تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

للفرزدق يرثي ابنيه

وقال الفرزدق يرثي ابنيه:

بفي الشامتين الترب أن كان مسنيرزية شبلي مخدرٍ في الضراغم
وما أحدٌ كان المنايا وراءهولو عاش أياماً طوالا بسالم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بفي الشامتين الصخر إن كان مسني»
أرى كل حي ما تزال طليعةًعليه المنايا من ثنايا المخارم
يذكرني ابني السماكان موهناًإذا ارتفعا فوق النجوم العواتم
وقد رزىء الأقوام قبلي بنيهموإخوانهم، فاقني حياء الكرائم
ومات أبي والمنذران كلاهماوعمرو بن كلثوم شهاب الأراقم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بفي الشامتين الصخر إن كان مسني»
وقد كان مات الأقرعان وحاجبوعمرو أبو عمرو، وقيس بن عاصم
وقد مات بسطام بن قيس بن خالدٍومات أبو غسان شيخ اللهازم
وقد مات خيراهم فلم يهلكاهمعشية بانا رهط كعب وحاتم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بفي الشامتين الصخر إن كان مسني»
فما ابناك إلا من بني الناس فاصبريفلن يرجع الموتى حنين المآتم

قال: وأنشدني التوزي عن أبي زيد: "خنين المآتم "بالخاء معجمة.

قوله: "ما تزال طليعة "يريد طالعةً، والثنايا جمع ثنيةٍ، وهي الطريق في الجبل، من ذلك:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايامتى أضع العمامة تعرفوني
للشاعر سليمان الباروني، من قصيدة «لبست التاج تاج الفخر كيما»

والمخارم: جمع مخرمٍ، وهو منقطع أنف الجبل.

وقوله: "فوق النجوم العواتم"، يعني المتأخرة، يقال: فلان يأتينا ولا يعتم: أي لايتأخر، وعتمة اسم للوقت، فلذلك سميت الصلاة بذلك الوقت، وكل صلاة مضافة إلى وقتها، تقول: صلاة الغداة، وصلاة الظهر، وصلاة العصر. وما قولك: الصلاة الأولى، فالأولى نعت لها إذا كانت أول ما صلي، وقيل أول ما أظهر.

وقوله: "فاقني حياء الكرائم" يقول: فالزمي، وأصل القنية المال اللازم، يقال: اقتنى فلان مالاً إذا اتخذ أصل مالٍ، وقيل في قول الله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ

هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. أي جعل لهم أصل مال، وأنشد أبو عبيدة:

لو كان للدهر عز يطمئن بهلكن للدهر صخر مال قنيان

والكرائم: جمع كريمة، والاسم من "فعيلة" والنعت يجمعان على "فعائل"، فالاسم نحو: صحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، والنعت نحو: عقيلة وعقائل، وكريمة وكرائم.

وقوله: "ومات أبي "يريد التأسي بالأشراف. وأبوه غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، وكان أبوه شريفاً، وأجداده إلى حيث إنتهوا، ولكل واحد منهم قصة يطول الكتاب بذكرها. والمنذران: المنذر بن المنذر بن ماء السماء اللخمي، يريد الابن والأب، وعمرو بن كلثوم التغلبي، قاتل عمرو بن هند، وكان أحد أشراف العرب وفتاكهم وشعرائهم. والأراقم: قبيلة من بني تغلب ابنة وائل، من بني جشم بن بكر. وزعم أهل العلم أنهم إنما سموا الأراقم لأن عيونهم شبهت بعيون الحيات، والأراقم: واحدها أرقم، فكانوا معروفين بهذا. قال الفرزدق يرد على جرير في هجائه له وللأخطل:

إن الأراقم لن ينال قديمهاكلب عوى متهتم الأسنان
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت»

وجعله شهاباً لهم لنوره وبهائه وضيائه، تقول العرب: إنما فلان نجم أهله وكذلك قالت الخنساء:

كأنه علم في رأسه نار

والأقرعان: الأقرع بن حابس، وابنه الأقرع من بني مجاشع بن دارم، وكان الأقرع في صدر الإسلام سيد خندف، وكان محله فيها محل عيينة بن حصن في قيس. وحاجب بن زرارة بن عدس سيد بني تميم في الجاهلية غير مدافع.

وعمرو أبو عمرو، يريد عمرو بن عدس، وكان شريفاً، وكان ابنه عمرو شريفاً، قتل يوم جبلة، قتلته بنو عامر بن صعصعة، وقتلوا لقيط بن زرارة وكان الذي ولي قتله عمارة الوهاب العبسي، وينسب إلى بني عامر، لأن بني عبس كانوا فيهم مع قيس بن زهير، وعمارة هذا كان يقال له: "دالق"، وقتله شرحاف الضبي، ولذلك يقول الفرزدق:

وهن بشرحاف تداركن دالقاًعمارة عبس بعدما جنح العصر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «رعت ناقتي من أم أعين رعية»

وزعم أبو عبيدة أن فاطمة بنت الخرشب الأنمارية أريت في منامها قائلاً يقول: أعشرة هدرة أحب إليك أم ثلاثة كعشرة هدرة بالدال غير معجمة، قال أبو الحسن: هم السقاط من الناس فلم تقل شيئاً، فعادلها في الليلة الثانية فلم تقل شيئاً، ثم قصت ذلك على زوجها فقال: إن عاد لك الثالثة فقولي: ثلاثة كعشرة وزوجها زياد بن عبد الله بن ناشب العبسي، فلما عاد لها قالت: ثلاثة كعشرة، فولدتهم كلهم غاية، ولدت ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، وهي إحدى المنجبات من العرب.

وأسرو حاجباً. فذلك حيث يقول جرير يعير الفرزدق ويعلمه فخر قيس عليه:

تحضض يا ابن القين قيساً ليجعلوالقومك يوما مثل يوم الأراقم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
كأنك لم تشهد لقيطاً وحاجباوعمرو بن عمرو إذ دعوا: يال دارم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
ولم تشهد الجونين والشعب ذا الصفاوشدات قيس يوم دير الجماجم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»

الجونان: معاوية وحسان ابنا الجون الكنديان، أسرا في ذلك اليوم، فقتل حسان، وفودي معاوية بسبب يطول ذكره. والشعب: شعب جبلة.

وقوله:

وشدات قيس يوم دير الجماجم

هذا في الإسلام، يعني وقعة الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي بدير الجماجم.

وقوله:

وقد مات بسطام بن قيس بن خالد

يعني الشيباني، وهو فارس بكر بن وائل وابن سيدها، وقتل بالحسن وهو جبل قتله عاصم بن خليفة الضبي، وكان عاصم بن خليفة أسلم في أيام عثمان ﵀، فكان يقف ببابه فيستأذن عليه، فيقول عاصم بن خليفة الضبي: قاتل بسطام بن قيس بالباب قال أبو الحسن: الوجه عندي في "بسطام" ألا ينصرف لأنه أعجمي وكان سبب قتله إياه أن بسطاماً أغار على بني ضبة، وكان معه حاز يحزو له قال أبو الحسن: " حاز" بالزاي أي زاجر فقال له بسطام: إني سمعت قائلاً يقول:

الدلو تأتي الغرب المزله

فقال الحازي: فهلا قلت:

ثم تعود بادناً مبتله

قال: ما قلت فاكتسح إبلهم، فتنادوا واتبعوه، ونظرت أم عاصم إليه، وهو يقع حديدة له أي يحدها، والميقعة: المطرقة فقالت له: ما تصنع بهذه وكان عاصم مضعوفاً فقال لها: أقتل بها بسطام بن قيس، فنهرته، وقالت: است أمك أضيق من ذلك فنظر إلى فرس لعمه موثقةٍ إلى شجرة

فاعروراها أي ركبها عرياً ثم أقبل بها كالريح، فنظر بسطام إلى الخيل قد لحقته، فجعل يطعن الإبل في أعجازها، فصاحت به بنو ضبة: يا بسطام، ما هذا السفه دعها، إما لنا وإما لك، وانحط عليه عاصم، فطعنه فرمى به على الألاءة وهي شجرة ليست بعظيمة، وكان بسطام نصرانياً، وكان مقتله بعد مبعث النبي ﷺ فأراد أخوه الرجوع إلى القوم، فصاح به بسطام: أنا حنيف إن رجعت، ففي ذلك يقول ابن غنمة الضبي وكان في بني شيبان:

فخر على الألاءه لم يوسدكأن جبينه سيف صقيل

ولما قتل بسطام لم يبق في بكر بن وائل بيت إلا هجم أي هدم.

وقوله:

ومات أبو غسان شيخ اللهازم

يعني مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب، أحد بني قيس بن ثعلبة، وإليه تنسب المسامعة. وكان سيد بكر بن وائل في الإسلام، وهو الذي قال لعبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم اللآت بن ثعلبة وكان حين حدث أمر مسعود بن عمرو المعني من الأزد فلم يعلمه به، فقال له عبيد الله وهو أحد فتاك العرب، وهو قابل مصعب بن الزبير: أيكون مثل هذا الحدث ولا تعلمني به لهممت أن أضرم دارك عليك ناراً فقال له مالك: اسكت أبا مطر، فوالله إن في كنانتي سهم أنا أوثق به مني بك، فقال له عبيد الله: أو أنا في كنانتك فوالله لو قمت فيها لطلتها، ولو قعدت فيها لخرقتها، فقال له مالك وأعجبه ما سمع منه: أكثر الله في العشيرة مثلك قال: لقد سألت ربك شططاً!

وفي مالك بن مسمع يقال:

إذا ما خشينا من أمير ظلامةدعونا أبا غسان يوماً فعسكراً

قوله: "وقد مات خيراهم"، تثنية كقولك: مات أحمراهم، ولم يخرج مخرج النعت، ألا ترى أنك تقول: هذا أحمر القوم إذا أردت: هذا الأحمر الذي للقوم، فإذا أردت الذي يفضلهم في باب الحمرة قلت: هذا أشدهم حمرة، ولم

تقل: هذا أحمرهم، وكذلك خيراهم، وإنما أردت هذا خيرهم ثم ثنيت، أي هذا الخير الذي هو فيهم.

وقوله: "عشية بانا"، مردود على قوله: "خيراهم".

وقوله: "رهط كعب وحاتم"، إنما خفضت "رهطاً" لأنه بدل من "هم" التي أضفت إليها "الخيرين" والتقدير: وقد مات خيراً رهط كعب وحاتم، فلم يهلكاهم عشية بانا.

فأما كعب، فهو كعب بن مامة الإيادي، وكان وكان أحد أجواد العرب الذي آثر على نفسه، وكان مسافراً ورفيقه رجل من النمر بن قاسط فقل عليهما الماء فتصافناه والتصافن: أن يطرح في الإناء حجرٌ ثم يصب فيه من الماء ما يغمره لئلا يتغابنوا: وكذلك كل شيء وقف على كيله أو وزنه، والأصل ما ذكرنا فجعل النمري يشرب نصيبه، فإذا أخذ كعب نصيبه قال: اسق أخاك النمري، فيؤثره حتى جهد كعبٌ، ورفعت له أعلام الماء، فقيل له: رد كعب ولا ورود به، فمات عطشاً، ففي ذلك يقول أبو دؤاد الإيادي:

أوفى على الماء كعبٌ ثم قيل لهرد كعب إنك ورادٌ فما وردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

فضرب به المثل، فقال جرير في كلمته التي مدح فيها عمر بن عبد العزيز:

يعود الفضل منك على قريشٍوتفرج عنهم الكرب الشدادا
وقد أمنت وحشهم برفقٍويعيي الناس وحشك أن تصادا
وتبني المجد يا عمر ابن ليلىوتكفي الممحل السنة الجمادا
وتدعوا الله مجتهداً ليرضىوتذكر في رعيتك المعادا
وما كعب ابن مامة وابن سعدىبأجود منك يا عمر الجوادا
تعود صالح الأخلاق إنيرأيت المرء يلزم ما استعادا

هذا كعب ابن مامة الذي ذكرناه.

وأما ابن سعدى، فهو أوس بن حارثة بن لأم الطائي، وكان سيداً مقدماً، فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو ابن هند، وأبوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء، فدعا أوساً فقال له: أأنت أفضل أم حاتم? فقال أبيت اللعن لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي لوهبنا في غداةٍ واحدةٍ. ثم دعا حاتماً فقال له: أنت أفضل أم أوسٌ? فقال أبيت اللعن إنما ذكرت بأوسٍ، ولأحد ولده أفضل مني.

وكان النعمان بن المنذر دعا بحلة وعنده وفود العرب من كل حي فقال: احضروا في غد، فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم، فحضر القوم جميعاً إلا أوساً، فقيل له: لم تتخلف فقال إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء ألا أكون حاضراً، وإن كنت أنا المراد فسأطلب ويعرف مكاني. فلما جلس النعمان لم ير أوساً، فقال اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمناً مما خفت، فحضر فألبس الحلة، فحسده قوم من أهله، فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال الحطيئة: كيف أهجو رجلاً في بيتي أثاثاً ولا مالاً إلا من عنده ثم قال:

كيف الهجاء وما تنفك صالحةٌمن آل لأم بظهر الغيب تأتيني

فقال لهم بشر بن أبي خازم، أحد بني أسد بن خزيمة: أنا أهجو لكم، فأخذ الإبل وفعل، فأغار أوس على الإبل فاكتسحتها، فجعل لا يستجير حياً إلا قال: قد أجرتك إلا من أوس. وكان في هجائه إياه قد ذكر أمه، فأتى به، فدخل أوس على أمه فقال: قد أتينا ببشرٍ الهاجي لك ولي، فما ترين فيه? فقالت له: أو تطيعني فيه? قال نعم، قالت: أرى أن ترد عليه ماله، وتعفو عنه وتحبوه، وافعل مثل ذلك، فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه.

فخرج إليه فقال: إن أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا وكذا فقال: لا جرم والله لا مدحت أحداً حتى أموت غيرك. ففيه يقول:

إلى أوس بن حارثة بن لأمٍليقضي حاجتي فيمن قضاها
وما وطئ الثرى مثل ابن سعدىولا لبس النعال ولا احتذاها

وأما حاتمٌ الذي ذكره الفرزدق، فهو حاتم بن عبد الله الطائي، جواد العرب، وقد كان الفرزدق صافن رجلاً من بني العنبر بن عمرو بن تميم إدواة في وقتٍ، فرامه العنبري وسلمه أن يؤثره وكان الفرزدق جوادا فلم تطب نفسه عن نفسه، فقال الفرزدق:

فلما تصافنا الإداوة أجهشتإلي غضون العنبري الجراضم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ما نحن إن جارت صدور ركابنا»
فجاء بجلمود له مثل رأسهليشرب ماء القوم بين الصرائم
على ساعةٍ لو أن في القوم حاتماًعلى جوده ضنت به نفس حاتم

أما قوله: "أجهشت" فهو التسرع، وما تراه في فحواه من مقاربة الشيء، يقال: أجهش بالبكاء. والغضون: التكسر قي الجلد، والجراضم: الأحمر الممتلئ.

وقوله:

ليشرب ماء القوم بين الصرائم

فهي جمع صريمةٍ، وهي الرملة التي تنقطع من معظم الرمل، وقوله: "صريمة "يريد مصرومة، والصرم: القطع، وأتشد الأصمعي:

فبات يقول أصبح ليل حتىتجلى على صريمته الظلام
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أحق ما رأيت أم احتلام»

يعني ثوراً، وصريمته: رملته التي هو فيها. وقال المفسرون في قول الله ﷿: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قولين، قال قوم: كالليل المظلم، وقال قوم: كالنهار المضيء، أي بيضاء لا شيء فيها، فهو من الأضداد. ويقال: لك سواد الأرض وبياضها، أي عامرها وغامرها، فهذا ما يحتج به لأصحاب القول الأخير، ويحتج لأصحاب القول الأول في السواد بقول الله ﵎: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، وإنما سمي السواد سواداً لعمارته، وكل خضرةٍ عند العرب سواد، ويروى:

على ساعةٍ لوأن في القوم حاتماًعلى جوده ما جاد بالماء حاتم

جعل" حاتما" تبيناً للهاء في جوده، وهو الذي يسميه البصريون البدل، أراد: على جود حاتمٍ.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.