من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)
ذكر من اسْمه مُحَمَّد (٢٣)
الصفحة ٢ من ٢
الْحَنْبَلِيّ يَقُول أَنه لَا ينْهض أَن يغرب عَلَيْهِ فِي الْأَدَب فنه إِشَارَة إِلَى ملاءة الحسام، وَكنت مِمَّن صَحبه قَدِيما وَأَمرَنِي الزين البوتيجي باسماعه شَيْئا من تصانيفي ثمَّ استجازني لَهُ بل ولنفسه وَكَذَا استجازني هُوَ بالْقَوْل البديع وتناوله مني وَكتب بِخَطِّهِ مَا نَصه: وَقد استجزته مِنْهُ لأورية عَنهُ بِسَنَد صَحِيح وتناولته من يَده بقلب منشرح وأمل فسيح، ثمَّ التمس مني بعد ولَايَته الْقَضَاء كِتَابه سَنَده بالبخاري فَخرجت لَهُ فرستا وَقِرَاءَة جَامع التِّرْمِذِيّ عِنْده فِي رَمَضَان فَفعلت وَكَذَا رغب فِي تبييض كتابي فِي طَبَقَات الْمَالِكِيَّة وشرعت فِي ذَلِك فَمَاتَ قبل انهاء تبييضه وَاسْتقر فِي تدريس الشيخونية وجامع طولون عِنْد موت العجيسي وَولده وباشرهما وَكَذَا بَاشر تدريس المؤيدية نِيَابَة عَن ابْن صَاحبه الْبَدْر بن المخلطة، وَلم يزل عل جلالته وعلو مكانته حَتَّى حصل بَينه وَبَين الْعَلَاء بن الأهباسي الْوَزير مَا اقْتضى لَهُ السَّعْي فِي صرفه بيحي بن
صَنِيعَة كَانَ سَببا لتحمله الدُّيُون الجزيلة وانحطاط مرتبته بل كَاد أمره أَن يَتَفَاقَم. وَمَات فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ مستهل شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين بِمَنْزِلَة بِمصْر وَصلى عَلَيْهِ من الْغَد بِجَامِع عَمْرو ﵀ وإيانا وَعَفا عَنهُ.
مُحَمَّد بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن حُسَيْن الشَّمْس بن الأهناسي الْوَزير وَالِد الْعَلَاء عَليّ والبدر مُحَمَّد. ولد تَقْرِيبًا قبل الْقرن بِيَسِير وَنَشَأ فتنقل حَتَّى عمل الرسيلة فِي الدولة ثمَّ ترقى حَتَّى صَار مقدمها عِنْد كريم الدّين بن كَاتب المناخاة واختص بِهِ بِحَيْثُ كَانَ هُوَ المستبد بغالب الْأُمُور لكفايته ونهضته فِي ذَلِك بل كَانَ هُوَ المستقل بالتكلم حِين أضيف الْوزر للزين عبد الباسط وَأثْنى على همته فِي ذَلِك وَكَذَا بَاشر عِنْد الْأمين بن الهيصم ثمَّ ترك بعد أَن اتّفقت لَهُ كائنه فِي أول ولَايَة الظَّاهِر جقمق وَهِي أَنه ضرب كَاتبا من كتاب الْوزر بِسَبَب مَال صَار فِي جِهَته فَقدر أَنه أصبح بعد الضَّرْب مَيتا فاستغاث أَهله فَأحْضرهُ السُّلْطَان فَضرب بِحَضْرَتِهِ بالمقارع وأشهره ثمَّ أرسل بِهِ إِلَى الْمَالِكِي فَعَفَا بعض مستحقي الدَّم وَبَقِي حق الْبِنْت فحبس بِسَبَبِهِ ثمَّ أطلق وَلم يُبَاشر بعْدهَا لكنه تمول من هَذِه المباشرات كثيرا وتزايد حِين اسْتَقر ابْنه فِي الاستادارية وَكَذَا الْوزر لكَونه كَانَ الْمُدبر لأَمره فيهمَا غَالِبا إِلَى أَن كَانَ فِي صفر سنة أَربع وَسِتِّينَ فاختفيا مَعًا إِظْهَارًا للعجز وَاسْتقر فِي الْوزر فَارس الركني فَأَقَامَ يَوْمًا ثمَّ مَنْصُور بن صفى فِيهَا وَعجز كل مِنْهُمَا وَفِي غُضُون ذَلِك ظهر هَذَا فألبس فِي آخر يَوْم من صفر الْمَذْكُور خلعة الرِّضَا وطمن رَجَاء التلطف بولده ليظْهر ويعاد فَلم يُمكنهُ ذَلِك)
مَعَ مُبَاشرَة صَاحب التَّرْجَمَة الشد فِي هَذِه الْأَيَّام بِدُونِ ولَايَة ثمَّ اسْتَقل بالوزر فِي ثامن ربيع الأول فَأَقَامَ أَيَّامًا ثمَّ اختفى فأعيد مَنْصُور. وَلما رجعت الوزارة لوَلَده بَاشر تَدْبيره على عَادَته لَكِن مَعَ تغير خلط كل مِنْهُمَا من الآخر إِلَى أَن كَانَ مااتفق لوَلَده من المصادرة ثمَّ النَّفْي وَمَات بِمَكَّة كَمَا فِي تَرْجَمته وَآل الْأَمر إِلَى اسْتِقْرَار الاشراف قايتباي بِهَذَا بعد تسحب قَاسم شغيتة فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَاسْتقر بولده مُحَمَّد نَاظر الدولة عِنْده عوضا عَن عبد الْقَادِر بِحكم الْقَبْض عَلَيْهِ وباشر هَذَا الْوزر أتم مُبَاشرَة ثمَّ إِنَّه فِي ذِي الْحجَّة شكا الخسارة وتبكى فرسم عَلَيْهِ بطبقة الزِّمَام فَأَقَامَ أَيَّامًا وَهُوَ يُبَاشر ويشد ثمَّ أطلق وألبس خلعه الِاسْتِمْرَار وأعيد عبد الْقَادِر لنظر الدولة عوضا عَن وَلَده لتضرره بالخسارة فباشر قَلِيلا وَعَاد إِلَى التشكي فقرر الدولدار الْكَبِير عوضه واحتاط على هَذَا ورسم عَلَيْهِ بطبقة عِنْده أَيَّامًا بل علقه بقنب فِي إبهامه حَتَّى أَخذ مِنْهُ شَيْئا كثيرا سوى مَا تكلفه فِي ولايتيه وَسوى
مَا تاخر لَهُ من الغلال وَغير ذَلِك ثمَّ أطلقهُ ولز ببيته بطالا مَعَ تردده فِي رَأس الْأَشْهر وَغَيرهَا لِلْأُمَرَاءِ وَغَيرهم إِلَى أَن كَانَ فِي ربيع الآهر سنة ثَلَاث وَسبعين فابتدأ بِهِ الْمَرَض حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم السبت سادس عشر جُمَادَى الأولى عَن أَزِيد من ثَمَانِينَ سنة وَهُوَ صحثح البنية قوي الْحَرَكَة سليم الْحَواس، وَكَانَ آخر كَلَامه النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ فِيمَا بَلغنِي وَصلى عَلَيْهِ من الْغَد بمصلى بَاب النَّصْر وَدفن بمدرسة ابْنة بسوق الدريس، وَكَانَ يظْهر التَّسْبِيح وَالْقِيَام وَالصِّيَام وَحسن الِاعْتِقَاد فِي الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء، وَقد حج مرَارًا وجاور وأحواله فِي الظُّلم غير خُفْيَة وَالله يغْفر لنا وَله. مُحَمَّد بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن الْخياط الْجمال بن الرضى. يَأْتِي فِيمَن جده مُحَمَّد بن صَالح قَرِيبا. مُحَمَّد بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن سَلامَة. فِي ابْن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أَحْمد بن عمر بن سَلامَة.
مُحَمَّد بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد الْجمال أَبُو عبد الله بن الرضي الهمذاني الْجبلي بِكَسْر الْجِيم ثمَّ مُوَحدَة سَاكِنة التعزي الشَّافِعِي وَيعرف بِابْن الْخياط. ولد بجبلة من بِلَاد الْيمن فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَنَشَأ بهَا على عفة ونزاهة فتفقه بِأَبِيهِ وَغَيره حَتَّى مهر وَحصل فنونا من الْعلم وأجيز بالإفتاء والتدريس واعتنى بِهَذَا الشَّأْن ولازم النفيس الْعلوِي فِيهِ فَلم يمض إِلَّا الْيَسِير وفاقه بِحَيْثُ كَانَ لَا يجاريه فِي شَيْء، وَتخرج بالتقي الفاسي وَأخذ عَن الْمجد اللّغَوِيّ واغتبط بِهِ حَتَّى كَانَ يكاتبه بقوله إِلَى اللَّيْث بن اللَّيْث وَالْمَاء ابْن)
الْغَيْث، وَكَذَا أَخذ عَن ابْن الْجَزرِي لما ورد عَلَيْهِم الْيمن فِي سنة ثَمَان وَعشْرين قَرَأَ عيه صَحِيح مُسلم وَغَيره، وَحج مرَّتَيْنِ وزار النَّبِي ﷺ وَقَرَأَ بِمَكَّة على الزين أبي بكر المراغي وَالْجمال بن ظهيرة وَابْن سَلامَة، وَآخَرين وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة من الْحَرَمَيْنِ وَبَيت الْمُقَدّس واسكندرية ومصر وَالشَّام وَغَيرهَا باستدعاء ابْن مُوسَى وَكَانَ قد صَحبه وانتفع بِهِ سِيمَا بعد مَوته فان غَالب كتبه زأجزائه صَارَت إِلَيْهِ وَحدث سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء.
وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ التقي بن فَهد وابناه، وَكَانَ من الْفُقَهَاء المعتبرين بالقطر الْيَمَانِيّ المنفردين بِالْحِفْظِ فِيهِ بالاجماع والمرجوع إِلَيْهِم فِيهِ عِنْد النزاع مَعَ وجاهه واتصال بالناصر أَحْمد صَاحب الْيمن. مَاتَ بالطاعون فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَلَاثِينَ بتعز، ذكره ابْن فَهد وَشَيخنَا فِي إنبائه لَكِن بِاخْتِصَار وَقَالَ أَنه درس بتعز وَأفْتى وانتهت إلأيه رياسة الْعلم بِالْحَدِيثِ هُنَاكَ، وَكَذَا تَرْجَمَة شَيْخه النفيس الْعلوِي فِي حَيَاته بحافظ الْوَقْت وان وَالِده كَانَ مَسْرُورا بِهِ، وَلما سَافر
لمَكَّة رأى فِي الْمَنَام سِرَاجًا خرج من منزله ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَحَمدَ الله لكَونه كَانَ السرج وَأَن حصل فِي مَكَّة وَالْمَدينَة علوما جمة وكتبا مفيدة وَأخذ مَشَايِخ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ على الإفادة والإستفادة وَقَالَ غَيره: الإِمَام الْمُحَقق المدقق الْحَافِظ انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة الحَدِيث فِي الْيمن وَكَذَلِكَ رياسة الْفَتْوَى بتعز بعد موت قَاسم الدمني المتوفي فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَلما وصل ابْن الْجَزرِي عرف لَهُ فَضله وَقدمه على غَيره، وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي وَوَصفه بالمحدث الْمُفِيد الضَّابِط وَأَنه تفقه بالجمال العوادي وَاسْتولى على فَوَائِد شيخة الْجمال بن مُوسَى المراكشي وَهِي جمة زثيرة النَّفْع فاستعان بهَا على مَا هُوَ بصدده واشتهر لذَلِك بالمعرفة التَّامَّة.
مُحَمَّد بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أَحْمد بن عمر بن سَلامَة الْبَدْر المارديني ثمَّ الْحلَبِي الْحَنَفِيّ عَالم حلب واخو حسن الْمَاضِي، ويختصر من نسبه فَيُقَال ابْن أبي بكر بن سَلامَة وَمرَّة ابْن أبي بكر بن مُحَمَّد بن سَلامَة. ولد فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة. وَقَالَ شَيخنَا إِنَّه أخبرهُ أَنه فِي سنة خمس وَخمسين. ونشا ببلاده وَكَانَ أَبوهُ فِيمَا أخبر عَالما مفننا يتكسب من عمل يَده فِي التِّجَارَة فحفظ ابْنه عدَّة مختصرات وَلَقي أكَابِر فَأخذ عَنْهُم كسريجا والحسام بن شرف التبريزي وَأحمد الجندي وَآخَرين فقد قَرَأت بِخَطِّهِ: وشيوخي كَثِيرُونَ، إِلَى أَن مهر وَظَهَرت فضائله بِحَيْثُ شغل الطّلبَة ثمَّ تنافر مَعَ قَاضِي ماردين الصَّدْر أبي)
الطَّاهِر السَّمرقَنْدِي بعد صحبته مَعَه فارتحل قبل الْفِتْنَة التمرية إِلَى حلب واختص بِأبي الْوَلِيد بن الشّحْنَة ولازمه حَتَّى أَخذ عَنهُ جانبا من الْكَشَّاف وَغَيره ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده وتكرر قدومه لحلب إِلَى أَن قطنها من سنة عشر وَثَمَانمِائَة وتنزل فِي عدَّة مدارس بل درس بالجاولية وَبهَا كَانَ سكنه وبالحدادية، وتصدى للإقراء فَانْتَفع بِهِ الْفُضَلَاء، وَكَانَ كَمَا قَالَه ابْن خطيب الناصرية فَقِيها فَاضلا مستحضرا لمحفوظاته فِي الْعُلُوم لكنه كَانَ يكثر الوقيعة فِي النَّاس واغتيابهم وَرُبمَا يمقت لأجل ذَلِك. وَقَالَ غَيره إِنَّه كَانَ إِمَامًا عَالما عَلامَة أديبا بارعا مفننا حَامِل لِوَاء مَذْهَب الْحَنَفِيَّة بحلب من غير مُنَازع مَعَ الْقدَم الراسخ فِي بَقِيَّة الْعُلُوم وَالنّظم الرَّائِق والنثر الْفَائِق وَالْقُدْرَة الزَّائِدَة على التَّعْبِير عَمَّا فِي نَفسه، وَقد أعْطى شَيخنَا بعض تصانيفه ليقرظها لَهُ عِنْد حُلُوله بحلب فعاجله التَّوَجُّه إِلَى أمد فَأرْسل إِلَيْهِ بقصيدة وَافق وصولها لَهُ يَوْم رحيله من البيرة إِلَى حلب وأجابه عَنْهَا حَسْبَمَا أثبتهما فِي الْجَوَاهِر. وَذكره فِي إنبائه وَقَالَ أَنه لما غلب قرايللك على ماردين نَقله إِلَى أمد فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ أفرج عَنهُ فَرجع إِلَى حلب قَالَ وَحصل لَهُ فالج قبل مَوته بِنَحْوِ عشر سِنِين فَانْقَطع ثمَّ
خف عَنهُ لكنه صَار ثقيل الْحَرَكَة قَالَ وَكَانَ حسن النّظم والمذاكرة فَقِيها فَاضلا صَاحب فنون من الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَقد مدحني بقصيدة رائية وأجبته عَنْهَا. وَمَات بَعدنَا فِي صفر زَاد غَيره بعد عصره يَوْم الِاثْنَيْنِ سادس عشريه سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَله اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سنة وَلم يخلف بعده بحلب مثله وَقد ذكرت لَهُ تَرْجَمَة حَسَنَة معجمي. قلت مَا وقفت عَلَيْهِ فِيهِ نعم رَأَيْته علق عَنهُ وَقد ذكرت لَهُ تَرْجَمَة حَسَنَة فِي معجمي. قلت مَا وقفت عَلَيْهِ فِيهِ نعم رَأَيْته علق عَنهُ فِي فَوَائِد رحلته من فَوَائده شَيْئا وافتتحه بقوله: أفادني فلَان.
النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع