من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْمِيم (١٤)
الصفحة ٢ من ٢
وَقَوله موريا فى الْمولى عبد الرَّحْمَن العشاقى
قد قلت للمجد من تهوى تواصلهفكلنا ذَلِك ذُو وجد وأشواق
فَقَالَ لى بِلِسَان غير مقتدرلَا أشتهى أَن أوافى غير عشاقى
انْتهى وَكَانَت وِلَادَته فى سنة اثنتى عشرَة بعد الالف وَتوفى بعد الظّهْر عشرى شهر رَمَضَان سنة سبعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد باعلوى وَدفن شمالى الْقبَّة المطهرة قبَّة سيدنَا ابراهيم بن النبى
ببقيع الْغَرْقَد ﵀
مُحَمَّد بن عبد الْملك البغدادى الحنفى نزيل دمشق الشَّيْخ الامام الْمُحَقق كَانَ من كبار الْعلمَاء خُصُوصا فى المعقولات كَانَ لهى والطبيعى والرياضى وَهُوَ من جمَاعَة عَلامَة الزَّمَان منلا مصلح الدّين اللارى قيل وَأخذ عَن أَخِيه شمس الدّين البغدادى
وَكَانَ فى الاصول وَالْفِقْه عَلامَة وَله الْيَد الطُّولى فى الْكَلَام والمنطق وَالْبَيَان والعربية قدم دمشق فى سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة ودخلها لابسا عباءة من الصُّوف وثوبا من القماش الابيض الْقطن وجاور بِجَامِع دمشق فى بَيت خطابته ثمَّ انْتقل الى الْمدرسَة العزيزية جوَار الكلاسة وَحضر دروس الْبَدْر الغزى ولازم ابا الفدا اسماعيل النابلسى وَقَرَأَ فقه الشافعى على الشهَاب العيثاوى ثمَّ تحنف وَولى وظائف وتدريس مِنْهَا الْمدرسَة الدرويشية وبقعة فى الْجَامِع الاموى وَتَوَلَّى تصدير حَدِيث بالجامع الْمَذْكُور وَكَانَ لَهُ من صندوق السلطنة فى كل يَوْم مَا يزِيد على أَرْبَعِينَ عثمانيا وَتَوَلَّى مشيخة الْجَامِع فَسمى شيخ الْحرم الاموى وَتَوَلَّى تَوْلِيَة الدرويشية وَعظم أمره وَتردد الى الْقُضَاة وشمخ بِأَنْفِهِ حِين رَجَعَ النَّاس اليه وَكَانَ يحضر دروسه أفاضل الْوَقْت ودرس التَّفْسِير بالجامع وَكَانَ فى لِسَانه لكنة عَظِيمَة حَتَّى انه كَانَ لَا يفصح عَن كَلَامه أبدا وشاع ذكره فى الاقطار الشامية وَلما مرض مرض الْمَوْت وَثقل فى مَرضه حضر اليه قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق الْمولى ابراهيم بن على الازنبقى وعاده وَقَالَ لَهُ أفرغ عَن وظائفك لنائبنا حسن الطَّوِيل وَهُوَ ابْن عُثْمَان الذى ذَكرْنَاهُ فى حرف الْحَاء فَيُقَال انه أفرغ لَهُ وَقيل انه لم يفرغ وَلَكِن كتب ذَلِك القاضى رَغْبَة أَن تصير الْجِهَات الْمَذْكُورَة لنائبه وَقَالَ لَهُ القاضى ايْنَ أموالك فَقَالَ لَهُ وَمَا تُرِيدُ بأموالى فَقَالَ لَهُ نُرِيد أَن نحرزها خوفًا عَلَيْهَا من سَارِق يَأْخُذهَا وَأَنت مَرِيض فَيُقَال انه أذن لَهُ فى أَخذهَا وَقيل بل أَخذهَا القاضى جبرا فَلَمَّا أخذت أَمْوَاله أَفَاق من سَكَرَات مَرضه وَطلب الاموال من حسن الطَّوِيل فَقَالَ لَهُ وَمَا تصنع بهَا ان كنت مُحْتَاجا الى شئ من المَال أقرضتك من عندى مَا تخرجه وَأما مَالك فانى لَا أَسْتَطِيع احضاره اليك خوفًا عَلَيْهِ فَيُقَال انه لما قَالَ ذَلِك احتد وَاشْتَدَّ غيظه وَمد يَده الى لحية النَّائِب وضربه على رَأسه فَقَالَ لَهُ أَنْت فى جُنُون الْمَرَض وَلَا حرج عَلَيْك فِيمَا فعلته وَلم يَأْتِ لَهُ بِالْمَالِ فانتكس وَرجع الى الْمَرَض بعد ان كَانَ أبل مِنْهُ قَلِيلا وَمَات عقيب ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى لَيْلَة الِاثْنَيْنِ عشرى شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وَألف وَدفن شمالى تربة مرج الدحداح فى أقصاها عَن بضع وَسِتِّينَ سنة وَكَانَ بنت من أمة سَوْدَاء فنفاها قبل مَوته بأشهر لامر رَآهُ على الامة فَأنكرهُ ثمَّ بعد مَوته ثَبت نسب الْبِنْت اليه بِشَهَادَة قاضى الْقُضَاة على اقراره واخر ثمَّ جَاءَ بعد مُدَّة ابْن عَم لَهُ من بَغْدَاد الى دمشق فَصَالحه النَّائِب على شئ من المَال ثمَّ ذهب
فَشَكَاهُ الى الْوَزير نصوح باشا وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور رَأس العساكر اذ ذَاك بحلب فوردت بِطَلَب النَّائِب بِسَبَب ذَلِك الى حلب وَالْعجب العجاب انه كَانَ فى دمشق رجل من الْعَسْكَر يُقَال لَهُ مُحَمَّد البغدادى مُوَافق لصَاحب التَّرْجَمَة فى الِاسْم وَالنِّسْبَة مَاتَ يَوْم مَوته فبقى الرجل يَقُول مَاتَ مُحَمَّد البغدادى الْيَوْم فَلَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر الا نبية الْعلم لهَذَا وَنسبَة العسكرية لذاك وَالله تَعَالَى أعلم
مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطائفى الْفَقِيه الشافعى كَانَ من فضلاء وقته ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد سنة أَربع بعد الالف وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ نَسيَه فَقيل لَهُ لم لَا تحفظه ثَانِيًا فَقَالَ أخْشَى أَن أنساه ثَانِيًا وَأخذ الْعُلُوم عَن مَشَايِخ عصره مِنْهُم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَالشَّيْخ احْمَد الحكمى وَالشَّيْخ عبد الْملك العصامى وَأذن لَهُ غير وَاحِد بالافتاء والتدريس فدرس فى الْمَسْجِد الْحَرَام وانتفع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن عمر الباز وَالشَّيْخ عبد الْجَامِع بن أَبى بكر بارجا الحضرمى وَكَانَ شَيخنَا أَبُو الْحسن النبتيتى مَعَ جلالته يحض درسه وَكَذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو الْجُود المزين وَله تآليف مِنْهَا شرح حسن على الاجرومية أملاه على بعض طلبته وَله حواش على شرح الْمنْهَج وحواشى على النِّهَايَة للشمس الرملى وَكَانَ حسن الاخلاق بارا بوالدته لَا يُخَالِفهَا فى كل مَا أمرت بِهِ وَترك الزواج خوفًا من أَن يتكدر خاطرها وَكَانَ كثير الْعِبَادَة والتهجد يحب الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ويعرض عَن غَيرهم من أَرْبَاب الشَّأْن قانعا من الدُّنْيَا باليسير ومدحه صَاحبه الشَّيْخ غرس الدّين الخليلى المدنى بقصيدة أَولهَا
وَالله انى مغرم بالطائفىلم لَا وَذَلِكَ كعبة للطائف
وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس حادى وعشرى شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف فى مَكَّة بعلة الاسهال وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن تقى الدّين الْمَعْرُوف بِابْن المهمندار الحلبى الحنفى وَالِد شَيخنَا الْعَالم الفهامة أَحْمد مفتى الشَّام الْآن وزبدة من بهَا من الْعلمَاء ذوى الشان لابرحت فضائله ملهج أَلْسِنَة الوصاف وفواضله مَظَنَّة الاطراء والاتحاف كَانَ الْمَذْكُور من أشهر مشاهير الْعلمَاء لَهُ بسطة بَاعَ فى الْفُنُون وَيَد طائلة فى التَّحْرِير والتهذيب قَرَأَ بحلب على علمائها الاجلاء مِنْهُم الشَّيْخ عمر العرضى
وَخرج وَهُوَ متقن متضلع وَدخل دمشق فى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف ثمَّ هَاجر الى الرّوم وتوطنها ودرس بهَا الْعُلُوم وانتفع بِهِ جمَاعَة ثمَّ لَازم من الْمولى يحيى وصيره شَيخا لِابْنِهِ الْمولى عبد الْقَادِر ثمَّ استخلصه الْمولى صَادِق مُحَمَّد بن أَبى السُّعُود لنَفسِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ وانتفع بِهِ وَبِه شاع ذكره واشتهر بَين موالى الرّوم ثمَّ درس بمدارس دَار الْخلَافَة الى أَن وصل الى مدرسة وَالِدَة السُّلْطَان مُرَاد فاتح بَغْدَاد وَولى مِنْهَا قَضَاء مَدِينَة أَيُّوب وَله من التآليف رِسَالَة فى الْمعَانى وَله تحريرات كَثِيرَة وتميقات لَطِيفَة وَكَانَت وَفَاته وَهُوَ قَاض بِأَيُّوب فى سنة سِتِّينَ وَألف عَن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عَتيق الحمصى الشافعى نزيل مصر الشَّيْخ الْفَاضِل كَانَ قوى الذكاء والفطنة حسن الاشارة فصيح الْعبارَة ذَا دعابة لَطِيفَة وطبع مُسْتَقِيم دخل الْقَاهِرَة فى أَيَّام شبابه واشتغل بفنون الْعُلُوم وَأخذ عَن الْبُرْهَان اللقانى والنورين على الحلبى وعَلى الاجهورى وَعبد الْجواد الجنبلاطى وحسين النمساوى وَمُحَمّد النحوى الشهير بسيبويه وَيس بن زين الحمصى وَالشَّمْس البابلى وسلطان المزاحى والنور الشبراملسى وجد واجتهد وبرع فى سَائِر الْفُنُون وفَاق أقرانه وتقوى على حل المشكلات العلمية وَألف حَاشِيَة على شرح التَّلْخِيص الْمُخْتَصر للسعد ورسائل فى فنون شَتَّى ثمَّ عرض لَهُ قَاطع عَن الْعلم واشتغل بتحصيل الدُّنْيَا وَفتح حانوتا للْبيع وَالشِّرَاء وَكَثُرت دُنْيَاهُ بِحَيْثُ أعرض عَن النّظر فى كتب الْعلم نَحْو عشْرين سنة ثمَّ طرقه طَارق الْخَيْر فَرجع الى مَا كَانَ عَلَيْهِ فى بدايته من الْجد وَالِاجْتِهَاد واشتغل بتصحيح جَمِيع مَا عِنْده من الْكتب على كثرتها وجد فى تَحْصِيل كتب الحَدِيث وكتبها بِخَطِّهِ وَكَانَ حسن الْخط وَلم يزل على هَذَا الْحَال الى أَن مَاتَ وَكَانَت وِلَادَته بحمص فى سنة عشْرين وَألف وَتوفى فى جُمَادَى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف بِمصْر وَدفن بتربة المجاورين وَرَآهُ بعض اخوانه فى الْمَنَام بعد مَوته فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لى وكتبنى عِنْده من الْعلمَاء قَالَ فَقلت لَهُ كَيفَ وَقد كنت انْقَطَعت عَن الْعلم مُدَّة فَقَالَ لى الْفضل أوسع وَمَا رَأَيْت الا كل خير وان أردْت النجَاة فى الْآخِرَة فَعَلَيْك بالاشتغال بِالْعلمِ فانه من أعظم أَسبَاب الْمَغْفِرَة عِنْد الله تَعَالَى واياك والتكلم فى أحد بِسوء فان عَلَيْك رقيبا أى رَقِيب
مُحَمَّد بن عُثْمَان الملقب أَمِين الدّين الدمشقى الصالحى الهلالى أحد الموقعين
للاحكام بالمحكمة الْكُبْرَى الاديب الشَّاعِر النَّاظِم الناثر اشْتغل فى الْعلم ثمَّ تَركه وتعانى التوقيع وَالشعر وَكَانَ لطيف الذَّات حُلْو النادرة وَمن ألطف مَا وَقع لَهُ انه كتب على خَاتمه من شعره
يَرْجُو ابْن عُثْمَان الامين الصالحىمن ربه حسن الختام الصَّالح
وَكَانَ مغرما بالهجاء وثلب اعراض النَّاس وَقيل لَهُ مَالك لَا يكَاد يجود شعرك الا فى الهجاء فَقَالَ خاطرى لَا يغْرف الامن الْبَحْر المنتن وَحكى البورينى أَنه سَمعه مَرَّات يَقُول كل شَاعِر لَهُ عينان نضاختان فى فكره الْوَاحِد عذبة للمديح وَمَا يُضَاف اليه وَالثَّانيَِة مُنْتِنَة للهجو وَمَا يُقَاس عَلَيْهِ وَأما انا فلى عين وَاحِدَة فَقَط وهى الْعين الثَّانِيَة فانى لَا أعرف الا الهجو المثالب قَالَ فَقلت لَهُ تَبًّا لَك يَا بغيض هَل يَلِيق بك أَن تقبح محَاسِن القريض فَقَالَ هَذِه جبلة ذاتيه وطبيعة على القبيحة مبنيه وَمن شعره قَوْله فى هجو عَمه ولى الدّين البزورى
اذا رَأَيْت ولى الدّين مفتكرامُنَكسًا رَأسه انسانه ساهى
فَذَاك من أجل دُنْيَاهُ لَا الْآخِرَةخوفًا من الْفقر لَا خوفًا من الله
وَله فى بنى الْخطاب الَّذين كَانُوا قُضَاة مالكية بِالشَّام أهاج كَثِيرَة وَقد جمعهَا فى جُزْء خَاص وَسَماهُ قرع القبقاب فى قرعَة بن الْخطاب وَفِيه كل عَجِيبَة وكل مسَبَّة غَرِيبَة فَمن ذَلِك قَوْله
بَيت ابْن خطاب غَدابَيْتا قَلِيلا خَيره
ينْفق فِيهِ عاشققَامَ عَلَيْهِ أيره
وَنظر يَوْمًا الى شُهُود محكمَة الْكُبْرَى فَوَجَدَهُمْ تِسْعَة وَهُوَ وَاحِد مِنْهُم وَوجد قضاتهم أَرْبَعَة وَمِنْهُم كَمَال الدّين أحد بنى خطاب الْمَذْكُورين فَقَالَ
قَالَت لنا الْكُبْرَى أماآن لكم مَا توعدون
قضاتنا أَرْبَعَةلكِنهمْ لَا يعلمُونَ
شهودنا عدتهمْتِسْعَة رَهْط يفسدون
والكتخدا والترجمانفى الْجَحِيم خَالدُونَ
وَمن شعره مقوله يهجو بعض الادباء
يَخُوض بعرضى من غَدا عَار دهرهوَمن هُوَ أدنى من سجَاح واكذب
وَمن أقعدته همة الْمجد والعلاوطارت بِهِ للخزى عنقاء مغرب
وَمن كَانَ فى عهد الحداثة نَاقَةيُقَاد الى أردى الانام ويركب
وَقد كَانَ قصدى أَن أبين وَصفهوَلَكِن اجمال القبائح أنسب
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع