تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

استيلاء طاهر على بغداد في سنة ثمان وتسعين ومئة

(¬*)

هجم طاهر على بغداد بعد قتال شديد، ونادى مناديه: من لزم بيته فهو آمن، وأخذ الأمين أمه وأولاده إلى عنده بمدينة المنصور، وتحصن [بها] وتفرق عنه عامة جنده، وحصره طاهر هناك، وأخذ عليه الأبواب، ولما أشرف على أخذه طلب الأمين الأمان من هرثمة، وأن يطلع إليه فروجع في الطلوع إلى طاهر فأبى ذلك، فلما كانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم خرج الأمين بعد العشاء الآخرة وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فأرسل إليه هرثمة يقول: إني غير مستعد لحفظك، وأخشى أن أغلب عنك فأقم إلى الليلة القابلة فأبى الأمين إلا الخروج تلك الليلة، ثم دعا الأمين بابنيه وضمهما إليه وبكى وقبلهما ثم جاء راكبا إلى الشط فوجد حرّاقة هرثمة فصعد إليها فاحتضنه هرثمة وضمه إليه، وقبّل [يديه] ورجليه، ثم شد أصحاب طاهر على حراقة هرثمة حتى أغرقوها فأخرج الملاح هرثمة من الماء، وأما الأمين فلما سقط في الماء شق ثيابه، ثم أخذ أصحاب طاهر الأمين وهو عريان بسراويل وعمامة فأمر به طاهر فحبس في بيت، فلما انتصف الليل أرسل إليه طاهر قوما من العجم فقتلوه وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر فنصبه على برج من أبرجة بغداد وأهل بغداد ينظرون، وأرسل طاهر رأس الأمين إلى المأمون، وكتب بالفتح، وأرسل البردة والقضيب، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، وصلى بالناس، وخطب للمأمون.

وكان قتل الأمين لست بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة، وكانت مدة

خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وكسرا، وعمره ثمانيا وعشرين سنة، وكان سبطا، أنزع، صغير العينين، أقنى، جميلا، طويلا، وكان منهمكا في اللذات وشرب الخمر حتى أرسل إلى جميع البلاد في طلب الملهين وضمهم إليه، واحتجب عن أهل بيته، وقسم الأموال في خواصه وفي الخصيان والنساء، وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد، والعقاب، وعلى صورة الحية، والفرس، وابن آدم، وأنفق في عملهم مالا عظيما، وفي ذلك يقول أبو نواس في شعره: <الخفيف>

سخّر الله للأمين مطايالم تسخّر لصاحب المحراب
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «سخر الله للأمين مطايا»
فإذا ما ركابه سرن براسار في البحر راكبا ليث غاب
عجب الناس إذ رأوك عليهكيف أن لو رأوك فوق العقاب
ذات سور ومنبر وجناحين تشق العباب فوق العباب
بارك الله للأمين وأبقاهـ وأبقى له رداء الشباب
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «سخر الله للأمين مطايا»

ولما قتل الأمين استوثق الأمر في المشرق والمغرب للمأمون، فولى الحسن بن سهل على كور العراق وفارس والحجاز واليمن.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.