من «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
باب الأحمدين (٤)
الصفحة ٢ من ٢
وأنشدني شَاعِر الْعَصْر الشهَاب المنصوري لنَفسِهِ فِيهِ:
شيخ الشُّيُوخ تَقِيّ الدّين يَا سندييَا مَعْدن الْعلم بل يَا مفتي الْفرق
أَنْت الَّذِي اخْتَارَهُ الْبَارِي فزينهبالْحسنِ فِي الْخلق وَالْإِحْسَان فِي الْخلق
كم معشر كابدوا الْجَهْل الْقَبِيح إِلَىأَن علمُوا مِنْك علما وَاضح الطّرق
وقيتهم بالتقى وَالْعلم مَا جهلوافَأَنت يَا سَيِّدي فِي الْحَالَتَيْنِ تَقِيّ
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا:
غير شيخ الشُّيُوخ فِي النَّاس فَضلهفَلِذَا لَا تزَال تشكر فَضله
لَا ترى غير مَا يَسُرك مِنْهُجمع الله بالمسرات شَمله
التقي النقي دينا وعرضاالْجَلِيل الْجَمِيل قدرا وخصله
فكثير فِي النَّاس فيض نداهوَقَلِيل أَن تنظر الْعين مثله
كل خير عين لكل زمَانيتلقاه وَهُوَ للعين مقله
فِي أَبْيَات أخر. وَلم يزل الشَّيْخ أَطَالَ الله عمره يودني ويحبني، ويعظمني ويثني عَليّ كثيرا.
توفّي الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى قرب الْعشَاء لَيْلَة الْأَحَد سَابِع عشْرين ذِي الْحجَّة سنة ثِنْتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة، وَدفن يَوْم الْأَحَد وَصلى عَلَيْهِ الْخلق، وفجعوا بِهِ.
وَقلت أرثيه - وَهِي من غرر القصائد الَّتِي لَا نَظِير لَهَا:
رزءٌ عَظِيم بِهِ تستنزل العبروحادث جلّ فِيهِ الْخطب والغير
رزءٌ مصاب جَمِيع الْمُسلمين بِهِوقلبهم مِنْهُ مكلومٌ ومنكسر
مَا فقد شيخ شُيُوخ الْمُسلمين سوى انهدام ركن عَظِيم لَيْسَ ينعمر
رزءٌ بِهِ عظمت للْمُسلمين وَقدوَقد عَمت وطمت فَمَا فِي الْقلب مصطبر
تبكيه عين أولي الْإِسْلَام قاطبةًويضحك الْفَاجِر المسرور والغمر
من قَامَ بِالدّينِ فِي دُنْيَاهُ مُجْتَهداوَقَامَ بِالْعلمِ لَا يألو ويقتصر
كل الْعُلُوم تناغيه وتنشدهلما قضى مهلا يأيها الْبشر
إِذْ كَانَ فِي كل علم آيَة ظَهرتوَمَا العيان كمن قد جَاءَهُ الْخَبَر
باعٌ طويلٌ يدٌ علياءٌمع قدملَهَا رسوخ سواهُ مَا لَهُ ظفر
النَّقْل وَالْعقل حَقًا شَاهِدَانِ رضَابِأَنَّهُ فاق من يَأْتِي وَمن غبروا
أبان علم أصُول الدّين متضحاًوَكم جلا شبها حارت بهَا الْفِكر
وَفِي الْكتاب وَفِي آيَاته ظَهرتآيَاته حِين يتلوها وَيعْتَبر
مُحَقّق كَامِل الْآلَات مجتهدٌوَمَا عَسى تبلغ الأبيات والسطر!
وَفِي الْأَحَادِيث آياتٌ قد انتشرتآثارها وشذا فياحها الْعطر
قد توج الْفِقْه بالشرح الْمُفِيد وَقدحلاه بالدر أبحاثٌ لَهُ غرر
أنعم بنعمان عينا حِين يذكر فِيأَصْحَابه الشَّيْخ دَامَت فَوْقه الدُّرَر
يَسْطُو بِسيف على الرَّازِيّ مفتخرالَدَى الْأُصُول وَمَا فِي الْيَوْم مفتخر
كَلَامه فِي عُلُوم الْعَرَب أجمعهامُغنِي اللبيب إِذا أعيت بِهِ الْفِكر
وَالنّظم فِي الرُّتْبَة الْعليا فضيلتهيحكيه فِي الانسجام الْقطر وَالنّهر
على هدى الأقدمين الغر منهجهعلما وقولا وفعلا وَمَا بِهِ نكر
نقي عرض تَقِيّ الدّين لَا دنسٌيشينه لَا وَلَا فِي شَأْنه غير
سعى إِلَيْهِ قَضَاء الْعَصْر يخطبهفَرده خائبا زهدا بِهِ حصر
لَهُ مَكَارِم أَخْلَاق يسود بهَاأكَابِر الْعَصْر إِن طالوا وَإِن فَخَروا
وجود حَاتِم يجْرِي من أناملهلوافديه وَإِن قلوا وَإِن كَثُرُوا
لَهُ فصاحة سحبان وشاهدهاإِجْمَاع كل الورى وَالنَّص وَالنَّظَر
لَو يحلف الْخلق بالرحمن أَن لَهُكل المحاسن وَالْإِحْسَان مَا فجروا
عَم الورى مِنْهُ علم مَا لَهُ مددوَمن فَوَائده مَا لَيْسَ ينْحَصر
وكل أَعْيَان أهل الْعَصْر مُرْتَفعبِالْأَخْذِ عَنهُ لعلياه ومفتخر
المنهل العذب حَقًا للورود فَمَاعَن غَيره لَهُم ورد وَلَا صدر
شيخ الشُّيُوخ وَلَا أوحشت من سكنوَلَا عَفا لَك ربع زانه الخفر
حياتك الْحق فِي الدَّاريْنِ ثَابِتَةمَا الْعَالمُونَ بأموات وَإِن قبروا
قطعت عمرك إِمَّا ناشراً لهدىأَو نَافِعًا لفتى قد مَسّه الضَّرَر
على سواك ربيع الْعلم رونقهمحرم وهم من فهمه صفر
غرست دوحة علم للورى فهمُمن مستظل وَمن دَان لَهُ الثَّمر
وَكم قصدت إِلَى إِيضَاح مشكلةأَو حل معضلة طارت بهَا الشرر
وَلم تشنك ولايات الْقَضَاء فَلَانزاع من حاسب يُحْصى ويختبر
وَمن يكن عمره التَّقْوَى بضاعتهفَلَا يخَاف، وَنعم الْعُمر والعمر
حزت العلى فِي الورى علما ومنقبةسوى الَّذِي لَك عِنْد الله مدخر
أبشر بِروح وَرَيْحَان وَدَار رضَاوَرَحْمَة وصفاء مَا بِهِ كدر
أبشر وبشراك صدق مَا بهَا ريبكَمَا بهَا يشْهد التَّنْزِيل والأثر
يثني عَلَيْك جَمِيع الْخلق قاطبةإِن الثَّنَاء على هَذَا لمعتبر
يذكر الْمَوْت قرب الإنتقال وَمَاكَمثل موت تَقِيّ الدّين مدكر
فَالله يخلفه فِي نَسْله كرماوَالله أعظم من يُرْجَى وينتظر
وَالله يقْضِي بإسراع اللحوق فَمَاللقلب بعد هداة الدّين مصطبر
دهر عَجِيب يصم السّمع منكرهوَمَا بِهِ للهدى عون وَلَا وزر
وكل وَقت يرى الأخيار قد ذَهَبُواوللأشرة فِيهِ النَّار تستعر
حبر فحبر إِمَام بعد آخر لَايرى لَهُم خلف كلا وَلَا نظر
إِذا نُجُوم الْهدى والرشد قد أفلتضل الورى فَلهم فِي غيهم سكر
هم الأولى تشرق الدُّنْيَا ببهجتهالَا شمسها وَأَبُو إِسْحَاق وَالْقَمَر
وَإِن تكن أعين الْإِسْلَام ذَاهِبَةتترى فعما قَلِيل يذهب الْأَثر
أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ
أَبُو الْعَبَّاس - وَقيل أَبُو عبد الله - الخروبي. من اهل وَادي آش، قَالَ ابْن الزبير: كَانَ فَقِيها جَلِيلًا، نحويا لغويا أديبا. روى عَن أبي الْوَلِيد بن رشد وَأبي الْقَاسِم بن الْحصار الْمُقْرِئ وَأبي عبد الله بن أبي الْعَافِيَة وَأبي عبد الله الْمَازرِيّ وَغَيرهم، وخطب بِجَامِع وَادي آش، روى عَنهُ أَبُو ذَر الْخُشَنِي وَغَيره، وَكَانَ حَيا سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة.
وَقَالَ ابْن عبد الْملك: كَانَ مقرئا يغلب عَلَيْهِ حفظ اللُّغَة والآداب، حسن الْقيام على التَّفْسِير، مُحدثا راوية مكثرا عَارِفًا بالأصول وَالْكَلَام. لَهُ نظم يسير.
مَاتَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة عَن ثَلَاثِينَ سنة.
أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ الأصبحي الأندلسي الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس العناني النَّحْوِيّ
قَالَ ابْن حبيب: عَالم حَاز أفنان الْفُنُون الأدبية وفاضل ملك زِمَام الْعَرَبيَّة.
وَقَالَ ابْن حجر: اشْتغل فِي بِلَاده ثمَّ قدم فلازم أَبَا حَيَّان كثيرا، واشتهر بِهِ وبرع
فِي زَمَانه وتحول إِلَى الشَّام فَعظم قدره واشتهر وانتفع بِهِ النَّاس قَلِيلا وتفقه للشَّافِعِيّ، وَشرح كتاب سِيبَوَيْهٍ، والتسهيل.
وَمَات فِي تَاسِع عشْرين الْمحرم سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة.
أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَطاء الله بن عوض الْإِسْكَنْدَر القَاضِي نااصر الدّين الزبيرِي
ينْسب للزير بن الْعَوام. قَالَ ابْن حجر: مهر وفَاق الأقران فِي الْعَرَبيَّة، وَولي قَضَاء بَلَده، ثمَّ قدم الْقَاهِرَة، وَظَهَرت فضائله، وَولي قَضَاء الْمَالِكِيَّة بهَا فباشره بعفة ونزاهة، وناب عَنهُ الْبَدْر الدماميني، وَقَالَ فِيهِ من أَبْيَات:
وأجال فكرك فِي بحار علومهسبحا لِأَنَّك من بني الْعَوام
وَكَانَ عَاقِلا متوددا موسعا عَلَيْهِ فِي المَال، سليم الصَّدْر، طَاهِر الذيل، قَلِيل الْكَلَام؛ لم يؤذ أحدا بقول وَلَا فعل، وعاشر النَّاس بجميل فَأَحبُّوهُ.
شرح التسهيل ومختصر ابْن الْحَاجِب.
وَمَات فِي أول رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة.
أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْقَيْسِي الْقُرْطُبِيّ أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ الْمُقْرِئ الزَّاهِد
يعرف بِابْن أبي حجَّة. قَالَ ابْن عبد الْملك: كَانَ من كبار الأستاذين، مقرئا مُتَقَدما نحويا محققا مُحدثا حَافِظًا مَشْهُور الْفضل، من أهل الزّهْد والورع والتواضع، يتعاطى نظم شعر سَاقِط. أَخذ الْقرَاءَات عَن أبي الْقَاسِم بن الشراط، وروى عَن أبي مُحَمَّد بن حوط الله وَابْن مضاء وَأبي الْحسن بن نجبة بِالسَّمَاعِ وَلم يجيزوا لَهُ، وأقرأ الْقُرْآن والنحو، وأسمع الحَدِيث بقرطبة، ثمَّ خرج عِنْد تغلب الْعَدو عَلَيْهَا إِلَى إشبيلية، وَولي الْقَضَاء والخطابة بهَا.
وَألف: تسديد اللِّسَان فِي النَّحْو، وَالْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ. وَغير ذَلِك.
ركب الْبَحْر إِلَى سبتة، فَأسر هُوَ وَأَهله وَحمل إِلَى منورقة - بالنُّون - فَفَدَاهُ أَهلهَا، فَمَكثَ ثَلَاثَة أَيَّام، وَمَات، وَقيل: مَاتَ على ظهر الْبَحْر قبل الْوُصُول بهم إِلَى منورقة وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة، ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة.
أَحْمد بن مُحَمَّد بن مكي بن ياسين الشَّيْخ نجم الدّين الْقَمُولِيّ
قَالَ الأدفوي: كَانَ من الْفُقَهَاء الأفاضل وَالْعُلَمَاء المتعبدين والصلحاء المتورعين، اشْتغل بقوص والقاهرة، وَقَرَأَ الْأُصُول والنحو وَسمع من الْبَدْر بن جمَاعَة.
وصنف: الْبَحْر الْمُحِيط فِي شرح الْوَسِيط، الْجَوَاهِر، شرح كَافِيَة ابْن الْحَاجِب، شرح الْأَسْمَاء الْحسنى.
ولي الحكم بقمولا وإخميم وأسيوط وَغَيرهَا ثمَّ الْحِسْبَة وناب فِي الحكم بهَا ودرس فِي الفخرية.
مولده سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة. وَمَات يَوْم الْأَحَد ثامن رَجَب سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة.
أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن أبي الْقَاسِم بن مُخْتَار بن أبي بكر الجذامي الإسْكَنْدراني الْمَالِكِي القَاضِي نَاصِر الدّين أَبُو الْعَبَّاس بن الْمُنِير
كَانَ إِمَامًا فِي النَّحْو وَالْأَدب وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير، وَله يَد طولى فِي علم الْبَيَان والإنشاء، بالجامع الجيوشي وَغَيره، وناب فِي الحكم بهَا، ثمَّ اشْتغل بِالْقضَاءِ، ثمَّ صرف وصودر، ثمَّ أُعِيد إِلَيْهِ. وَسُئِلَ عَنهُ ابْن دَقِيق الْعِيد فَقَالَ: مَا يقف فِي الْبَحْث على حد وَسَأَلَهُ ابْن دَقِيق الْعِيد على الْحجَّة فِي كَون عمل أهل الْمَدِينَة حجَّة، فَقَالَ هَل يتَّجه غير هَذَا ﴿وَتكلم كلَاما طَويلا، فَلم يتَكَلَّم الشَّيْخ مَعَه، فَلَمَّا خرج سُئِلَ عَن ترك الْكَلَام مَعَه، فَقَالَ: رَأَيْت رجلا لَا ينتصف مِنْهُ إِلَّا بالإساءة إِلَيْهِ. وَفِيه يَقُول الْعَلامَة ابْن الْحَاجِب من أَبْيَات:
لقد سئمت حَياتِي الْبَحْث لَوْلَامبَاحث سَاكن الإسكندريه
صنف التَّفْسِير، الانتصاف من صَاحب الْكَشَّاف، مناسبات تراجم البُخَارِيّ، وَغير ذَلِك.
وَأَرَادَ أَن يصنف فِي الرَّد على الْأَحْيَاء فَخَاصَمته أمه، وَقَالَت لَهُ: فرغت من مُضَارَبَة الْأَحْيَاء، وشرعت فِي مُضَارَبَة الْأَمْوَات﴾ فَتَركه.
مولده ثَالِث ذِي الْقعدَة سنة عشْرين وسِتمِائَة، وَمَات - قيل - مسوما يَوْم الْجُمُعَة مستهل ربيع الأول سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة.
أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور الأشموني الْحَنَفِيّ النَّحْوِيّ
قَالَ ابْن حجر: كَانَ فَاضلا فِي الْعَرَبيَّة، مشاركا فِي الْفُنُون.
نظم فِي النَّحْو لامية آذن فِيهَا بعلو قدره فِي الْفَنّ، وَشَرحهَا شرحا مُفِيدا، وصنف فِي فضل الله لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَمَات فِي ثامن عشرى شَوَّال سنة تسع وَثَمَانمِائَة.
أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن بشير بن حَمَّاد ابْن لَقِيط الدَّارِيّ الْكِنَانِي الْقُرْطُبِيّ أَبُو بكر
النص من طبعة المكتبة العصرية بصيدا، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع