الْمُسَمّى بضوران بضاد مُعْجمَة مَضْمُومَة فَبنى بِهِ حصناً مشيداً واختط بِهِ مَدِينَة عَظِيمَة وَأَحْيَا بِهِ أَرضًا دَائِرَة وغرس بهَا فواكه فَصَارَت مَدِينَة عَظِيمَة بأسواقها وحماماتها ومساجدها وَأمر كل أَمِير من أمرائه أَن يَبْنِي بهَا بَيْتا فاتبعوا أمره وَعمر مَا حول الْمَدِينَة من الْقرى وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت ثَانِي شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف بِمَرَض ذَات الْجنب وَحصل بِمَوْتِهِ التَّعَب الشَّديد لعُمُوم نَفعه ورياسته وشجاعته وَحسن أخلاقه حَتَّى أَنه لما انتصر على الأروام فِي زبيد كَانَ يغريه المجالسون بالايقاع بهم لما صدر مِنْهُم من حربه فَلم يُؤثر فِيهِ العذل بل عَفا عَنْهُم وكساهم وَأحسن إِلَيْهِم وَكَانَت مُدَّة إمارته بعد خُرُوجه من صنعاء نَحْو خَمْسَة عشر عَاما وَدفن بضوران وَبنى عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة إِلَى جَانب مَسْجده الَّذِي أسسه وتممه وَلَده مُحَمَّد وأجرى الْمِيَاه هُنَالك إِلَيْهِ وَجَاء تَارِيخ وَفَاته حسن المخلد فِي الْجنان رَحمَه الله تَعَالَى
حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا الْوَزير نَائِب الشَّام قد تقدم طرف من خَبره فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان أَحْمد وعلينا أَن نفصل أمره هُنَا فَنَقُول ولى فِي مبدا أمره كَفَالَة حلب ودخلها وَلم يلتح أَو لم تكمل لحيته ثمَّ ولى بعْدهَا كَفَالَة الشَّام فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وعزل عَنْهَا وَولي ولَايَة أَنا طولي ثمَّ ولَايَة أرزن الرّوم وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم فرهاد باشا سر دَار أَعلَى العساكر العثمانية لغزاة ولَايَة الْعَجم فَاجْتمع بِهِ فِي ولَايَته الْمَذْكُورَة وَوَقع بَينهمَا أُمُور طَوِيلَة بِسَبَب أَن فرهاد باشا كَانَ بني بعض القلاع فِي ديار الشرق وَرفع حِسَاب كلفته عَلَيْهَا فِي دفتر وَطلب من بَقِيَّة الْأُمَرَاء إِمْضَاء ذَلِك الدفتر فَمنهمْ من أَمْضَاهُ وَمِنْهُم من رده وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة مِمَّن رده وَعرض إِلَى السُّلْطَان أَنا الْمبلغ الَّذِي رفع حسابه فرهاد باشا لَيْسَ كَمَا ذكر بل زَاد على جناب السلطنة شَيْئا كثيرا فنما إِلَيْهِ الْخَبَر وَكَانَ مُقيما بأرزن الرّوم حِينَئِذٍ فَأرْسل إِلَيْهِ وعاتبه على مَا بلغه عَنهُ فدار بَينهمَا كَلَام فِي أثْنَاء المعاتبة أدّى إِلَى نكايات وصمم كل مِنْهُمَا على قتل الآخر بالمواجهة فَدخل من كَانَ فِي الْمجْلس بَينهمَا بَادر صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الرحيل فَرَحل من حِينه إِلَى طرف دَار السلطنة وَكَانَ
يُقَال أَنه اشْترى تفتيش السردار الْمَذْكُور بأحمال من الذَّهَب فوصل الْخَبَر إِلَى السردار فَقبل ذَلِك خوفًا من التفتيش وَحدث بعض الثِّقَات أَنه قبله وُصُوله إِلَى قسطنطينية رأى رجل من قواد السلطنة وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة الْوَزير مُحَمَّد باشا فِي النّوم فَقَالَ لَهُ الْوَزير اذْهَبْ إِلَى جَمِيع أَرْكَان الدولة وأوصهم بِحسن وَلَدي وَقل لَهُم أَنِّي أوصيهم بِهِ فَقَامَ ذَلِك الْقَائِد مُتَعَجِّبا وَدَار على أَرْبَاب الدولة وَذكر لَهُم الْوَاقِعَة فتعجبوا وَلم يعلمُوا السَّبَب فِي الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة لأَنهم لَا علم لَهُم بِمَا صدر بَين حسن باشا وفرهاد ونما خبر الرُّؤْيَا حَتَّى وصل إِلَى السُّلْطَان مُرَاد بن سليم وَلما وصل حسن باشا ماجب لقدومه الدولة واضطر بت وَعلم النَّاس أَن وَالِده كَانَ من أَصْحَاب الْأَحْوَال وَأَقْبل السُّلْطَان عَلَيْهِ وولاه نِيَابَة الشَّام ثَانِيًا وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَاسْتمرّ بهَا حَاكما مُدَّة تزيد على سنتَيْن وَسَار بهَا سيرة حَسَنَة وَوَقع فِي زَمَنه فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين ثلوج عَظِيمَة بِدِمَشْق ودامت نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسقط مِنْهَا بيُوت كَثِيرَة على أَقوام هَلَكُوا تَحت الرَّدْم فَأمر أَن لَا يكْشف على أحد مِنْهُم ونادى أَن كل من مَاتَ عِنْده أحد تَحت الْهدم يدفنه وَلَا يشاور عَلَيْهِ ثمَّ عزل وأعيد ثَالِثا وَلم يسْبق لأحد غَيره من أُمَرَاء آل عُثْمَان أَن يتَوَلَّى الشَّام ثَلَاث مَرَّات وَمن عَجِيب مَا وَقع فِي أَيَّامه حَادِثَة مَحْمُود لابواب الْمَعْرُوف بتكرى بلمزاي الَّذِي لَا يعرف الرب وَهَذَا الْحَادِثَة شهيرة وَلم يبْق أحد من المؤرخين وَأَصْحَاب المجاميع إِلَّا سَاقهَا وفيهَا طول وملخصها أَن شخصا يُقَال لَهُ مَحْمُود بن يُونُس بن شاهين الْأَعْوَر كَانَ قد هلك فِي ذِي الْقعدَة لسنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِدِمَشْق وَاتفقَ أَن شخصا يُقَال لَهُ يُوسُف السقا من الأجناد الدمشقيين تزوج بِزَوْجَة الْأَعْوَر وَذهب إِلَى الديار الرومية وأنهى عَن الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن خطاب وَولده القَاضِي كَمَال الدّين الْمَالِكِي خَليفَة الحكم بِدِمَشْق وَالْقَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد الرجيحي الْحَنْبَلِيّ وعلاء الدّين ابْن الخشاب الترجمان أَنهم أخذُوا جَمِيع مَال مَحْمُود الْأَعْوَر وَجُمْلَة مَا خَلفه بعد مَوته ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار ذَهَبا واقتسموه وَقد كَانَ حق بَيت المَال لمَوْته عَن غير وَارِث وَقرر أَنهم أثبتوا لَهُ ولدا صلياً لَا أصل لَهُ فعين بِمُجَرَّد انهائه مَحْمُود البواب الْمَذْكُور وَجَاء وصحبته يُوسُف السقا الْمَذْكُور وَقبض على الْقُضَاة الْمَذْكُورين بعد أَن هرب شمس الدّين الْخطابِيّ إِلَى طرابلس الشَّام وَأقَام فِي بَيت رجل من أَصْحَابه فَسَار البواب وَقبض عَلَيْهِ وأتى بِهِ إِلَى دمشق وعَلى رَأسه قلنسوة
نَصْرَانِيّ وَفِي رجلَيْهِ الْقُيُود وَفِي عُنُقه الغل وَدخل بِهِ على هَذِه الْهَيْئَة وَالنَّاس ترمقه وَأما القَاضِي الرجيحي فَإِنَّهُ هرب إِلَى مصر وَأقَام بهَا مستخفياً وَوضع الَّذين قبض عَلَيْهِم من هَؤُلَاءِ فِي الزناجير والقيود وَأَخذهم مكبلين بالحديد إِلَى ديار الرّوم غير أَنه لم يدْخل بهم دَار السلطنة خشيَة من مفتيها لِئَلَّا يسْعَى فِي خلاصهم ثمَّ قفل بهم جَمِيعًا إِلَى دمشق والزناجير فِي رقابهم على مَلأ الأشهاد وَشرع يَأْخُذ جَمِيع مَا يملكونه من الأقمشة وَالْأَمْوَال وَالْعَقار والغلمان حَتَّى سلبهم الْجَمِيع وعاقبهم معاقبة بَالِغَة وَقبض فِي أثْنَاء مَا فعل على غَالب أَعْيَان دمشق وشيوخها مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام إِسْمَاعِيل النابلسي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْحِجَازِي وَمن رُؤَسَاء الصُّوفِيَّة الشَّيْخ أَبُو الوفا العقيبي الْعمريّ واغتصب من تجارها الْمَشَاهِير وَبَعض أَهلهَا الضُّعَفَاء مَالا جزيلاً أناف على مِائَتي ألف دِينَار وَمن التحف والأقمشة مَا لَا يُحْصى ثمَّ قبض على نائبي الحكم الْعَزِيز بالمحكمة الْكُبْرَى القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن جَانِبك الشَّافِعِي وَالْقَاضِي عبد الله ابْن الرَّمْلِيّ الْمَالِكِي وَضم مَعَهُمَا القَاضِي نجم الدّين بن أبي الْفضل الشَّافِعِي وَابْن عُمَيْر الصَّالِحِي وأصر على التَّعَدِّي وأضرار النَّاس مُدَّة تِسْعَة أشهر وطفق يتعاطى الْمُنْكَرَات وتوارى مِنْهُ عُلَمَاء دمشق وأعيانها خيفة مِنْهُ فَكتب جدي القَاضِي محب الدّين رسالتين وقصيدتين وَأرْسل كلا مِنْهُمَا وَاحِدَة إِلَى الْمُفْتى الْأَعْظَم الْمولى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الياس بن جوى وَالْأُخْرَى إِلَى الْمولى سعد الدّين معلم السُّلْطَان مُرَاد بِمَا فعل البواب مفصلا فعرضت الرسالتان على السُّلْطَان مُرَاد بِوَاسِطَة الْوَزير الْأَعْظَم سياغوش باشا فَخرج الحكم بقتْله بعد الاثبات عَلَيْهِ وَورد الحكم إِلَى دمشق ونائبها صَاحب التَّرْجَمَة وقاضي الْقُضَاة بهَا الْمولى على بن الْمولى سِنَان فَجمع الْوَزير أَعْيَان الشَّام بأسرهم وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاة بِالْمَجْلِسِ وأخرجوا من كَانَ فِي حبس البواب على صورتهم بالقيود والأغلال فِي أَعْنَاقهم وَلما أحضر البواب إِلَى الدِّيوَان الْمَزْبُور أَمر الْوَزير بِنَزْع كسْوَة السُّلْطَان عَنهُ وألبس قلنسوة نَصْرَانِيّ وأوقف فِي حَاشِيَة الدِّيوَان وَادّعى عَلَيْهِ بعض المحبوسين من الْقُضَاة وأرباب المناصب وَقَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بتحقير الْعلمَاء وازدرائهم فَحكم عَلَيْهِ القَاضِي بِالْقَتْلِ لثُبُوت الرِّدَّة عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك فِي بعض أَيَّام التَّشْرِيق والأرجوحة مركبة على بَاب دَار الْإِمَارَة على قَاعِدَة الأروام فِي تركيبها أَيَّام الْعِيد فأنزلوه فَلَمَّا تحقق أَنه مقتول لَا محَالة طلب المهلة إِلَى أَن يغْتَسل كَأَنَّهُ كَانَ جنبا فأمهلوه حَتَّى اغْتسل فِي مَسْجِد
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع