تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم (١٣)

الصفحة ٢ من ٢

وَقَوله من أُخْرَى فى مدح البهائى الْمَذْكُور

قطب السَّمَاء هُوَ الطَّرِيق الاقصددارت عَلَيْهِ نجومه والفرقد
والمشترى والزهرة الزهراء فىأوج السُّعُود هبوطها والمصعد

( ... وَالشَّمْس مَا شرفت على أقرانها ... الا بنسبته اليها العسجد)

وَالله لَا تحصى شؤون كَمَالهفالويل ثمَّ على الذى لَا يشْهد
وَلَقَد أَبيت الدَّهْر غير مغادرفى حَالَة مِنْهَا أقوم وأقعد
فَسَأَلته من بالحمى فأجابنىمفتى الانام أَبُو الْبَهَاء مُحَمَّد

وَقَوله فى الصَّهْبَاء وتعليل نشأتها

لَا ترض بالاضرار للنَّاسان رمت أَن تنجو من الباس
وَانْظُر الى الْخمر وَمَا أوقعتفى شاربيها بعد ايناء
لما رَضوا فى دوسها عوقبوابضربة مِنْهَا على الراس

وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته بِمَكَّة المكرمة سنة احدى بعد الالف وَتوفى بحلب فى صفر سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف

مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد محب الدّين بن أَبى بكر تقى الدّين ابْن عمر أَبى المحبى الخلوتى الدمشقى الحنفى الْمَعْرُوف بشقير كَانَ من الْفُضَلَاء الْمشَار اليهم بالنباهة والبراعة وَكَانَ قوى الحافظة للمسائل وَالشعر والاخبار حسن الصُّحْبَة كثير الْعِبَادَة والمطالعة لكتب التَّفْسِير والتصوف وَله رسائل وتحريرات على مَوَاطِن من التَّفْسِير لَطِيفَة قَرَأَ على الشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وعَلى الْمُفْتى فضل الله بن عِيسَى البوسترى وَالْمولى يُوسُف بن أَبى الْفَتْح وَأخذ عَن جمَاعَة كثيرين مِنْهُم العمادى الْمُفْتى والنجم الغزى وَالْفَتْح البيلونى وَالشَّيْخ على القبردى الصالحى وَلزِمَ الشَّيْخ أَحْمد العسالى وَأخذ عَنهُ طَرِيق الخلوتية وداوم على قِرَاءَة الاوراد وَدخل مَعَه

الْخلْوَة مَرَّات عديدة وسافر الى الْقُدس والقاهرة وَحج من طَرِيق مصر فى صُحْبَة الامير رضوَان أَمِير الْحَاج المصرى وَحكى عَن نَفسه مَرَّات انه من حِين خرج من مصر فى صحبته الى ان عَاد اليها لم يصرف سوى قِرْش وَاحِد وهبه للجمال وَسَببه محبَّة الامير الْمَذْكُور لَهُ وتقيده بِهِ ثمَّ قدم الى دمشق وَأقَام بخلوة لَهُ فى مدرسة الكلاسة وعمرها عمَارَة فائقة وحببت اليه الْعُزْلَة وَاسْتمرّ عمره كُله مُجَردا وَكَانَ سمته غَرِيبا لَا يشبه أحدا وَكَانَ نديم الرؤساء والكبراء يحاضرهم أحسن محاضرة ويورد النكات البديعة والاشعار اللطيفة وَيحسن اللُّغَة التركية جدا وَكَانَ مغرما بالجمال وَمضى عمره كُله فى نشاط وسرور فَلم ير الا مَسْرُورا مُتَبَسِّمًا وَكَانَ سخيا متعبدا يَصُوم غَالب الايام وَله شعر كثير فى لِسَان الْقَوْم وَبَينه وَبَين أدباء عصره مراسلات من ذَلِك مَا كتبه الى الاديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمى ملغزا فى غزال

نراجع فى الْفضل أهل الْكَلَامونأخذ عَن كل حبر همام
ونسأل من ساحة الاكرمينونخضع للمجد لَا للانام
فنتبع من رفعته النُّفُوسونترك من قَدمته اللئام

( ... فأختار طورا زَوَايَا الخمول ... وطورا أحب الامور الْعِظَام)

ترانى على كل حَال أرىأَسِير الْهوى ومليك الغرام
وَمَا جرعة الْحبّ الا الْمنونوَمَا لوعة الهجر الا الهيام
وَمَا رَاحَة الْعِشْق الا العناوَلَا صِحَة الصب الا السقام
ولى حسرة بعد أُخْرَى لَهَازفير وَلَيْسَ لَهُ انحسام
يذيب الحشا ويثير الشجونبِنَار غَدا وقدها كالضرام
وَهل للهوى غير من ذاقهفنشكو لَهُ مر سمع الملام
وَلَا كل من غاص بَحر الْهوىحوى من جواهره باغتنام
وَلَا كل من قد سما فى الْعُلُوميُقرر مشكلها عَن امام
فَذَاك هُوَ النّدب بدر الْعُلُوموَمن نوره لم يزل فى التَّمام

( ... كخلى الكريمى من فَضله ... تلفعه يافعا باهتمام)

مهذب أَخْلَاق أهل الوفاحفيظ لعهد التقى والذمام

( ... وجامع آدَاب أهل النهى ... وبانى بيُوت المعالى الفخام)

( ... وفى كل فن ترَاهُ لَهُ ... نصيب وحظ أَبى الانقسام)

فيوضح من مشكلات الْعُلُومبفكر خلا ضوءه عَن ظلام
فنظم القريض يرى دونهعصامى طبع شرِيف الْمقَام
يشابه للدر فى سلكهويحوى اشارات طعن السِّهَام
فَلَو رام سحبان أَلْفَاظهلقصر فى رقة الانسجام

( ... ويهفو جرير لتقبيلها ... ويعجز عَن مثلهَا فى النظام)

فيأيها الخدن شمس العلىوجرثومة الْفَخر نسل الْكِرَام
فَمَا اسْم رباعى اذا مَا بدافنعتا يرى فى مجَاز الْكَلَام
فآونة تلقه فى الْعلَاوفى الارض طورا بحول الاكام
ثَلَاثَة أَرْبَاعه ان قلبتهى اسْم لما بدؤه فى انعدام
وان لم ترد قصد تقليبهافَمَعْنَاه فى الْحَرْب بادى اللثام
وَأَيْضًا يرادف معنى الذّهاباذا كَانَ عَن بدئه فى انفصام
وَنصف لَهُ بعد تصحيفهحرى بِهِ من لَهُ احترام
وَبَاقِيه بِالْقَلْبِ لَا يقتضىلاثبات شئ وَأمر يرام
فأنعم بِحل رموزى الَّتِيلَهَا الْفِكر فى حيرة واصطلام
وألغز لنا مَا بدا فى الْجَوابوَبَين لنا قصدنا والمرام
وَدم وابق فى سودد سرمدامدى الدَّهْر مَا ناح ورق الْحمام

فَأَجَابَهُ بقوله

أَزْهَر الربى كللته الْغَمَامأم الزهر ساطعة فى الظلام
وَهل مَا أرى حببا رائقابكاس طلا حسن الانتظام
أم الْبَرْق ام دُرَر نظمتأم افتر ثغرك عِنْد ابتسام
أيا بدر تمّ غرامى بِهِقديم أكيد وَحقّ الغرام
وَيَا ريم أنس لجراه لميعد لى سوى سقمى من مرام
يمانى لحظك هلا نباوخطى قدك هلا استقام
وَيَا ممرض الْقلب من هجرهوبالجسم يَا مورثا للسقام
وَيَا تاركى مثلا فى الْهوىأفديك جد وارع لى فى الذمام
رَضِينَا الْهوى حَاكما بَيْننَاأحل من المغرم الانتقام
وجد بالنهى شرطا أَحْكَامهوأى حجى كَانَ للمستهام
أخى لظمك العذب هاج الجوىالْقَدِيم وذكرنى بالهيام
وَلم أنس قطّ ولكنماالتَّذَكُّر يذكى خفى الضرام
فدار الْهوى مانحاها مزاجعليل كجسمى الا استقام
سَقَاهَا الرِّضَا من ربوع غَداخلال خباها لغيرى حرَام
مغانى المنا وديار الشفاومأوى الْغَرِيب وَدَار السَّلَام
لقد رمت اِدَّرَكَ فى وصفهَامدى عاقنى عَنهُ شيق الْمقَام
وحلى امتثالا للغز حوىقوافى رقت وَحسن انسجام
لخدنى الذى فَضله شَامِلوبادلنا بَين خَاص وعام
محبى نجار وحبى لَهُبِصدق لفضل لَهُ مَعَ نظام
أَبُو الْفضل حاوى الْعلَا ماجدوَندب أهالى الْعُلُوم الْكِرَام
وَذُو الادب الرَّائِق المشتهىوَبَين ذويه أَمِير الْكَلَام
وحاوى الْفَضَائِل والمكرماتوَمن هُوَ فى كل فن امام
بهرت بلغزك عقلى وَكمفَتى فِيهِ مثل مُسَمَّاهُ هام
قريب بعيد تحار الْعُقُولبِهِ وحلال وفاه حرَام
هُوَ الشَّمْس للعين من حسنهضِيَاء اذا مَا المذاق استقام
رباعى حُرُوف ومنطوقهامَعَ اثْنَيْنِ عشر حُرُوف تَمام
ثَلَاثَة أَرْبَاعه فعلهبِعَيْنيهِ فى المغرم المستهام

(بِغَيْر استوا قلب أَرْبَاعه الثَّلَاثَة مَا قلت يَا ابْن الْهمام ...)

وَزَالَ يرادف معنى الذّهابمرَادا بِهِ وصف نفى المرام

(وان حرف النّصْف مِنْهُ يعد مصحفه الْعِزّ والاحتشام)

وَلَا قلب بَاقِيه يَا سيدىنعم وسلمت لنا وَالسَّلَام
وَهَذَا هُوَ الْجهد فى حل مَاأمرت والا فيأتى الْكَلَام
بقيت مُفِيد لنا دَائِمافرائد باهرة الانتظام
مدى الدَّهْر مَا نفرائريم عَنمتيمه ناقضا للذمام

وَكَانَت ولادَة صَاحب التَّرْجَمَة فى سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَتوفى فى صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن على أَبِيه بمقبرته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِالْقربِ من جَامع جراح

مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد الْخَطِيب بن مُحَمَّد الْخَطِيب ابْن ابراهيم الْخَطِيب ابْن مُحَمَّد

الْخَطِيب التمرتاشى الغزى الحنفى الْمَذْهَب رَأس الْفُقَهَاء فى عصره كَانَ امام فَاضلا كَبِيرا حسن السمت جميل الطَّرِيقَة قوى الحافظة كثير الِاطِّلَاع وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يبْق فى آخر أمره من يُسَاوِيه فى الدرجَة أَخذ بِبَلَدِهِ أَنْوَاع الْفُنُون عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن المشرقى الغزى مفتى الشَّافِعِيَّة بغزة ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة أَربع مَرَّات آخرهَا فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وتفقه بهَا على الشَّيْخ الامام زين بن نجيم صَاحب الْبَحْر والامام الْكَبِير أَمِين الدّين بن عبد العال وَأخذ عَن الْمولى على بن الحنائى قاضى الْقُضَاة بِمصْر وَرجع الى بَلَده وَقد رَأس فى الْعُلُوم وقصده النَّاس للْفَتْوَى وَألف التآليف العجيبة المتقنة مِنْهَا كِتَابَة تنوير الابصار وَهُوَ متن فى الْفِقْه جليل الْمِقْدَار جم الْفَائِدَة دقق فى مسَائِله كل التدقيق ورزق فِيهِ السعد فاشتهر فى الافاق وَشَرحه هُوَ الشَّرْح الْمُسَمّى بمنح الْغفار وَهُوَ من أَنْفَع كتب الْمَذْهَب واعتنى بشرحه جمَاعَة مِنْهُم الْعَلَاء الحصكفى مفتى الشأم والملاحين بن اسكندر الرومى نزيل دمشق وَالشَّيْخ عبد الرَّزَّاق مدرس الناصرية الجوانية بِدِمَشْق وَكتب عَلَيْهِ شيخ الاسلام بالديار الرومية وَهُوَ الْمولى مُحَمَّد الانكروى كتابات فى غَايَة التَّحْرِير والنفع وَكتب على شرح مُؤَلفه شيخ الاسلام خير الدّين الرملى حواشى مفيدة وَله من التآليف فى الْفِقْه شرح الْكَنْز وصل فِيهِ الى كتاب الايمان وَقطعَة من شرح الْوِقَايَة وحاشية على الدُّرَر وَالْغرر وصل فِيهَا الى نِهَايَة كتاب الْحَج وَله منظومة وَشَرحهَا وَكتاب معِين الْمُفْتى على جَوَاب المستفتى فى مُجَلد كَبِير وَجَمِيع مجلدين من فَتَاوِيهِ وَله رسائل كَثِيرَة مِنْهَا رِسَالَة فى خَصَائِص الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ ورسالة فى بَيَان جَوَاز الاستبانة فى الْخطْبَة وَكتاب مسعف الْحُكَّام على الاحكام ورسالة فى بَيَان أَحْكَام الْقِرَاءَة خلف الامام ورسالة النفائس فى أَحْكَام الْكَنَائِس ورسالة فى عصمَة الانبياء ورسالة فى دُخُول الْحمام ورسالة فى التجويز ورسالة فى مسح الْخُفَّيْنِ ورسالة فى النُّقُود ورسالة فى أَحْكَام الدروز والارفاض وَكتاب شرح مشكلات وَردت عَلَيْهِ من الْفُرُوع والاصول لَهُ فى الاصول كتاب الْوُصُول الى قَوَاعِد الاصول وَقطعَة من شرح الْمنَار الى بَاب السّنة وَشرح مُخْتَصر الْمنَار فى مُجَلد وفى الْكَلَام شرح اللامية يَقُول العَبْد وَشرح زَاد الْفَقِير للكمال بن الْهمام سَمَّاهُ اعانة الحقير ومنظومة فى التَّوْحِيد وَشَرحهَا وَله رِسَالَة فى التصوف ورسالة فى علم الصّرْف وَكتاب شرح العوامل فى النَّحْو وَقطعَة من شرح الْقطر وصل فِيهِ

الى اعمال اسْم الْفَاعِل وانتفع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم ولداه صَالح ومحفوظ والشيخان الامامان أَحْمد وَمُحَمّد ابْنا عمار وَمن أهالى الْقُدس الْبُرْهَان الفتيانى الْمُؤلف وَالشَّيْخ عبد الْغفار العجمة وَغَيرهم وَذكره جدى القاضى محب الدّين فى رحلته الى مصر وَوَصفه بأوصاف جليلة وَذكر مَا وَقع بَينهمَا من المحاضرة قَالَ ثمَّ اتسعت مَعَه دَائِرَة المخاطبة واستطرد القَوْل بطرِيق الْمُنَاسبَة الى ذكر رحلته الى بَلْدَتنَا حماة المحروسة وتغزل لنا بِوَصْف مَا فِيهَا من تِلْكَ الاماكن المأنوسة ثمَّ سألنى عَمَّن يعهده فِيهَا من أفاضل الاصحاب فَكَانَ سَائل دمع مقلتى الْجَواب ثمَّ حَدثنَا بِكَثِير من حسن المحاضرات ولطيف المحاورات الَّتِي كَانَت تصدر بَينه وَبَين فاضلها المرحوم سيدى الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ علوان وَكَانَ يتعجب من فَصَاحَته وبلاغته الَّتِي حارت فِيهَا الْعُقُول والاذهان ويمدح فضائله وفواضله الغزار وَيذكر صفاء الْعَيْش الذى قَضَاهُ فى صحبته فى تِلْكَ الديار انْتهى وَكَانَت وَفَاته فى أَوَاخِر رَجَب سنة أَربع بعد الالف عَن خمس وَسِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.