من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن بصخان بن عين الدولة الإمام بدر الدين بن السراج.
متقدم بالعلم، ومفضل يحتج به أهل الإيمان، ومحلا ورده للطالب لا يرد عنه
بغلته ظمآن، ومهنأ بفضل ما أوتي لا يضره فيه أهل الشنآن، وله في الموسيقا ما يقرع له العود، ويقر له الحسود، ويقرر أنه ما غاب نصيبه مما قيل اعملوا شكرا آل داود، إلا أنه لم يكن معتدل المزاج، ولا معتد الجسم للعلاج، لإفراط سوداء به منعته من المأكل كل بيضاء شحمة، وكل حمراء لحمة، وكل خضراء نضرة نعماء، وكل زرقاء نطفة ماء، وكل صفراء فلذة حلواء، تسمى باسم من الأسماء، فقضى مدة حياته منغصا، واستوفى رزقه من الدنيا إلا أنه أخذه منقصا، وهيهات هيهات بتجنب الطيبات من الرزق طول طيب الحياة:
وإذا المنية أنشبت أظفارهاألفيت كل تميمة لا تنفع
ولد سنة ثمان وستين، وسمع الكثير بعد الثمانين، واعتنى بالقراءات سنة (ص) تسعين وبعدها، وحج غير مرة، وانجفل إلى مصر سنة سبعمائة،
وجلس في حانوت تاجرا، ثم أقبل على العربية فأحكمها، وقدم دمشق بعد ستة أعوام، وتصدر لإقراء القراءات، والنحو، وقصده القراء والمشتغلون، وظهرت فضائله، وبهرت معارفه، وبعد صيته، ثم إنه أقرأ لأبي عمرو بإدغام ﴿اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ وبابه، ورآه واسعا في العربية، والتزم إخراجه من القصيد، وصمم على ذلك مع اعترافه بأنه لم يقرأ به، وقال: أنا قد أذن لي أن أقرئ بما في القصيد وهذا مخرج منها، فقام عليه التونسي، وابن الزملكاني وغيرهما، فطلبه قاضي القضاة" ابن صصرى " بحضورهم، وراجعوه، وناظروه، فلم يرجع، وأصر فمنعه الحاكم المذكور من الإقراء به، وأمره بمراجعة الجمهور فتألم، وانقطع في بيته، وامتنع من الإقراء جملة، ثم استخار الله تعالى، واستأذن الحاكم من الإقراء بجامع دمشق، فأذن له، وجلس للإفادة، وازدحم عليه الطلبة، وأخذوا عنه القراءات والعربية.
وكان له ملك يقوم بمصالحه، ولم يتناول من الجهات درهما، ولا طلب جهة مع كمال أهليته، ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الملك الصالح بعد التونسي لكونه أقرأ من وجد بدمشق من المتصدرين، وكذلك ولي إمامة مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق، ثم تركها، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام.
وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث، وأربعين، وسبعمائة.
وهذا آخر من كان يعد في فنه واحدا في الزمان، وفردا لا يلز بثان، فلما قرّ القبر بإيابه، ونفضت الأيدي من ترابه تساوت بعده الأنظار، وتواست لواحد في عدم الإقرار على أن في الأيام منهم شموسا لوامع، وفي الليالي بدورا طوالع، إلا أنه لم ينبغ منهم في هذا الفن متفردا (ص) به واحد، ولا قنع به دون ضم أطراف العلوم الشوارد، بل ما في جلة الوقت ممن أتقن القراءات إلا من جعلها تماما لحليه من غير نقيصة، ومشاركة في عموم معارفه، لا خصيصة، قلما من تمخض للقراءات، فما منهم رأس ارتفع، ولا واحد عليه مجتمع، وكان موته إذ حمل على أعناق الرجال، وقدم له النعش للارتحال، كما زعم الأول وقال:
تساوت الناس ومات الكمال
تغمده الله بالرحمة والرضوان، وآنسه بالقرآن، فبموته ختم قراء الجانب الشرقي، وتظلّم لحظة الشقي.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع