من «طبقات فحول الشعراء» لمحمد بن سلام الجمحي (ت ٢٣٢هـ)
كثير بن عبد الرحمن الخزاعي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَكَانَ كثير شَاعِر أهل الْحجاز وَإِنَّهُم ليقدمونه على بعض من قدمنَا عَلَيْهِ وَهُوَ شَاعِر فَحل وَلكنه مَنْقُوص حَظه بالعراق
وَسمعت يُونُس النَّحْوِيّ يَقُول كَانَ ابْن أبي إِسْحَاق يَقُول كَانَ كثير أشعر أهل الْإِسْلَام
قَالَ ابْن سَلام وَرَأَيْت ابْن أبي حَفْصَة يُعجبهُ مذْهبه فِي المديح جدا يَقُول كَانَ يستقضي المديح وَكَانَ فِيهِ مَعَ جودة شعره خطل وَعجب وَكَانَت لَهُ منزلَة عِنْد قُرَيْش وَقدر
قَالَ وَقدم على عبد الْملك بن مَرْوَان الشَّام فأنشده والأخطل عِنْده فَقَالَ عبد الْملك كَيفَ ترى يَا أَبَا مَالك قَالَ أرى شعرًا حجازيا مقرورا لَو ضغطه برد الشَّام لاضمحل
قَالَ وَأَخْبرنِي أبان بن عُثْمَان البَجلِيّ قَالَ دخل كثير على عبد الْملك فأنشده مدحته وفيهَا
على ابْن أبي العَاصِي دلاص حَصِينَةأَجَاد المسدي سردها وأذالها
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك أَفلا قلت كَمَا قَالَ الْأَعْشَى لقيس ابْن معدي كرب
وَإِذا تَجِيء كَتِيبَة ملمومةشهباء يخْشَى الذائدون نهالها
كنت الْمُقدم غير لابس جنَّةبِالسَّيْفِ تضرب معلما أبطالها
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَصفه بالخرق ووصفتك بالحزم
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ أَخْبرنِي عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن قَالَ أنْشد كثير عبد الْملك بن مَرْوَان حِين أزمع بِالْمَسِيرِ إِلَى مُصعب
إِذا مَا أَرَادَ الْغَزْو لم تثن همهحصان عَلَيْهَا نظم در يزينها
نهته فَلَمَّا لم تَرَ النهى عاقهبَكت وَبكى مِمَّا شَجَّاهَا قطينها
فَقَالَ عبد الْملك وَللَّه لكأنه شهد عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة وَهِي امْرَأَته أم يزِيد بن عبد الْملك
وَقدم كثير على يزِيد بن عبد الْملك وَقد مدحه بقصائد جِيَاد مَشْهُورَة فأعجب بِهن يزِيد وَقَالَ لَهُ احتكم قَالَ وَقد جعلت ذَلِك إِلَيّ قَالَ نعم قَالَ مئة الف قَالَ وَيحك مئة ألف قَالَ على جود أَمِير الْمُؤمنِينَ أبقى أم على بَيت المَال قَالَ مابي استكثارها وَلَكِنِّي أكره أَن يَقُول النَّاس أعْطى شَاعِرًا مئة ألف وَلَكِن فِيهَا عرُوض قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَكَانَ يحضر سمر يزِيد وَيدخل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ لَيْلَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا يَعْنِي الشماخ بقوله
إِذا عرقت مغابنها وجادتبدرتها قرى جحن قتين
قَالَ فَسكت عَنهُ يزِيد فَقَالَ بصبصن إِذْ حَدَّيْنِ ثمَّ أعَاد فَسكت عَنهُ يزِيد فَقَالَ بصبصن إِذْ حَدَّيْنِ فَقَالَ لَهُ يزِيد وَمَا على أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا يعرف هَذَا هُوَ القراد أشبه الدَّوَابّ بك وَكَانَ كثير قَصِيرا مُتَقَارب الْخلق فحجب عَن يزِيد فَلم يصل إِلَيْهِ فَكلم مسلمة بن عبد الْملك يزِيد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مدحك قَالَ بكم مَدْحنَا قَالَ بِسبع قصائد قَالَ فَلهُ سبعمئة دِينَار وَالله لَا أزيده عَلَيْهَا
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام نَا أَو حَدثنِي ابْن جعدبة وَأَبُو الْيَقظَان عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء قَالَ مَاتَ كثير وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس فِي يَوْم وَاحِد فأجغلت قُرَيْش فِي جَنَازَة كثير وَلم يُوجد لعكرمة من يحملهُ
وَكَانَ لكثير فِي التشبيب نصيب وافر وَجَمِيل مقدم عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَاب النسيب جَمِيعًا فِي النسيب وَله فِي فنون الشّعْر مَا لَيْسَ لجميل وَكَانَ جميل صَادِق الصبابة وَكَانَ كثير يتقول وَلم يكن عَاشِقًا وَكَانَ راوية جميل وَهُوَ الْقَائِل
ألمم بعزة إِن الركب منطلقوَإِن نأتك وَلم يلمم بهَا خرق
قَامَت ترَاءى لنا وَالْعين ساجيةكَأَن إنسانها فِي لجة غرق
ثمَّ اسْتَدَارَ على أرجاء مقلتهامبادرا خلسات الطّرف يستبق
كَأَنَّهُ حِين مار المأقيان بِهِدر تحلل من أسلاكه نسق
قَالَ وَسمعت النَّاس يستحسنون من قَوْله
أُرِيد لأنسى ذكرهَا فَكَأَنَّمَاتمثل لي ليلى بِكُل سَبِيل
قَالَ ابْن سَلام وَسمعت من يطعن عَلَيْهِ يَقُول مَا لَهُ يُرِيد ينسى ذكرهَا تعلق النَّاس على كثير بقوله
فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ هُوَ الَّذِيغزا كامنات الصَّدْر مني فنالها
وَقَوله
ترى ابْن أبي العَاصِي وَقد صف دونهثَمَانُون ألفا قد توافت كمولها
يقلب عينى حَيَّة بمحارةإِذا أمكنته شدَّة لَا يقيلها
قَالَ ابْن سَلام فَقلت لِابْنِ أبي حَفْصَة من جودة مديحه هَذَا جعل دونه ثَمَانِينَ ألفا وَجعله يقلب عَيْني حَيَّة بمحارة وَجعل أَمِير الْمُؤمنِينَ غزا كامنات صَدره فَقَالَ هَذَا النَّابِغَة قَالَ لملك الْعَرَب
أحكم كَحكم فتاة الْحَيّ إِذْ نظرتإِلَى حمام شراع وَارِد الثمد
أمره أَن يحكم كَحكم فتاة
وَقَالَ كثير لعبد الْعَزِيز بن مَرْوَان
وَمَا زَالَت رقاك تسل ضغنيوَتخرج من مضابئها ضبابي
ويرقيني لَك الحاوون حَتَّىأجابك حَيَّة تَحت الْحجاب
وحَدثني أَبُو خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ أحسن الْجَاهِلِيَّة تَشْبِيها امْرُؤ الْقَيْس وَأحسن أهل الْإِسْلَام تَشْبِيها ذُو الرمة
وَقَوله
بهَا الْعين والآرام فوضى كَأَنَّهَاذبال تذكى أَو نُجُوم طوالع
وَقَوله
كَأَن يَدي حربائها متشمسايدا مجرم يسْتَغْفر الله تائب
وَقَوله
فنلنا صدورا من حَدِيث كَأَنَّهُجنى النَّحْل ممزوجا بِمَاء الوقائع
أَخْبرنِي أَبُو خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا أَبُو الْبَيْدَاء الريَاحي قَالَ قَالَ جرير قَاتل الله ذَا الرمة حَيْثُ يَقُول
ومنتزع من بَين نسعيه جرةنشيج الشجا جَاءَت إِلَى ضرسه نزرا
أما وَالله لَو قَالَ من بَين جَنْبَيْهِ لما كَانَ عَلَيْهِ من سَبِيل
حَدثنَا أَبُو خَليفَة عَن ابْن سَلام قَالَ كَانَ ذُو الرمة من جرير والفرزدق بِمَنْزِلَة قَتَادَة من الْحسن وَابْن سِيرِين وَكَانَ يروي عَنْهُمَا وَعَن الصَّحَابَة وَكَذَلِكَ ذُو الرمة هُوَ دونهمَا ويساويهما فِي بعض شعره
قَالَ وَيُقَال إِن ذَا الرمة راوية راعي الْإِبِل وَلم يكن لَهُ حَظّ فِي الهجاء وَكَانَ مغلبا
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ كَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول إِنَّمَا شعره نقط عروس يضمحل عَن قَلِيل وأبعار ظباء لَهَا مشم فى أول شمها ثمَّ تعود إِلَى أَرْوَاح البعر أَخْبرنِي مُحَمَّد بن يحيى عَن الْفضل بن الْحباب عَن مُحَمَّد ابْن سَلام قَالَ مر الفرزدق بِذِي الرمة وَهُوَ ينشد
أمنزلتى مى سَلام عَلَيْكُمَاهَل الأزمن اللائى مضين رواجع
فَوقف حَتَّى فرغ مِنْهَا فَقَالَ كَيفَ ترى يَا أَبَا فراس قَالَ أرى خيرا قَالَ فَمَالِي لَا أعد فِي الفحول قَالَ يمنعك عَن ذَلِك صفة الصَّحَارِي وأبعار الْإِبِل وَولى الفرزدق وَهُوَ ينشد
ودوية لَو ذُو الرميمة رامهابصيدح أودى ذُو الرميم وصيدح
قطعت إِلَى معروفها منكراتهاإِذا خب آل دونهَا يتوضح
وَكَانَ هوى ذِي الرمة مَعَ الفرزدق على جرير وَذَلِكَ لما كَانَ بَين جرير وَابْن لَجأ التَّيْمِيّ وتيم وعدي أَخَوان من الربَاب وعكل أخوهم وَلذَلِك يَقُول جرير
فَلَا يضغمن اللَّيْث عكلا بغرةوعكل يشمون الفريس المنيبا
الفريس هَهُنَا ابْن لَجأ وَكَذَلِكَ يفعل السَّبع إِذا ضغم شَاة ثمَّ طرد عَنْهَا أَو سبقته أَقبلت الْغنم تشم مَوضِع الضغم فيفترسها السَّبع وَهِي تشم وَلذَلِك قَالَ جرير لبني عدي
وَقلت نصاحة لبني عدىثيابكم ونضح دم الْقَتِيل
يحذر عديا مَا لقى ابْن لَجأ
أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ أَخْبرنِي أَبُو يحيى الضَّبِّيّ قَالَ قَالَ ذُو الرمة يَوْمًا لقد قلت أبياتا إِن لَهَا لعروضا وَإِن لَهَا لمرادا وَمعنى بَعيدا قَالَ الفرزدق وَمَا قلت قَالَ قلت
أحين أعاذت رَبِّي تَمِيم نساءهاوجردت تَجْرِيد الْيَمَانِيّ من الغمد
ومدت بضبعي الربَاب وَمَالكوَعَمْرو وشالت من ورائي بَنو سعد
وَمن آل يَرْبُوع زهاء كَأَنَّهُزها اللَّيْل مَحْمُود النكاية والرفد
فَقَالَ لَهُ الفرزدق لَا تعودن فِيهَا فَأَنا أَحَق بهَا مِنْك قَالَ وَالله لَا أَعُود فِيهَا وَلَا أنشدها أبدا إِلَّا لَك
فَهِيَ فِي قصيدة الفرزدق الَّتِي يَقُول فِيهَا
وَكُنَّا إِذا الْقَيْسِي نب عتودهضَرَبْنَاهُ فَوق الْأُنْثَيَيْنِ على الكرد
الأنثيان الأذنان والكرد الْعُنُق
أَنا أَبُو خَليفَة نَا مُحَمَّد بن سَلام حَدثنِي أَبُو الغراف قَالَ مر ذُو الرمة بمنزل لامرىء الْقَيْس بن زيد مَنَاة يُقَال لَهُ مرأة بِهِ نخل فَلم ينزلوه وَلم يقروه فَقَالَ
نزلنَا وَقد طَال النَّهَار وَأوقدتعلينا حَصى المعزاء شمس تنالها
أنخنا فظللنا بأبراد يمنةعتاق وأسياف قديم صقالها
فَلَمَّا رآنا أهل مرأة أغلقوامخادع لم ترفع لخير ظلالها
وَقد سميت باسم امرىء الْقَيْس قَرْيَةكرام صواديها لئام رجالها
فلج الهجاء بَين ذِي الرمة وَبَين هِشَام المرئي
فَمر الفرزدق بِذِي الرمة وَهُوَ ينشد
وقفت على ربع لمية نَاقَتيفَمَا زلت أبْكِي عِنْده وأخاطبه
وأسقيه حَتَّى كَاد مِمَّا أبثهتكلمني أحجاره وملاعبه
فَقَالَ الفرزدق ألهاك التبكاء فِي الديار وَالْعَبْد يرجز بك فِي الْمقْبرَة يَعْنِي هشاما
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع