تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم (١٢)

الصفحة ٢ من ٢

مُحَمَّد الهادى بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد شهَاب الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن على الْمَعْرُوف بِابْن شهَاب الحضرمى الشافعى الصوفى الباهر الطَّرِيقَة ذكره الشلى فى تَارِيخه الذيل وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد بتريم وربى فى حجر وَالِده وَحضر دروسه فى الْفِقْه والْحَدِيث وَأخذ عَنهُ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَحفظ الْقُرْآن وتفقه بالشيخ مُحَمَّد بن اسمعيل بَافضل وَأخذ التصوف عَن الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَعَن غَيره ثمَّ لبس الْخِرْقَة من كثيرين وَأذن لَهُ جمَاعَة من مشايخه بالافتاء والتدريس وأقرأ كثيرا

وتزهد حَتَّى شاع ذكره وقصدته الطّلبَة من الاقطار وانتفع بِهِ جم غفير مِنْهُم وَلَده السَّيِّد الْجَلِيل أَحْمد بن نزيل مَكَّة وسيدى الصنو أَحْمد وَالشَّيْخ عبد الله بن زين بافقيه وَالسَّيِّد على بن عمر فَقِيه وَغَيرهم من الْعلمَاء والادباء ورزق فى الْعِبَادَة أوفر نصيب وَكَانَ جوادا كَرِيمًا حَلِيمًا عفيفا وَكَانَ بَصيرًا بِزَمَانِهِ متواضعا خلوقا عَظِيم الْقدر والهيبة وَله رسائل فى علم التصوف وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَرْبَعِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَتقدم تَمام نسبه فى تَرْجَمَة ابْن أَخِيه ابراهيم بن أَبى الْيمن البترونى الحلبى مفتى الْحَنَفِيَّة بحلب وَيعرف بمفتى الْعقبَة لسكناه فى محلّة الْعقبَة كَانَ قَلِيل البضاعة فى الْعلم وَتَوَلَّى الْفَتْوَى وَلم يكن أَهلا لَهَا وَسبب ذَلِك أَن الشَّيْخ فتح الله البيلونى كَانَ كثير الْعَدَاوَة لاخى مُحَمَّد الْكَبِير وَهُوَ أَبُو الْجُود الْمُقدم ذكره وَكَانَ البيلونى مُعْتَقد الْوَزير الاعظم نصوح باشا وَشَيْخه وَاتفقَ أَن مُحَمَّدًا صَاحب التَّرْجَمَة ذهب الى الرّوم لطلب المعاش من قَضَاء أَو غَيره فأنزله البيولنى عِنْده وأكرمه وَقَالَ لَهُ اقْضِ مآربك ثمَّ بعد أَيَّام قَالَ لَهُ قد شفعت لَك عِنْد الْوَزير الاعظم وَأخذت لَك منصبا جَلِيلًا وَلَا أُعْطِيك الاوراق حَتَّى تقطع الْبَحْر وأودعك الى أسكدار وأسلمها لَك فَفعل فَلَمَّا ودعه سلمه مَكْتُوب الْفَتْوَى فَامْتنعَ وَقَالَ أَنا لست أَهلا لذَلِك وَهل يمكننى التَّصَرُّف بهَا مَعَ وجود أخى الشَّيْخ أَبى الْجُود فَقَالَ لَهُ ان لم تقبل أسعى على اهانتك ونفيك فَلم يَسعهُ الا الْقبُول وَلما دخل الى أَخِيه قبل أقدامه وَعرض عَلَيْهِ هَذَا الامر فَقَالَ جعله الله مُبَارَكًا وَأَنا أعلم أَن هَذَا من مكر فتح الله فافعل وَلَا تخَالف فاننا نخشى شَره ثمَّ بعد لم يقبلهَا أَبُو الْجُود وَتصرف بهَا مُدَّة مُحَمَّد ووجهت بعده لاخيهما أَبى الْيمن وَكَانَ أَبُو الْيمن وَمُحَمّد بِمَنْزِلَة الخدام عِنْد أخيهما الْكَبِير أَبُو الْجُود الْمَذْكُور وَكَانَت وَفَاة مُحَمَّد فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف

مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن على بن مُوسَى بن خضر الخيارى المدنى الشافعى الاديب الاريب اللوذعى نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَمَّن بهَا من الْعلمَاء الاعيان ورحل الى مصر وَالشَّام وَالروم وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله شعر وسط مِنْهُ قَوْله بمدح شيخ الاسلام يحيى المنقارى مفتى الرّوم

فى كل قطر حَيْثُ ذكرك ينشريَبْدُو الثَّنَاء عَلَيْك مسك أذفر
وتود أَرْبَاب الْمقَام بِأَنَّهَامن ترب نعلك دَائِما تتعطر
شرفت بك الايام حَتَّى أَنَّهَاودت تراك الماضيات الاعصر
وأتى الزَّمَان اليك عبدا طَائِعايصغى لما تنهاه عَنهُ وتأمر
وَقد اقتصرت على مديح جنابكماذ مدح خير الْخلق فِيكُم أكبر
فى قَوْله الْعلمَاء وَرَثَة قد كفىالصَّادِق المصدوق فِيمَا يخبر
واذا أردْت بِأَن أصوغ مدائحافِيكُم فانى مَا حييت مقصر
من أجل هَذَا قَالَ قبلى من مضىبَيْتا وَذَاكَ الْبَيْت فِيكُم أشهر
وعَلى تفنن واصفيه بحسنهيفنى الزَّمَان وَفِيه مَالا يحصر
فاليك يَا مولاى صغت درارياتهدى اليك وَأَيْنَ مِنْهَا الْجَوْهَر
ضمنتها أوصافك الغر الَّتِيمَا شامها الثَّقَلَان الا كبروا

(لَا ترتجى الا الْقبُول اجازة ... واجازة الشُّعَرَاء أَبيض أصفر) وَكَانَت وِلَادَته فى شعْبَان سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَتوفى بِالْمَدِينَةِ فى شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بِالبَقِيعِ رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد قاضى الْعَسْكَر بن الْمُفْتى عبد الرَّحِيم الْمُقدم ذكره صدر الرّوم ورئيسها وواحدها فى الْفضل والمعرفة وَكَانَ فَاضلا كَامِلا مطلعا على الاشعار الْعَرَبيَّة مائلا اليها أديبا لَهُ طبيعة مطيعة وفطنة قويمة صَاحب همة وجاه عريض صَاحب رابطة متقنة جوالا بِالْحَقِّ بَرِيئًا من الرِّيَاء والمداهنة صافى المشرب حسن الشكل جَريا فى الْكَلَام حكى لى بعض الاخوان من الروميين انه ذكر عِنْد المترجم ثَلَاثَة من الْقُضَاة الْكِبَار فى زَمَانه كَانُوا معروفين بالجور وَتَنَاول الرِّشْوَة فَقَالَ ان ولانى الله تَعَالَى أَمرهم صلبت مِنْهُم فلَانا فى مَكَان كَذَا وَفُلَانًا فى محلّة الْيَهُود وَفُلَانًا فى محلّة النَّصَارَى فَبلغ أحدهم مَا قَالَه فَذهب اليه يستفسر مِنْهُ فى زى متعتب فَقَالَ لَهُ كَيفَ سَمِعت مقالتى قَالَ بلغنى أَنَّك قلت ان وليت حكمه صلبته فى محلّة النَّصَارَى قَالَ انما قلت عَنْك أصلبه فى محلّة الْيَهُود لَان شهرتك بالجور فَوق ذَيْنك الشخصين وَله من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء أخر وَهُوَ أحد من أَخذ عَن أَبِيه الْعُلُوم ولازم من الْمُفْتى أَبى سعيد وسافر فى خدمَة وَالِده الى يكى شهر لما ولى قضاءها ثمَّ درس بمدارس قسطنطينية الى أَن وصل الى مدرسة وَالِدَة السُّلْطَان مُرَاد فاتح بَغْدَاد وَولى مِنْهَا قَضَاء الغلطة وَكَانَ وَالِده اذ ذَاك مفتيا فَعظم شَأْنه وراجعته النَّاس فى مهماتهم وَلما عزل أَبوهُ عَن الْفَتْوَى أَمر بِالْحَجِّ فَكَانَ مَعَه وَأعْطى رُتْبَة قَضَاء

دَار الْخلَافَة وحجا وعادا من طَرِيق مصر ثمَّ رجعا الى دمشق فَوجه الى وَالِده قَضَاء الْقُدس وَتوجه مَعَه اليها وَأقَام بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ سَافر الى الرّوم وَولى قَضَاء دَار الْخلَافَة وعزل عَنْهَا فَأعْطى قَضَاء بعض القصبات وَأمر بِالْمَسِيرِ اليها فَأَقَامَ بهَا مِقْدَار نصف سنة ثمَّ اسْتَأْذن فى الذّهاب الى دَار الْملك فَأذن لَهُ ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طولى فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَاسْتمرّ مُدَّة طَوِيلَة وَأَقْبل عَلَيْهِ الصَّدْر الاعظم الكوبريلى لما رأى من تصلبه واستقامته ثمَّ عزل وَولى بعد ذَلِك قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلى فى سنة خمس وَسبعين والف ثمَّ عزل وَأعْطى قَضَاء اسكدار ثمَّ وَجه اليه قَضَاء روم ايلى مرّة ثَانِيَة وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد يَوْمئِذٍ بِمَدِينَة سلانيك فَتوجه اليها ودخلها منحرف المزاج فَلم يلبث كثيرا حَتَّى توفى وَكَانَت وَفَاته فى آخر سنة ثَمَانِينَ وَألف وَدفن بهَا وَولى مَكَانَهُ الْعَالم الْعلم الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بضحكى فَقَالَ شَيخنَا ابراهيم الخيارى المدنى يرثيه وَكَانَ اذ ذَاك بسلانيك

ان ابْن عبد الرَّحِيم قاضىعَسَاكِر الرّوم دون شكّ
رمته عَن قوسها المنايابِكُل سهم عَظِيم شكّ
وَقد أُصِيبَت بِهِ البرايافَكل عين عَلَيْهِ تبكى
مذعمهم غمهم عَلَيْهِأبدلتهم رَبنَا بضحكى

تمّ الْجُزْء الثَّالِث من خُلَاصَة الاثر فى أَعْيَان الْقرن الحادى عشر ويليه الْجُزْء الرَّابِع أَوله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن حسن جَان

مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن حسن جَان الشهير بالبهائى مفتي الديار الرومية وَاحِد أَفْرَاد الدُّنْيَا ذكره والدى المرحوم فى ذيله فَقَالَ فى وَصفه عَزِيز الرّوم وَابْن عزيزها وَبدر افق المعالى الْحَائِز قصبات السَّبق فى مضمار العلى وتبريزها وَمن أَطَاعَته البلاغة ففتحت لَهُ عَن كنوزها واطلع على دقائق حقائقها ورموزها الحرى بِمَا قَالَه فِيهِ خَاله الْمولى ابْن ابى السُّعُود النبيه

ابْن عبد الْعَزِيز فى آل سعدكَابْن عبد الْعَزِيز بَين أُمِّيّه

نَشأ فى حجر الْعِزّ العالى وتربى فى مهد الْعِزّ والمعالى وارتضع من أفاويق الْفضل أخلافها وانتجع من الفواضل أكنافها فَهُوَ كريم الجدين ومحبوك الْمجد من الطَّرفَيْنِ أما جده لابيه فَهُوَ شيخ الاسلام الخواجة سعد الدّين وَأما جده لوالدته فَهُوَ الْمولى مصطفى بن شيخ الاسلام أَبى السُّعُود الْمُفَسّر اشْتغل بِطَلَب الْعلم وجد فَوجدَ وَمد بَاعه الى أقْصَى الْفَضَائِل فنالها فى أقصر أمد ولازم الْقِرَاءَة أَولا

على بعض الافاضل ثمَّ قَرَأَ على شيخ الاسلام عبد الرَّحِيم وَسبق فى تَرْجَمَة عبد الرَّحِيم الْمَذْكُور أَن وَالِد البهائى كَانَ اتَّخذهُ لتعليمه أستاذا وفى حل مشكلات الْعُلُوم ملاذا وَاعْتمد فى ذَلِك عَلَيْهِ وفوض أَمر قِرَاءَته اليه وأنزله وَأكْرم نزله وَرفع قدره بَين أقرانه وأجله فَأَقْرَأهُ قِرَاءَة من طب لمن حب وبذل فى ذَلِك جهده وأتى فى النصح بأقصى مَا عِنْده وَكَانَ لَهُ نفس مبارك فى الْقِرَاءَة والتعليم والتقرير والتفهيم وَلما اشْتهر فَضله وشاع كَمَاله ونبله تحاسدت عَلَيْهِ الْعُيُون والآذان وحقق الْخَبَر فى فضائله العيان حكى بعض الْفُضَلَاء انه لما بلغت شهرته الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغنى قاضى العساكر وفاضل الرّوم ظن ان النَّاس يبالغون فى وَصفه فَطلب الِاجْتِمَاع من شَيْخه الْمشَار اليه فجَاء بِهِ فَلَمَّا ذاكره رَآهُ فَوق مَا وصف فَالْتَفت الى عبد الرَّحِيم وَقَالَ لَهُ سرا كنت أَظُنك فطنا فاذا أَنْت غبى وَسبب ذَلِك انك بالغت فى النصح مَعَ شخص يصير عَلَيْك نقمة لانه من آل حسن جَان وهم أولو المناصب الْعَالِيَة وَلَهُم الْغيرَة الْعَظِيمَة على طَرِيق أسلافهم وَقد وَقع مَا قَالَه فانه كَانَ سَببا لعزل الاستاذ عَن قَضَاء روم ايلى والفتيا ووليهما مَكَانَهُ وَحكى بَعضهم أَيْضا ان البهائى دخل الى مجْلِس ابْن عبد الْغنى الْمَذْكُور وَكَانَ عِنْده قاضى الْعَسْكَر صنوه فى الْفضل الْمولى مصطفى بن عزمى فتباحث الصدران الْمَذْكُورَان فى بحث مغلق فشاركهما البهائى مُشَاركَة جَيِّدَة فشهدا تفوقه على جَمِيع المخاديم من أهل بلدتهم وَلما حج أَبوهُ فى سنة خمس وَعشْرين وَألف حج فى خدمته ولازم من عَمه الاوسط شيخ الاسلام أسعد ونظم الشّعْر فى طَلِيعَة عمره وَحكى انه لما ابْتَدَأَ النّظم نظم ربَاعِية بالتركية ورفعها الى شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا يطْلب مِنْهُ أَن يضع لَهُ مخلصا على عَادَتهم فَوضع لَهُ لفظ بهائى وَأفَاد أَنهم من نسل الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ بهاء الدّين نقشبند وَشعر البهائى فى الذرْوَة الْعليا من المتانة وَحسن التخيل والمضامين العجيبة لكنه قلق التراكيب يسْتَعْمل فِيهِ الالفاظ الغريبة وَلِهَذَا كَانَ يَقُول عَنهُ الْمولى يحيى الْمَذْكُور من أَرَادَ أَن يطالع شعر البهائى فليهيئ الْقَامُوس ولغة الدشيشة الفارسية ثمَّ ينظر فِيهِ وَلما شاع أمره أعْطى مدرسة بقسطنطينة وَلم يزل يدرس فى مدرسة اثر مدرسة حَتَّى وصل الى مدرسة شهرزاده فنظم قصيدة للسُّلْطَان مُرَاد وأوصلها اليه على يَد بعض أَرْكَان الدولة من المقربين فَوَقَعت من السُّلْطَان فى أتم موقع فَوجه اليه قَضَاء سلانيك ثمَّ نقل مِنْهَا الى حلب ثمَّ عزل مِنْهَا وَنفى الى جَزِيرَة قبرق فَأَقَامَ

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.