من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (١٢)
الصفحة ٢ من ٢
العنبرية فِي شرح الْبَيْتَيْنِ العدنية وَكتاب غَايَة الْقرب فِي شرح نِهَايَة الطّلب اعتنى بِهِ النَّاس كثيرا وحصلوا مِنْهُ نسخا عديدة نَحْو الْأَرْبَعين فِيمَا علمت وَشرح على قصيدة الشَّيْخ أبي بكر العيدروس صَاحب عدن النونية وَكتاب إتحاف إخْوَان الصفاء بشرح تحفة الظرفاء بأسماء الْخُلَفَاء وَكتاب صدق الْوَفَاء بِحَق الإخاء وَكتاب النُّور السافر عَن أَخْبَار الْقرن الْعَاشِر وتقريظ على شرح قصيدة البوصيري الَّتِي عَارض بهَا بَانَتْ سعاد لشَيْخِنَا شيخ الْإِسْلَام عبد الْملك بن عبد السَّلَام دعسين الْأمَوِي اليمني الشَّافِعِي وَآخر على رِسَالَة صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ فِي تَنْزِيه الإِمَام مَالك عَن تِلْكَ الْمقَالة الشنيعة الَّتِي نَسَبهَا إِلَيْهِ من لَا خلاق لَهُ وَأَجَازَ للفقيه الصَّالح أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد باجابر وديوان شعر اسْمه الرَّوْض الأريض والفيض المستفيض انْتهى كَلَامه فِي حق نَفسه قَالَ الشلي وَمن مؤلفاته الَّتِي لم يذكرهَا الزهر الباسم من روض الْأُسْتَاذ حَاتِم وَهُوَ شرح رِسَالَة من السَّيِّد حَاتِم إِلَيْهِ وَهُوَ مطول نَحْو مجلدين وَكتاب قُرَّة الْعين فِي مَنَاقِب الْوَلِيّ عمر بن مُحَمَّد باحسين قَالَ فِي الزهر الباسم وَشَيخنَا وإمامنا فِي هَذَا الشَّأْن شيخ الْإِسْلَام الْعَالم الرباني المربي شيخ بن عبد الله العيدروس فَإِنَّهُ رباني بنظره وغذاني بسره وصدرني فِي مَكَانَهُ وَشَيخنَا الثَّانِي الشَّيْخ الَّذِي هُوَ الْأَخ وَابْن الْعم الإنساني الْكَامِل والجزء الَّذِي هُوَ الْكل شَامِل أَبُو الْأَرْوَاح وَشَيخ الْأَشْيَاخ حَاتِم بن أَحْمد الأهدل وَهُوَ الَّذِي أسْرع بأسرارنا حَتَّى لحقت وفتق ألسنتنا حَتَّى نطقت وَشَيخنَا الثَّالِث قطب الْوُجُود وَإِمَام أهل الشُّهُود وشمس الشموس الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس صنوي ووالدي فَإِنَّهُ حكمني وألبسني الْخِرْقَة ونصبني شَيخا وَذكر صُورَة إِجَازَته لَهُ وتحكيمه وَشَيخنَا الرَّابِع درويش حُسَيْن الكشميري وَشَيخنَا الْخَامِس مُوسَى بن جَعْفَر الكشميري وَذكر تَرْجَمَة هذَيْن وَأَجَازَهُ الثَّانِي لَهُ وَشَيخنَا السَّادِس الْوَلِيّ الْكَبِير الْقدْوَة الشهير مُحَمَّد بن الشَّيْخ حسن جشني انْتهى وَلم يزل فِي أَحْمد أباد مستمراً على نفع الْعباد إِلَى أَن انْتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف بِمَدِينَة أَحْمد أباد وعمره سِتُّونَ سنة وقبره فِيهَا مَشْهُور مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ
عبد الْقَادِر بن عُثْمَان القاهري الْحَنَفِيّ الشهير بالطوري مفتي الْحَنَفِيَّة بِمصْر من بَيت أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة ذَوي حسب وَكَانَ عَالما فَاضلا فَقِيها أديباً وَله وجاهة ونباهة
فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَكَانَ ملازما على الْإِفْتَاء والتدريس بِجَامِع الْأَزْهَر وَله تصانيف مِنْهَا شرح على الْكَنْز فِي الْفِقْه وتكملة الْبَحْر الرَّائِق وَله كتاب فِي الْأَدَب جمعه من نظمه ونثره سَمَّاهُ الفواكة الطورية وَفِي هَذِه التَّسْمِيَة لطف لِأَن بلدته الطّور أَكثر تِلْكَ الدائرة فَاكِهَة ويعجبني مَا كتبه إِلَيْهِ بعض الأدباء فِي طلب كِتَابه هَذَا وَكَانَ وعده بإرساله إِلَيْهِ وَذَلِكَ
يَا إِمَامًا لقد حوى دررابِكُل نظم وكل منثور
غرست بِالْفَضْلِ رَوْضَة بسقتثمارها من طلائع النُّور
يشتاق طرفِي لِأَن يشاهدهافَتلك عِنْدِي أجل مَنْظُور
وفؤادي العليل من قدميتَمَنَّى فواكه الطّور
وَذكره الشهَاب فِي الخبايا فَقَالَ فِي تَرْجَمته وَالطور وَكتاب مسطور لَهو صديق لي تجربه الْمَوَدَّة حلل الحبور روض مجد ناضر وبحر أدب وافر لَكِن طبعه أم الضقر مقلات نزور وَلم يورق حَتَّى احْتضرَ وَمضى بِأَمْر عَزِيز مقتدر ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله
تنور منيتي بلطيف صنعمَعَاني حسنه أضحت غزيرة
لَهُ قد رَشِيق ثمَّ جسمعَلَيْهِ حِين لَاحَ رَأَيْت نوره
ثمَّ تعقبه بِمَا فِي تَحْرِير التحريف للصفدي يَقُولُونَ تنور الرحل من النورة وَالصَّوَاب اتنور واتنار وَلَا يُقَال تنور إِلَّا إِذا أبْصر الْمنَار ثمَّ قَالَ وَمَا مَنعه صرح بِهِ غَيره من أهل اللُّغَة لَكِن الْمَشْهُور هَذَا قلت وَيشْهد للْأولِ مَا فِي حماسة الطَّائِي قَالَ أَعْرَابِي لابْنَيْهِ وَقد دخلا الْحمام فأحرقتهما النورة
نهيتهما عَن نورة أحرقتهماوحمام سوء مَاؤُهُ يتسعر
أجدكما لم تعلما أَن جارناأَبَا الحسل فِي الصَّحرَاء لَا يتنور
على أَن تنور فِي كَلَام الطوري لَا يتَعَيَّن حمله على تعَاطِي النورة لاحْتِمَال جعل لَهُ نورا وَقَول الشهَاب فِي حَقه لَكِن طبعه أم الصقور إِلَى أَخّرهُ إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ قَلِيل الإفادة والْآثَار وَهُوَ حل لقَوْل النفيه الحماسي
يغاث لطير أَكْثَرهَا فراخاوَأم الصَّقْر مقلات نزور
والمقلات بِالْفَتْح نَاقَة تضع وَاحِدًا ثمَّ لَا تحمل والنزور النَّاقة مَاتَ وَلَدهَا وتروم ولدا لَهَا وَقَوله وَيشْهد للْأولِ إِلَى آخِره هَذِه عبارَة الطَّائِي وَقَالَ الشريشي فِي شرح المقامات روى أَن عبيد بن قرط الْأَسدي دخل مَعَ صاحبين لَهُ بَلَدا فِيهِ حمام فَأحب
صَاحِبَاه دُخُوله فَنَهَاهُمَا عبيد فأبيا إِلَّا دُخُوله فَلَمَّا دخلا رَأيا فِيهِ رجلا يتنور أَي يسْتَعْمل النورة فسألا عَنْهَا فأخبرا بإذهابها الشّعْر فاستعملاها فَلم يحسنا فأحرقتهما وأضرت بهما فَقَالَ عبيد
لعمري لقد حذرت قرطا وجارهوَلَا ينفع التحذير من لَيْسَ يحذر
نهيتهما عَن نورة أحرقتهماوحمام سوء ناره تتسعر
فَمَا مِنْهُمَا إِلَّا أَتَانِي موقعاًبِهِ أثر من مَسهَا يتقسر
أجدكما لم تعلما أَن جارناأَبَا الحسل بِالْبَيْدَاءِ لَا يتنور
وَلم تعلما حمامنا فِي بِلَادنَاإِذا جعل الحرباء فِي الحدل يحضر
والنورة قيل إِنَّهَا لَيست عَرَبِيَّة فِي الأَصْل واشتقاقها يشابه اشتقاق الْعَرَبِيّ فَزعم قوم أَنَّهَا سميت بذلك لِأَن أول من عَملهَا امْرَأَة يُقَال لَهَا نورة وَقد استعملتها الْعَرَب فِي الشّعْر الْقَدِيم قَالَ الراجز
يَا رب إِن كَانَ بَنو عميرهرَهْط الثلب هَؤُلَاءِ مقصوره
قد أَجمعُوا الخلعة مشهورهواجتمعوا كَأَنَّهُمْ قاروره
فَابْعَثْ عَلَيْهِم سنة قاشورهتحتلق المَال احتلاق النوره
انْتهى وَقد تفحصت عَن وَفَاة الطوري كثيرا فَلم أظفر بهَا سوى أَنِّي رَأَيْت فِي مَجْمُوع بِخَط بعض الأفاضل الأدباء وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ على الطوري أَنه كَانَ مَوْجُودا فِي سنة سِتّ وَعشْرين ألف
عبد الْقَادِر بن عَليّ بن يُوسُف بن مُحَمَّد أَبُو السُّعُود بن أبي الْحسن بن أبي المحاسن المغربي الفاسي الْمَالِكِي الإِمَام الْعَلامَة الْمُحدث الْمُفَسّر الصُّوفِي البارع فِي جَمِيع الْعُلُوم جَمِيع من انتسب إِلَى الْمغرب متفقون على جلالته وتوحده وَإنَّهُ عديم النظير وأوحد الْمَشَايِخ وَالْعُلَمَاء وَشَيخ الشُّيُوخ وسلطان عُلَمَاء الزَّمَان وَقد كَانَ جَامعا بَين الْعلم الظَّاهِر وَالْبَاطِن اشْتهر ذكره من حَال صغره وَكثر الثَّنَاء عَلَيْهِ وَبعد صيته فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَكثر أَخذ النَّاس عَنهُ بِحَيْثُ أَن تلامذته لَا يُحصونَ وَلم يحرم أحد مِنْهُم من الْعلم السِّرّ فِيهِ وَفِي آبَائِهِ وبركته مَشْهُورَة بِحَيْثُ أَن الطّلبَة تقصده من الْبِلَاد النائية لذَلِك وَقد جرب ذَلِك واشتهر عِنْد أهل الْمغرب وَكَانَ عَظِيم الْحِفْظ عَجِيب الاملاء إِذا قَرَأَ كتابا استوفى مَا فِيهِ فَإِن وجد فِيهِ مسئلة نَاقِصَة تممها أَو شَيْئا مستغلقاً شَرحه أَو طَويلا اخْتَصَرَهُ دون أَن يخل بِشَيْء من مَعَانِيه أَو مسَائِل مختلطة
رتبها أَو وجد فِيهِ خطأ بَينه بغاية الْأَدَب بِحَيْثُ لَا ينتقص مُصَنفه وَكَانَ من الْحلم والبذل وَالصَّبْر بِحَيْثُ فاق أقرانه فِي ذَلِك خُصُوصا مَعَ ندرة ذَلِك فِي أهل الغرب وَكَانَ من الهيبة بِحَيْثُ تخافه الْمُلُوك وتخشى سطوته الْأُمَرَاء وَكَانَت الْعلمَاء والعامة منقادين لأَمره فِيمَا يرومه مَعَ وُقُوفه عِنْد حَده فِي سَائِر شؤونه وأدب نَفسه وَلسَانه إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ من حسن اللِّقَاء وَجَمِيل الْمُعَامَلَة وَالْإِكْرَام لجليسه وَكَانَ لجماله وبداعة وَجهه وَحسن صورته لَا يمْلَأ النَّاس مِنْهُ نظرتهم وَقد أفرد وَلَده عبد الرَّحْمَن لترجمته مجلداً حافلاً سَمَّاهُ تحفة الأكابر بمناقب الشَّيْخ عبد الْقَادِر ذكر فِيهِ بعض أخلاقه وعلومه اللدنية والمكتسبة ومنازلاته وكراماته وأسراره ومعاملاته مَعَ ربه سُبْحَانَهُ وإشاراته مِمَّا ذكره بِلِسَانِهِ أَو كتبه أَو قَرَّرَهُ فِي آيَة من كتاب الله ﷿ من عِنْد نَفسه أَو من حَاصِل مَا حفظ وَنقل وَمَا تكلم بِهِ فِي بعض الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة أَو فِي بعض الْحَقَائِق المنقولة عَن أحد الصُّوفِيَّة وَبَعض كَلَامه فِي الحكم والحقائق وَمَا قَالَه من الشّعْر أَو قيل فِيهِ مِمَّا يتَضَمَّن ذكر الطَّرِيق وَأَهله إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يتعرف مِنْهُ مبْنى طَرِيقه وتبريزه فِي الْمعرفَة وَالْعلم وتحقيقه فَقَالَ ولد بِالْقصرِ الْكَبِير عِنْد زَوَال يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر رَمَضَان سنة سبع بعد الْألف وَتسَمى هَذِه السّنة بالمغرب سنة الْفِيل وَسبب ذَلِك أَن فِي هَذِه السّنة فِي شهر رَمَضَان مِنْهَا بعث السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور لوَلَده الْمَأْمُون هَدِيَّة من مراكش إِلَى فاس اشْتَمَلت على تحف وَبعث مَعهَا فيلة خَارج أهل فاس كلهم للقائها بِمِائَة ألف أَو يزِيدُونَ فَعظم وقعها وَكثر التَّعَجُّب مِنْهَا وَنَشَأ فِي حجر وَالِده مصوناً عَن عَبث الصّبيان ملازماً لدار جده وَبهَا ولدور بِي محفوفاً بالتدريج الرحماني فَقَرَأَ على وَالِده وَتعلم الْقُرْآن وَحفظه على معلمه غَانِم السفياني ثمَّ لَازم الْقِرَاءَة على أَخِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد وَقَرَأَ أَيْضا على الْفَقِيه مُحَمَّد الزيات وَمُحَمّد الرفاس وَعبد الْقوي كلهم من فُقَهَاء الْقصر ثمَّ رَحل إِلَى فاس بِقصد الْقِرَاءَة فِي أَوَائِل رَجَب سنة خمس وَعشْرين وَألف فَنزل بِالْمَدْرَسَةِ المصباحية وأكب على الِاجْتِهَاد فَكَانَ كثيرا مَا يجد نَفسه فِي الطَّرِيق سائراً لتَعلق قلبه بمجالس الْعلم وحنينه إِلَى أَمَاكِن الْقِرَاءَة فِي وَقتهَا وَفِي غير وَقتهَا فَانْتَفع فِي أقرب مُدَّة وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْأَشْيَاخ مِنْهُم عَم أَبِيه الْعَارِف بِاللَّه أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد ثمَّ قَرَأَ على غَيره من عُلَمَاء فاس كالشيخ أبي الْقَاسِم بن أبي النَّعيم الغسان وَالْإِمَام الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الْمقري التلمساني وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْجنان
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع