تجاوز إلى المحتوى

من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)

ذكر من اسْمه مُحَمَّد (١٧)

الصفحة ٢ من ٢

بالجمالية فِي سنة سبع وَعشْرين ثمَّ مشيخة التصوف بهَا فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ، وَكَانَت لَهُ بِالظَّاهِرِ جقمق قبل سلطنته خُصُوصِيَّة بِحَيْثُ أَنه كَانَ وَهُوَ أَمِير آخور يَجِيئهُ إِلَى بَيته وَيَأْكُل عِنْده فَلَمَّا تسلطن لَازمه جدا وَانْقطع إِلَيْهِ فولاه فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وكَالَة بَيت المَال ثمَّ فِي الَّتِي تَلِيهَا نظر الْكسْوَة وَحِينَئِذٍ هرع النَّاس إِلَيْهِ للتوسل بِهِ عِنْده وَدخل فِي قضايا فانهاها حَتَّى أَنه كَانَ يصمم على الْمَنْع ثمَّ يسهله بسفارته ويلتزم الْفِعْل ثمَّ ينْقضه بِشَفَاعَتِهِ، وَصَارَ لَهُ عِنْد من دونه الْكَلِمَة النافذة والشفاعة المقبولة فتزايدات ضخامته وَارْتَفَعت مكانته وانثالت عَلَيْهِ الدِّينَا بِسَبَب ذَلِك من كل جَانب من الْقُضَاة والمباشرين وَالتّرْك فضلا عَمَّن دونهم فأثرى جدا وَكَثُرت أَمْوَاله خُصُوصا وَهُوَ غير متبسط فِي معيشته وَلَا سمح الْبَذْل بِالَّذِي فِي حوزته لجماعته ورعيته فضلا عَمَّن لَيْسَ من أهل مودته وَقصد بالانتماء لولائه والحلول بساحته وفنائه حَتَّى أَن الْمُحب بن الشّحْنَة الْحَنَفِيّ رَئِيس مَمْلَكَته صاهره على ابْنَته وَقَررهُ السُّلْطَان أَيْضا فِي نظر البيمارستان المنصوري فِي ربيع الآخر سنة تسع وَأَرْبَعين فازداد وجاهة وَعزا اجْتهد فِي عِمَارَته وَعمارَة أوقافه والحث على تنمية)

مستأجراته وَسَائِر جهاته حَتَّى الاحكار وَمَا ينْسب إِلَيْهِ من الْآثَار مَعَ التَّضْيِيق على مباشريه والتحري فِي الْمَرِيض الْمنزل فِيهِ بِحَيْثُ زَاد على الْحَد وَقل من المرضى فِيهِ الْعد وتحامى النَّاس الْمَجِيء إِلَيْهِ بِأَنْفسِهِم أَو بمرضاهم فَصَارَ لذَلِك مكنوسا ممسوحا وَمنع النَّاس من الْمَشْي فِيهِ إِلَّا حُفَاة وَحجر فِي كل مَا أَشرت إِلَيْهِ غَايَة التحجير فَاجْتمع فِي الْوَقْف بِسَبَب هَذَا كُله من الْأَمْوَال مايفوق الْوَصْف وَكَذَا اجْتهد فِي عمَارَة الجمالية وأوقافها وتحسين خبزها وَالزِّيَادَة فِي معاليم صوفيتها ومستأجراتها لَكِن مَعَ التحجير عَلَيْهِم فِي الْحُضُور وقفل الْبَاب بِحَيْثُ أَن من تخلف لَا يُمكن الْفَتْح لَهُ، ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الصلاحية الْمُجَاورَة للشَّافِعِيّ حَيْثُ وليه مَعَ النّظر بعد القاياتي، بل اسْتَقر فِي الْقَضَاء الْأَكْبَر بعد الْعلم البُلْقِينِيّ وباشره بحرمه مهابة وصولة زَائِدَة وشدد فِي أَمر النواب وابتكر جمَاعَة من الْفُضَلَاء مِمَّن كَانَ شَيخنَا ينزه الْكثير مِنْهُم عَن استنابته واجتهد فِي ضبط الْمُودع الْحكمِي وَعمارَة أوقاف الْحَرَمَيْنِ وَالصَّدقَات وَنَحْوهَا وتنمية دلّت بِزِيَادَة المستأجرات والمسقفات والاحتكار على عَادَته المشروحة وتحري بِالصرْفِ من يعرف اسْتِحْقَاقه وارتدع بِهِ المباشرون والجباة وَنَحْوهم، كل ذَلِك بالعنف والشدة والبطش الْمخْرج عَن حيّز الِاعْتِدَال والملجئ إِلَى التَّصْرِيح بِمَا ل لَا يُنَاسب منصبه حَتَّى فِي الطرقات وَالرُّكُوب بِدُونِ شعار الْقُضَاة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أنزه قلمي عَن إثْبَاته هُنَا مَخَافَة الْكَبِير

وَالصَّغِير والشريف والحقير وَلم يسْتَطع أحد مُرَاجعَته وتعدى حَتَّى تعرض لولد شَيخنَا بالترسيم وَغَيره قصدا لابعاده عَن المنصب لينفرد بِهِ بعد أَن كَانَ من أعظم المنكرين لصنيع القاياتي فِيهِ وَعمل شَيخنَا حِينَئِذٍ جُزْءا سَمَّاهُ ردع المجرم، وانتزع مِنْهُ تدريس الصالحية ونظرها إِلَى أَن حاق فِيهِ السم الْقَاتِل وذاق مرَارَة حَنْظَلَة فِي الْمقَاتل فَكَانَ أول مبادئ انحطاط قدره وارتباط المحن بِجَانِب قدره فِي أول بيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَاسْتمرّ حَتَّى عزل شَيخنَا عَن الْقَضَاء وبالشرف الْمَنَاوِيّ عَن تدريس الصلاحية ونظرها وبأبي الْخَيْر النّحاس غَرِيمه عَن البيمارستان وبالواوي الاسيوطي عَن الجمالية وَوضع السُّلْطَان يَده على أَكثر مَا نماه من متحصل المرستان وَغَيره بل وَأدْخلهُ المقشرة، وَآل أمره إِلَى أَن اختفى فَلم يظْهر إِلَّا بعد نكبه النّحاس وَمضى ثَمَانِيَة أشهر وأياما فِي الاختفاء، سمعته يَقُول إِنَّه أُتِي على متونه الَّتِي كَانَ أنسيبا حفظا وطلع حِينَئِذٍ إِلَى السُّلْطَان مرّة بعد أُخْرَى وأكرمه وَأعَاد لَهُ فِي الْمرة الثَّانِيَة وَذَلِكَ فِي ثَالِث شَوَّال سنة أَربع وَخمسين)

الجمالية وباشر حُضُورهَا على الْعَادة مَاشِيا فِي الْأَغْلَب من درب الأتراك إِلَيْهَا قَاصِدا تواضعه بذلك ويصعد إِلَى السُّلْطَان فِي كلك شهر للتهنئة كآحاد النَّاس، وَلم يلبث أَن مرض فِي آخر يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَمَات فِي يَوْم الثُّلَاثَاء مستهل ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَخمسين وَصلى عَلَيْهِ الْمَنَاوِيّ فِي الْأَزْهَر وَدفن بتربة أَقَاربه الاسيوطيين فِي نَاحيَة بَاب الْوَزير ﵀ عَفا عَنهُ وأيانا وَأَرْجُو لَهُ الِانْتِفَاع بِمَا حل بِهِ من المحن والرزايا سِيمَا وَقد نَدم على صَنِيعه مَعَ شَيخنَا وتوسل إِلَيْهِ بكشف رَأسه وَنَحْوه وعزم على الْأَسْبَاب المخففة عَنهُ مَعَ كَونه كَانَ مديما للتلاوة حَرِيصًا على المداومة على التَّعَبُّد وَالصِّيَام والتجهد رَاغِبًا فِي إحْيَاء ليَالِي رَمَضَان بِجَامِع الْأَزْهَر بِرَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فيهمَا كل الْقُرْآن فِي كل لَيْلَة مَعَ التضرع إِلَى الله وَكَثْرَة الْبكاء وَالتَّعَفُّف عَن كثير من الْمُنْكَرَات محبا فِي إغاثة الملهوف والميل لمساعدة الْفُقَهَاء والطلبة وبجاهه بِحَيْثُ جرت على يَده مبرات مِنْهَا تجهيز خمس من العميان فِي كل سنة لقَضَاء فَرِيضَة الْحَج بِمِائَة دِينَار، كل ذَلِك مَعَ الفصاحة فِي الْكَلَام وجهورية الصَّوْت وطلاقة الْعبارَة وَقُوَّة الحافظة وبقصد الِانْتِفَاع بجاهه تزاحم الْفُضَلَاء فِي حُضُور درسه ببيته وَغَيره وَقَرَأَ عِنْده فِي الْكَشَّاف وَنَحْوه وقرأت عَلَيْهِ لَا بِهَذَا الْقَصْد جُزْءا من الغيلا نَبَات وسر بذلك وَكَذَا حدث بالكثير مِمَّا كَانَ الْقَارئ عِنْده فِي أَكْثَره الْجلَال بن الْأَمَانَة وَلذَلِك قَرَّرَهُ فِي الْقِرَاءَة بالقلعة بعد عزل البقاعي وقدحه بِكَلِمَات حَسْبَمَا شرحته فِي مَكَان آخر وَاقْتضى ذَلِك مُبَالغَة البقاعي وتعديه لما أَكْثَره مختلق بل وَلَو كَانَ صَحِيحا كَانَ الزَّائِد على الْقدر الْحَاجة مِنْهُ غير جَائِز وَصرح

بتكذيبه قَالَ: وَكَانَ الله دَابَّة سوء وَقد كَانَ الْجلَال الوجيزي ينشد فِيهِ نظما أَوله:

لحاك الله يَا سفطي فكم تجنيوَكم تخطي وَكم تمنع وَمَا تُعْطِي

وَقد أطلت تَرْجَمته فِي ذيل الْقُضَاة وَفِي المعجم والوفيات وَغير ذَلِك من تعاليقي.

مُحَمَّد بن أَحْمد بن يُوسُف بن عبد الْمجِيد الْبَدْر الْمحلي ثمَّ القاهري الْمَالِكِي إِمَام مَسْجِد قراقجا الْحسنى. اشْتغل وقتا فِي الْفِقْه والعربية وَنَحْوهمَا وشارك فِي الْجُمْلَة فلازم التقي الشمني فَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْمسند وَغَيره رِوَايَة وَكَذَا سمع على الْعِزّ الْحَنْبَلِيّ وَعبد الْكَافِي بن الذَّهَبِيّ وَطَائِفَة بِقِرَاءَتِي، وَكَانَ مَعَ مشاركته فِيهِ ديائة وَخير. مَاتَ شَابًّا بعد السِّتين ﵀ وإيانا.)

مُحَمَّد بن أَحْمد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن أَحْمد أوحد الدّين بن الشهَاب أبي الْعَبَّاس الْمحلي الْأَصْلِيّ القاهري الشَّافِعِي الْمَاضِي أَبوهُ وَولده الْجلَال عبد الرَّحْمَن وَيعرف بِابْن السيرجي.

ولد فِي عَاشر شعْبَان سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَأخذ عَن أيه وَغَيره وجود الْخط وتميز فِي الْفَرَائِض والحساب وبرع فِي التوقيع وتكسب بذلك وراج أمره فِيهِ وناب فِي الْقَضَاء عَن الْمَنَاوِيّ فَمن بعده وَامْتنع من قبُوله عَن الأسيوطي وَكَانَ قد اسْتَقر فِي التصدير الَّذِي قَرَّرَهُ فَيْرُوز الناصري بِجَامِع الْأَزْهَر برغبة وَالِده لَهُ عَنهُ وَعمل فِيهِ إجلاسا بِحَضْرَة شَيخنَا وَغَيره من الْأَعْيَان وَكَذَا رغب لَهُ أَبوهُ عَن تدريس الطوغانية وَاسْتقر فِي الخطابة بالمنجكية عوضا عَن الشهَاب بن صَالح وَفِي الشَّهَادَة بالكسوة برغبة الشّرف بن الْعَطَّار وبالبرقوقية وَغَيرهَا وخطب أَيْضا بالصالحية، وَكَانَ جَهورِي الصَّوْت مقداما. مَاتَ فَجْأَة فِي سادس عشر ذِي الْقعدَة سنة سبع وَسبعين وَهُوَ بالبرقوقية فَحمل لبيته وَصلى عَلَيْهِ من الْغَد ثمَّ دفن بتربة أَبِيه بِالْبَابِ الْجَدِيد عَفا الله عَنهُ.

مُحَمَّد بن أَحْمد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن معالي بن مُحَمَّد الشَّمْس أَبُو الْفَتْح بن الشهَاب أبي الْعَبَّاس بن أبي المحاسن الْقرشِي المَخْزُومِي الزعيفريني الأَصْل ثمَّ الدِّمَشْقِي ثمَّ الْقَاهِرَة الشَّافِعِي الْمَاضِي أَبوهُ وَابْنه أَحْمد وَيعرف كسلفه بالزعيفريني. ولد فِي ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَالْحَاوِي والمنهاج الفرعيين وألفية النَّحْو، وَعرض على جمَاعَة وَأخذ فِي الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول وَغَيرهمَا من الْفُنُون عَن الْعِزّ عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ وَفِي الْفِقْه عَن الْجلَال الْمحلي فِي آخر مِمَّن قبلهمَا وَنَحْوهم وَطلب الحَدِيث وقتا وَقَرَأَ كل من الزين الزَّرْكَشِيّ بن الْعِزّ بن الْفُرَات، وَمِمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ مُسْند أبي حنيفَة ورافقه الزين قَاسم الْحَنَفِيّ

وصاحبنا السنباطي فِي سَمَاعه وَشرح مَعَاني الْآثَار للطحاوي وسَمعه مَعَه أبنه أَحْمد وَكَذَا قَرَأَ على شَيخنَا وَحضر أَمَالِيهِ، وجود الْخط على ابْن الصَّائِغ بِحَيْثُ أذن لَهُ فِي التكتيب، وَحج مرَارًا وجاور فِي بَعْضهَا سمع على الشّرف أبي الفتخ المراغي والتقي بن فَهد بل أسمع ابْنه عَلَيْهِ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين، وَقَرَأَ الْقرَاءَات على الزين بن عَيَّاش وزار بَيت الْمُقَدّس وَقَرَأَ الحَدِيث هُنَاكَ على التقي أبي بكر القلقشندي وَالْجمال بن جمَاعَة ورافقه فِي سَماع أَكْثَره ابْن الْجمال يُوسُف الصفي وباشر التوقيع عِنْد ناظره، ثمَّ نَاب بأخره عَن الشّرف الْمَنَاوِيّ فِي الْقَضَاء وصاهر الْبَدْر حسن البرديني على ابْنَته واستولدها)

أَوْلَادًا مِنْهُم أَحْمد وبواسطة ذَلِك كَانَ هُوَ الْقَائِم فِي المدافعة عَن زَوجته حَيْثُ تردد الْأَئِمَّة فهم كَلَام الْوَاقِف فَكَانَ شَيخنَا وَالْعلم البُلْقِينِيّ والمناوي والعبادي والكافياجي فِي جَانب والمحلي بمفرده فِي جَانبهَا وعقدت بِسَبَب ذَلِك مجَالِس بَين يَدي السُّلْطَان وَعند كَاتب السِّرّ بالصالحية وَبَين يَدي شَيخنَا فِي المنكوتمرية وَكنت حِينَئِذٍ فِي خدمته وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَأَلَ الْخصم وَهُوَ شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن عبد الله البرديني شَيخنَا فِي الحكم بِمَا أفتى بِهِ مِمَّا وَافقه عَلَيْهِ الْجُمْهُور فَسكت ثمَّ قَالَ قد نوزعت فِي فهمي يُشِير إِلَى مُخَالفَة الْمحلي، وَبَلغنِي أَن الْمحلى قَالَ إِذا ذَاك عَن شَيخنَا انه منصف وَلم يلبث أَن وَافق الْمحلي السعد بن الديري بل ظفروا بفتوى للسراج البُلْقِينِيّ وَولده وَابْن خلدون الْمَالِكِي بموافقته فَرجع شَيخنَا وغالب الْمُفْتِينَ إِلَيْهِ، وَكَانَ خيرا فَاضلا حسن الْقِرَاءَة والشكالة وَرُبمَا نظم.

مَاتَ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر بيع الأول سنة سِتّ وَخمسين وَدفن بتربة جوشن بِقَبْر وَالِده رحمهمَا الله وإيانا.

النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.