من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْمِيم (٢٢)
الصفحة ٢ من ٢
وَله أَيْضا هَذَا الْمَقْطُوع وَهُوَ قَوْله
يَا خل ذَا الحبشى يفتن وَاقِفًامن شَرطه قاضى الْهوى قد حَار فى
يقْضى بِذَاكَ الشَّرْط فى عشاقهفالصب مقتول بِشَرْط الْوَاقِف
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا أخبر بِهِ من لَفظه للبورينى وَتوفى يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشرى شعْبَان سنة عشْرين بعد الالف قَالَه البورينى وَقد اعتمدته واما قَول النَّجْم انه سنة تسع فقد ناقضه مناقضة ظَاهِرَة بقوله فى تَرْجَمَة وَلَده عبد الْحق انه توفى لخامس عشر رَمَضَان سنة عشْرين وعقبه بقوله وَبَينه وَبَين وَالِده اُحْدُ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قَالَ البورينى وَالْعجب انه كَانَ وَاقِفًا عِنْد بَاب مَسْجِد القلعى على حَانُوت خباز كَانَ يعْتَاد الْوُقُوف عَلَيْهِ لقَضَاء بعض الْحَوَائِج فَأعْطَاهُ رجل سؤالاً ليكتب عَلَيْهِ الْجَواب فَأخذ الْقَلَم بِيَدِهِ وَكتب الْحَمد لله رب زدنى علما وَمد صُورَة ألف ليكتب لاما فانجر الْقَلَم مَعَ يَده على القرطاس وَوَقع مغشيا عَلَيْهِ فاستمر فى بَيته نَحْو اسبوع وَقضى الى رَحْمَة الله وَلم ينْطق بِحرف فِيمَا علمناه وَالله أعلم
مُحَمَّد بن مُحَمَّد شمس الدّين بن الجوخى الشافعى الْفَاضِل الذكى الْمَشْهُور كَانَ جيد الْمُشَاركَة محسنها فى كثير من الْعُلُوم كالفقه والنحو والمعانى وَغَيرهَا وآباؤه من رُؤَسَاء التُّجَّار المياسير بِدِمَشْق وَلما مَاتَ وَالِده ترك لَهُ ولاخيه محيى الدّين أَمْوَالًا كَثِيرَة فَكَانَا يتعاونان فى تنميتها وَكَانَ منزويا عَن النَّاس مُقْتَصرا على نفع نَفسه وينسب اليه الشُّح لزم أَبَا الْفِدَاء اسماعيل النابلسى والشهاب العيثاوى فى الْفِقْه وَأخذ الْعَرَبيَّة والمعانى عَن النابلسى الْمَذْكُور والعماد الحنفى وَالشَّمْس بن المنقار وَأخذ التَّفْسِير عَن جدى القاضى محب الدّين وَتزَوج بنت الشَّيْخ الْعِمَاد الْمَذْكُور بعد وَفَاة بَعْلهَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن يحيى البهنسى وسافر الى مصر فَأخذ عَن شيوخها وَملك كتبا كَثِيرَة وَكَانَ رَفِيقًا للقاضى بدر الدّين حسن الموصلى
فى الِاشْتِغَال وَبَينهمَا صداقة كُلية وتناسب كثير وَكَانَ مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من تقليب الاموال لَا يتْرك الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَكَانَ ينظم الشّعْر ووقفت على أَبْيَات لَهُ فى مَجْمُوع بِخَط ابْنه أَبى اللطف كتبهَا للعمادى الْمُفْتى فى صدر كتاب لَهُ وهى هَذِه
وَمَا شوق ظمآن الْفُؤَاد رمت بِهِصروف الليالى فى مُلَمَّعَة قفر
شكا من لظى نارين ضمت عَلَيْهِمَاأضالعه نَار الهجير مَعَ الهجر
يرْوى غليل الارض من فيض دمعهوَلَيْسَ لَهُ جهد الى غلل الصَّدْر
الى عَارض من مزنة عطفت بِهِنسيم صبا الاحباب من حَيْثُ لَا يدرى
بأبرح من شوقى لرؤياكم الَّتِيأعد لعمرى أَنَّهَا لَذَّة الْعُمر
وَكَانَت وَفَاته فى أَوَائِل شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَولى أمره وَأمر أَوْلَاده الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى لغيبة أَخِيه الخوجا محيى الدّين بِمصْر ثمَّ لما رَجَعَ الى الشَّام سلم اليه مَا كَانَ بِيَدِهِ قلت وَكَانَ نبغ لَهُ ولد اسْمه أَبُو اللطف وَكَانَ نبل وَفضل وَله أدب وَشعر وَبَينه وَبَين الامير المنجكى مُرَاجعَة وَقد ذكرته هُوَ ووالده فى كتابى النفحة وأوردت لَهُ بعض أشعار ووقفت عَلَيْهَا بِخَطِّهِ من جُمْلَتهَا قَوْله
بعيشكم أهل الصبابة وَالصبَاأقلبا رَأَيْتُمْ مثل قلبى معذبا
فَلم أرلى فى محنة الْحبّ منجداوَلم أستطع من فيض دمعى تحجبا
وَقد صرت من حر الْفِرَاق بِحَيْثُ لَويُشَاهد حالى كل واش تحجبا
فيا لَيْت من أهواه فى النّوم زارنىفشلى معنى صَار فى حبه هبا
سَأَلت الذى قد قدر الْبعد بَيْننَاسيجمعنا يَوْمًا يكون لَهُ نبا
وانما لم افرد لَهُ فى كتابى هَذَا تَرْجَمَة لانه لم أَقف على تَارِيخ وَفَاته واحسب انه تجَاوز عشر الثَّلَاثِينَ
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الفرفور الحنفى الدمشقى تخرج أَولا بِعَمِّهِ القاضى جمال الدّين ثمَّ اشْتغل على القاضى مُحَمَّد الاندلسى بن المالكى المغربى فَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من النَّحْو وَالصرْف وَقَرَأَ على الْحسن البورينى حِصَّة من شرح التَّلْخِيص الْمُخْتَصر للتفتازانى ثمَّ حضر دروس الْجد القاضى محب الدّين وَولى نظارة أوقافهم ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الاغلبكية بِمحل القيمريه بِدِمَشْق وهى مَشْرُوطَة لَهُم وَكَانَ لَهُ هَيْئَة حَسَنَة وظرافه وَكَانَ لَهُ خيل على عَادَة أَوْلَاد الاكابر وَكَانَ ينظم الشّعْر
فَمن شعره مَا كتبه الى شَيْخه البورينى مستنجزا وَعدا
يَا عَالما قد رقى فى الْعلم مرتبَةدارت بقطب سناها دارة الْقَمَر
وكاملا قد سما فى الْخَافِقين لَهُبِالْفَضْلِ ذكر حميد سَار كالمثل
وَمن هُوَ الجهبذا الحبر الذى شهِدتلَهُ الموالى هداة الْعلم وَالْعَمَل
حوى معارف فضل لَيْسَ ينكرهاسوى جهول لفرط الْحمق معتزل
شيخ الْعُلُوم الَّتِي تبدى فوائدهافوائدا لم تقل فى الاعصر الاول
جَوَاهِر قد حلى جيد الزَّمَان بهَامن بعد مَا مر حينا وَهُوَ ذُو عطل
(مولى غَدا مجرياً فضل السباق بمضمار العلى فى سِيَاق الْبَحْث والجدل ...)
ودوحة الْفضل تزهو من جلالتهورونق الْعلم مِنْهُ عَاد فى كمل
يَا صَاح ان رمت حل المشكلات فلذبِهِ وَعَن فهمه السيال قُم فسل
حبر تفرد فى جمع الْكَمَال فَلَايرى مضاهيه فى مَاض ومقتبل
هَذَا وَقد طَال وعد مِنْك يَا سندىوَالْقلب من أَجله قد صَار فى شغل
والوعد دين لَدَى رب الْكَمَال يرىقَضَاؤُهُ لَازِما من غير مَا مهل
فحققن رجائى فاعتقادى فىصدق العلى لكم عَار عَن الزلل
وجد برد جوابى فالجوى بى قدأحَاط والوجد منى غير منتقل
وخادع الدَّهْر قد أبدى جِنَايَتهكَأَنَّهُ طَالب ثارا على دخل
أقلب الطّرف من وجدى لعلى أَنأرى معينا لدفع الْحَادِث الجلل
وَذكر النَّجْم هَذَا الْمَقْطُوع وَقَالَ انه مِمَّا أنشدنيه
اذا أَرَادَ الاله أمراقَضَاؤُهُ فى النُّفُوس مبرم
فوضت أمرى وَقلت خيرامَا دفع الله كَانَ أعظم
قَالَ وَمِمَّا اتّفق لَهُ انه لما ولى قَضَاء دمشق السَّيِّد مُحَمَّد الشريف وَكَانَ لَهُ حِدة وَكَانَ مِمَّن صحب الامير مُحَمَّد بن منجك فشفع الامير مُحَمَّد الى القاضى الْمَذْكُور لِابْنِ عَم مُحَمَّد المترجم عمر بن جمال الدّين ان ينظر فِيمَا بَينه وَبَين ابْن عَمه من الِاسْتِحْقَاق فى أوقافهم فاحتد القاضى على مُحَمَّد حَتَّى عَزله عَن النّظر وولاه ابْن عَمه عمر فَحصل لمُحَمد غَايَة الْقَهْر وَالْكَسْر ثمَّ اصلح بَينهمَا الامير بعد ان وصل الى مرده وبقى مُحَمَّد على انكساره الى أَن مَاتَ قَالَ البورينى أخبرنى من لَفظه ان وِلَادَته فى ثَالِث عشر ذى الْقعدَة سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى بعد ان تمرض أَيَّامًا قَليلَة بحمى محرقة فى يَوْم الْجُمُعَة
حادى عشرى شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف عَن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة وَأَبوهُ مَاتَ أَيْضا وسنه ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَدفن بتربتهم جوَار ضريح الشَّيْخ ارسلان قدس الله سره
مُحَمَّد بن مُحَمَّد سعد الدّين حسن جَان الشهير بِابْن الخوجة مفتى السلطنة وَرَئِيس علمائها وَكَانَ فى الْفضل والفطنة والحافظة فى مرتبَة خَارِجَة عَن طوق الْبشر وَلَقَد يحْكى عَنهُ انه ركب يَوْمًا الْبَحْر بِقصد السّير فى بُسْتَان لَهُ مَعْرُوف قَدِيما بِهِ وَكَانَ أَمِين الْفَتْوَى فى خدمته وَكَانَ توزيع الْفَتَاوَى قرب فَقَالَ لَهُ أخرج الاسئلة واقرأها على لاستحضر أجوبتها فاذا وصلنا الْبُسْتَان سهلت الْكِتَابَة عَلَيْهَا فأخرجها وَقرأَهَا حَتَّى أَتَى على آخرهَا وَكَانَ يضع المقروء أَمَامه فى الزورق الذى هم فِيهِ فَهبت ريح عَاصِفَة بالاوراق وألقتها فى الْبَحْر فاضطرب الامين لذَلِك غَايَة الِاضْطِرَاب فَقَالَ لَهُ لَا بَأْس عَلَيْك فَلَمَّا وصل الْبُسْتَان استدعى بقراطيس وَقسمهَا صورا وَقَالَ اكْتُبْ مَا أمْلى عَلَيْك وَأخذ يمليه الاسئلة المكتتبة وَهُوَ يكْتب حَتَّى لم يبْق شئ مِنْهَا وبلغنى من بعض الروميين انها كَانَت تنوف على مائَة سُؤال وَهَذِه المنقبة من أعظم مَا يكون وهى كَافِيَة لَهُ عَن الاطناب فى وَصفه وَله نظم بالالسنة الثَّلَاثَة وَخمْس القصيدة البرأة بِتَمَامِهَا وَله انشاء وخطب وتقاريظ كلهَا ممتعة وَلَقَد وقفت لَهُ على تقريظ كتبه على كتاب فى الطِّبّ يَقُول فِيهِ
رَوْضَة أنوار آثَار الشفا مِنْهَا تلوحدوحة أنوار أثمار الصَّفَا فِيهَا تفوح
عرفهَا ذَاك يقوى الْقلب طيبا طيبامِنْهُ للارواح روح فِيهِ للابدان روح
رَوْضَة نباتها أزهرت فاقتطفت مِنْهَا أدوية الشِّفَاء وحديقة دوحتها أثمرت فاجتنيت من أَغْصَانهَا أفاويه الدَّوَاء أَجَاد جَامعهَا وَأحسن وأمعن فِيمَا جمع وأتقن حَيْثُ أَتَى بمختصر حسن فى تَلْخِيص مطولات هَذَا الْفَنّ فغدا موجزا سديدا نفيسا يَلِيق بَان يكون لحذاق الطِّبّ أنيسا فِيهِ مَالا يسع الطَّبِيب جَهله وانما يعرف قدره أَهله جرى فِيهِ على سمت الطبائع كَمَا هُوَ بَين أهل الْفَنّ شَائِع فان الشَّرْع مناع الشنائع يدل الاسباب والعلامات على اتقان بأوضح العلامات يتَعَيَّن للاعيان أَن يتمموا آماله ويطيبوا بِطيب التطبيب باله وَقد ولى قَضَاء دَار الْخلَافَة ثمَّ قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولى فى ثانى عشر رَجَب سنة أَربع بعد الالف وسافر هُوَ وَأَبوهُ مَعَ السُّلْطَان مُحَمَّد
ابْن مُرَاد فى سفر أكرى وَظَهَرت كفايتهما فى ذَلِك السّفر وَحكى ان صَاحب التَّرْجَمَة تدرع ايام الْمُحَاربَة وجاهد مجاهدة عَظِيمَة ونفع النَّفْع التَّام عِنْد هجوم الْكفَّار على صف السُّلْطَان فَكَانَ يجمع الْعَسْكَر الى طرف السُّلْطَان وَيُقَاتل أَشد الْقِتَال حَتَّى وهب الله النَّصْر وَالظفر وَفتحت قلعة اكرى وَلما رَجَعَ السُّلْطَان عزل عَن قَضَاء الْعَسْكَر فى خَامِس عشر جُمَادَى الاولى سنة خمس بعد الالف ثمَّ ولى قَضَاء روم ايلى فى خَامِس عشر ذى الْقعدَة سنة سبع بعد الالف وعزل فى ثامن عشر شهر رَمَضَان سنة تسع بعد الالف وَولى الافتاء فى صفر سنة عشر وَألف وعزل فى ثانى عشرى رَجَب سنة احدى عشرَة ثمَّ اعيد فى صفر سنة سبع عشرَة وبقى الى أَن مَاتَ فى جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَقَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى مفتى الشَّام فى تَارِيخ وَفَاته
قدمات مُحَمَّد الْعُلُوم الْمَعْلُومفالروم رجت لفقد ذَاك المخدوم
لم لَا وأتى وفْق وَفَاة المرحومتَارِيخ افول شمس علم فى الرّوم
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشريف شمس الدّين بن السَّيِّد كَمَال الدّين بن عجلَان نقيب الاشراف بِدِمَشْق وَكَانَ قبل ذَلِك كأبيه وَقد تقدم ذكر شيخ الْمَشَايِخ فَلَمَّا مَاتَ السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد حُسَيْن بن حَمْزَة فى سنة سِتّ عشرَة وَألف بحماة قَافِلًا من حلب كَمَا تقدم فى تَرْجَمته وَكَانَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين اذ ذَاك بحلب فَطلب النقابة عَنهُ للسَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور من الْوَزير الاعظم مُرَاد باشا فَعرض لَهُ فِيهَا فوجهت اليه ووليها مُدَّة سلك فِيهَا مسلكا حسنا وتصدى للنَّاس بِالْكَرمِ وَحسن الْخلق مَعَ صغر سنه وَكَانَ حسن الْمُوَافقَة كثير الْحيَاء والسخاء متخلقا بالاخلاق الَّتِي تدل على صِحَة الشّرف وَالنّسب وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت ثامن عشرى رَجَب سنة خمس وَعشْرين وَألف بعد ان تمرض نَحْو خَمْسَة أَيَّام بحمى محرقة وَلم يبلغ أَرْبَعِينَ سنة وَدفن بتربة الجورة من ميدان الْحَصَى بِالْقربِ من دَارهم
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع