من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
سهم الإسلام
(سهم الْإِسْلَام) كَانَ السّلف يَقُولُونَ فى وصاياهم إِذا مَرَرْت بِقوم فابدأهم بِسَهْم الْإِسْلَام وَهُوَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول يَوْم دُخُول المدنية (أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام وصلوا الْأَرْحَام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام)
(قبَّة الْإِسْلَام) لما مصر عمر رضى الله عَنهُ الْبَصْرَة وانتقلت قبائل الْعَرَب إِلَيْهَا وَكَثُرت الْأَبْنِيَة فِيهَا واشتدت شَوْكَة الْإِسْلَام بهَا سميت قبَّة الْإِسْلَام ثمَّ لما بنى الْمَنْصُور بَغْدَاد وسماها مَدِينَة السَّلَام وَصَارَت دَار الْخلَافَة ومصب أَمْوَال الدُّنْيَا قَالَ النَّاس هَذِه الْآن أولى بِأَن تسمى قبَّة الْإِسْلَام من الْبَصْرَة فَقَالُوا مَدِينَة السَّلَام وقبة الْإِسْلَام
وَلما وَقعت فتْنَة الزنج بِالْبَصْرَةِ رفع إِلَى عبيد الله بن يحيى بن خاقَان بسر من رأى أَن الْبَصْرَة قبَّة الْإِسْلَام وفيهَا قُرَيْش والهاشميون وَالْعرب وهى على شرف الخراب والذهاب فأضحر وَقَالَ وَذَهَبت الْبَصْرَة فَمه فَقيل لَهُ وَذَهَبت أَنْت فَمه فَكَانَ يصاح بِهِ فى الطَّرِيق فَمه حَتَّى اشْتهر بهَا فهرب من سر من رأى
وَذكر ابْن الموسوى النَّقِيب قبَّة الْإِسْلَام فى قصيدة مدح بهَا الطائع وَذكر فِيهَا أَبَاهُ فَقَالَ
لما رآك رأى النَّبِي مُحَمَّدًافى بردة الإجلال والإعظام
وَرَأى بمجلسك المعرق فى الْعلَاحرم الرَّجَاء وقبة الْإِسْلَام
(بَيْضَة الْإِسْلَام) وهى على طَريقَة الِاسْتِعَارَة والتشبيه مجتمعه وحوزته وَيُقَال أَيْضا الْبَيْضَة
وَقد قصرت فى هَذَا الْكتاب بَابا على الْبيض الْمَنْسُوب والمضاف
(خضاب الْإِسْلَام) ذكر ابو عبيد الله المرزبانى فى كتاب الْأَنْوَار وَالثِّمَار حَدِيثا يرفعهُ إِلَى عقبَة بن عَامر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (عَلَيْكُم بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خضاب الْإِسْلَام وَإنَّهُ يصفى الْبَصَر وَيذْهب بالصداع وَيزِيد فى الباه وَإِيَّاكُم والسواد فَإِنَّهُ من سود سود الله وَجهه يَوْم الْقِيَامَة)
(فتكتا الْإِسْلَام) كَانَ يُقَال لفتكة عبد الْملك بن مَرْوَان بِعَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأَشْدَق فتكة الْإِسْلَام ثمَّ صَارَت بفتكة
الْمَنْصُور بأبى مُسلم فتكتين هما فتكتا الْإِسْلَام وَلَا ثَالِث لَهما
(نطاق الْإِسْلَام) هُوَ على طَرِيق الِاسْتِعَارَة أنصاره وأعوانه فَكَأَنَّهُ يستظهر بهم عِنْد التنطق
وَسُئِلَ على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ عَن تَغْيِير الشيب وَمَا يرْوى فى ذَلِك من قَول النَّبِي ﷺ (غيروا الشيب وَلَا تشبهوا باليهود) فَقَالَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك وَالدّين فى قل فَأَما وَقد اتَّسع نطاق الْإِسْلَام فَكل امرىء وَمَا اخْتَار لنَفسِهِ
(دَعْوَة الْإِسْلَام) كَانَت وَلِيمَة الْحسن بن سهل حِين بنى الْمَأْمُون ببنته بوران تدعى دَعْوَة الْإِسْلَام حَتَّى جَاءَت دَعْوَة بركوار فَقَالَ النَّاس هى مثلهَا وَقَالُوا إِن دَعْوَة بركوار دَعْوَة الْإِسْلَام لم يكن قبلهَا وَلَا بعْدهَا مثلهَا إِلَّا مَا يحْكى فى وَقت بِنَاء الْمَأْمُون ببوران وَبلغ من جلالة دَعْوَة الْحسن بن سهل وَعظم خطرها وارتفاع مقدارها أَن أَقَامَ لِلْمَأْمُونِ بِفَم الصُّلْح وَجمع قواده وَأَصْحَابه نزلهم أَرْبَعِينَ يَوْمًا واحتفل بِمَا لم ير مثله نفاسة وَكَثْرَة قَالَ الْمبرد سَمِعت الْحسن بن رَجَاء يَقُول كُنَّا نطعم أَيَّام مقَام الْمَأْمُون عِنْد الْحسن بن سهل سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف ملاح وَلَقَد عز بِنَا الْحَطب يَوْمًا فأوقدنا تَحت الْقُدُور الخيش مغموسا فى الزَّيْت وَلما كَانَت لَيْلَة الْبناء وجليت بوران على الْمَأْمُون فرش لَهَا حَصِير من ذهب وجىء بمكتل مرصع بالجواهر فِيهِ دُرَر كبار فَنثرَتْ على من حضر من النِّسَاء وفيهن زبيدة
وحمدونة بنت الرشيد وعجائز الْخلَافَة فَمَا مس من حضر مِنْهُنَّ من الدُّرَر شَيْئا فَقَالَ الْمَأْمُون شرفن أَبَا مُحَمَّد وأكرمن بوران فمدت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ يَدهَا فَأخذت درة وَاحِدَة وبقى سَائِر الدّرّ يلوح على حَصِير الذَّهَب فَقَالَ الْمَأْمُون قَاتل الله الْحسن بن هانى كَأَنَّهُ قد رأى هَذَا حَيْثُ يَقُول
كَأَن صغرى وكبرى من فواقعهاحَصْبَاء در على أَرض من الذَّهَب
وَكَانَت فى ذَلِك الْمجْلس شمعة عنبر فِيهَا مِائَتَا رَطْل فَضَجَّ الْمَأْمُون من دخانها فَعمِلت لَهُ على مثالات من الشمع فَكَانَ اللَّيْل مُدَّة مقَامه بِفَم الصُّلْح كالنهار وَلما كَانَت دَعْوَة القواد نثرت عَلَيْهِم رقاع فِيهَا أَسمَاء ضيَاع فَمن وَقعت فى يَده رقْعَة لضيعة أشهد الْحسن لَهُ بهَا
وَيُقَال إِنَّه أنْفق فى هَذِه الدعْوَة أَرْبَعَة آلَاف ألف دِينَار فَلَمَّا أَرَادَ الْمَأْمُون أَن يصعد أَمر لَهُ بِأَلف ألف دِينَار وأقطعه الصُّلْح وعاتبه على احتفاله واجتهاده وَحمله على نَفسه فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتظن هَذَا من مَال سهل وَالله مَا هُوَ إِلَّا مَالك رد إِلَيْك وَأَرَدْت أَن يفضل الله أيامك ونكاحك كَمَا فضلك على جَمِيع خلقه
فَهَذِهِ دَعْوَة الْإِسْلَام الأولى
وَأما دَعْوَة الْإِسْلَام الثَّانِيَة فهى بيركوار لما أعذر المتَوَكل المعتز وَمن قصَّتهَا أَنه جلس بعد فرَاغ القواد والأكابر من الْأكل ومدت بَين يَدَيْهِ مرافع ذهب مرصعة بالجواهر وَعَلَيْهَا أَمْثِلَة من العنبر والند والمسك المعجون على جَمِيع الصُّور وَجعلت بساطا ممدودا وأحضر القواد والجلساء وَأَصْحَاب الْمَرَاتِب فَوضعت بَين أَيْديهم صوانى الذَّهَب مرصعة بأنواع الْجَوَاهِر من
الْجَانِبَيْنِ وَبَين كل سماطين فرجه وَجَاء الفراشون بزنابيل قد غشيت بِالْأدمِ مَمْلُوءَة دَرَاهِم ودنانير نِصْفَيْنِ فصبت فى الفرجة حَتَّى ارْتَفَعت على الصوانى وَأمر الْحَاضِرُونَ أَن يشْربُوا وَأَن يَأْخُذ كل من شرب من تِلْكَ الدَّنَانِير ثَلَاث حفنات بِقدر مَا حملت يَده فَكلما خف مَوضِع صبوا عَلَيْهِ من الزنابيل حَتَّى يردوه إِلَى حَالَته ووقف غلْمَان فى آخر الْمجْلس فصاحوا إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لكم ليَأْخُذ من شَاءَ مَا شَاءَ فَمد النَّاس أَيْديهم إِلَى المَال فَأَخَذُوهُ فَكَانَ الرجل مِنْهُم يثقله مَا مَعَه فَيخرج فيسلمه إِلَى غلمانه وَيرجع إِلَى مَكَانَهُ وَنظر ابْن حمدون إِلَى سطل ذهب مَمْلُوء مسكا فَأَخذه وَمر بِهِ ليدفعه إِلَى غُلَامه فَقَالَ لَهُ المتَوَكل إِلَى أَيْن فَقَالَ إِلَى الْحمام يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلما تقوض الْمجْلس خلع على النَّاس ألف خلعة وَأعْتق ألف نسمَة فَصَارَت دَعوته يُقَال لَهَا دَعْوَة الْإِسْلَام الثَّانِيَة
(عَصا الْمُسلمين) قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء من أمثالهم شقّ فلَان عَصا الْمُسلمين إِذا فرق جمعهم وشق الْعَصَا إِذا خرج من الطَّاعَة قَالَ جرير
أَلا بكرت سلمى فجد بكورهاوشق الْعَصَا بعد اجْتِمَاع أميرها
وَقَالَ العتابى فى الرشيد
إِمَام لَهُ كف يضم بنانهاعَصا الدّين مَمْنُوعًا من البرى عودهَا
وَعين مُحِيط بالبرية طرفهاسَوَاء عَلَيْهِ قربهَا وبعيدها
(حلوبة الْمُسلمين) من طَرِيق الِاسْتِعَارَة فيئهم وخراجهم يُقَال درت حلوبة الْمُسلمين إِذا جبيت حُقُوق بَيت المَال
(جنَاح الْمُسلمين) كَانَ يُقَال للبريد جنَاح الْمُسلمين لما كَانَ يتطاير بِهِ من الْأَخْبَار وَلما ولى الْحسن بن وهب بريد الحضرة قَالَ فِيهِ دعبل
من مبلغ عَنى إِمَام الْهدىقافية للستر هتاكه
هَذَا جنَاح الْمُسلمين الذىقد قصه تَوْلِيَة الحاكه
أضحت بغال الْبرد منظومةإِلَى ابْن وهب تحمل الناكه
فبلغت المتَوَكل فَأمر بعزله
الْبَاب الحادى عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْقُرَّاء وَالْعُلَمَاء
خريطة شهر
فقه ابى حنيفَة
جَامع سُفْيَان
عنز الْأَعْمَش
طفرة النظام
حَاجَة أَبى الْهُذيْل
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع