تجاوز إلى المحتوى

من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)

الباب الحادي والسبعون والمائة فيما قيل فِي مطل الديون وكسرها على الغرماء

قَالَ دُلَيْمُ بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ فِي تَاجِرٍ أَخَذَ مِنْهُ مَالاً وَكانَ اسمُ التَّاجِرِ عَرابَةَ:

اللهُ لَقَّى مِنْ عَرَابَةَ بَيْعَةًعَلَى حِينِ كَادَ النَّقْدُ يَعْسُرُ عَاجِلُهْ
وَلَوَّى بَنَانَ الْكَفِّ يَحْسُبُ رِبْحَهُوَلَم يَحْسُبِ الْمَطْلَ الَّذِي أَنَا مَاطِلُهْ
سَيَرْضَى مِنَ الرِّبْحِ الَّذِي كَانَ يَرْتَجِيبِبَعْضِ الَّذِي أَعْطَى وَمَا هُوَ نَائِلُهْ

وَقَالَ صُهَيْبُ بْنُ نِبْرَاسٍ الْعَنْبرِيُّ:

وَمُصْفَرَّةٍ عَيْنَاهُ يَرْشَحُ وَجْهُهُلِحُبِّ الْقَضَاءِ قَدْ لَوَيْتُ لَيَالِيَا
وَكُلُّ غَرِيمٍ حَظُّهُ جَحْدُ مَالِهِإِذَا شَحَّ يَوْماً أو أَسَاءَ التَّقَاضِيَا

وَقَالَ هَانِئُ بْنُ قُشَيْرٍ الْعَبْسِيُّ:

وَيَفْرَغ أَعْدَائِي بِدَيْنِي سَفَاهَةًكَأَنْ لَمْ يُدَايَنْ مِنْهُمُ أَحَدٌ قَبْلِي
وَلَيْسَ دَيَانِي مَانِعاً أَنْ أعُلَّهُمْمِنَ الْغَيْظِ ثَارَاتٍ تُشَبَّهُ بالْقَتْلِ

وَقَالَ عَطِيَّةُ بْنُ مِخْرَاقٍ الهِلالِيُّ، واشترى مِنْ تَاجرٍ يُقَال لهُ عُبَيد ثيابًا وطِيقاناً حصينة ونقَدهُ بعضَ الثمن:

رَجَعْتُ بِهَا سُوداً وَبِيضاً كَثيفَةًوَصَلْصَلَتِ الأَوْرَاق فِي كَفِّ سِرْبَالِي
وَضَمَّ عَلَى طِرْسٍ يُرَاعِي شُهُودَهُوَيَعْقِدُ بالْكَفَّيْنِ مَا اجْتَاحَ مِنْ مَالِي
لِيَأْخُذَهُ عِنْدَ انْقِضَاء مَحَلِّهِوَأَحْسِبُنَا لا نَلْتَقِي بَعْدَ أَحْوَالِ
وَخَطَّ عُبَيْدٌ طِينَةً وَشَّهَادَةًوَصَكَاً يؤَدِّيهِ إِلى طُولِ إِعْوَالِ
كَذلِكَ فِعْلِي بِالْخَبِيثِيِنَ إِنَّنيرأَيْتُهُمُ عَوْناً عَلَى الزَّمَنِ الْغَالِي

كان تاجرٌ من أهل الثعلبيَّة يقال لهُ يحيى بن جابر يبيع الأَعاريب ويُعينهم فتعيَّن منهُ رجُلان من بني أَسد يقال لهما: طَريفُ بن منظور وحِصْن بن مطر، وفخَّما لهُ فِي الرّبح حتى بلغا ما أحبَّ، فلمَّا انصرفا بحاجتهما قال طَريف:

أقُولُ غَدَاةَ الثَّعْلَبِيَّةٍ بَعْدَ مَاحَوَيْنَا عَلَى أَوْرَاق يَحْيى بْنِ جَابِرِ
لحِصْنٍ فَكَانَ الْمَرْءُ يُفْضِي بِسِرِهِإِلَيَّ وَلا أُخْفِي عَلَيْهِ سَرَائِرِي
أيَطْمَعُ يَحْيى فِي الْوَفَاءِ وَقَد عَدَاعَلَى مَالِنَا فِي الْبَيْعِ عَدْوَةً فَاجِرِ
فَلا يَحْسَبِ الْكُوِفِيُّ أَنَّ عُقُولَنَاهَفَتْ عَنْ حِسَابٍ مُثْبَتٍ فِي الدَّفَاتِرِ
وَلكِنَّنِي أَغْرقْتُ فِي الرِّبحِ وَانثَنَىوَلَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بصَفْقَةِ خَاسِرِ
فَلا يَرْجوَنْ يَحْيى اخْتِبَارًا وَقَدْ رَمَىبِسِلْعَتِهِ الْمَجْنُونُ فِي قَعْرِ زَاخِرِ

وَقَالَ عُوَيْفُ الْقَوَافِي الْفَزَارِيُّ:

حَاجَيْتُكُمْ يَا بَنِي اللَّخْنَاء أَيْنَ أَنَافِي حَيْصَ بَيْصَ عَلَى الصَّلْعَاءِ فَابْغُونِي
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
أُفٍّ لَكُمْ وَلِعَقْلٍ بَيْنَ أَضْلُعِكُمْمَاذَا وَثِقْتُمْ بِهِ مِنِّي وَمِنْ دِينِي
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
مِنْ أَفْلَسِ النَّاسِ مِنْ دِينٍ وَمِنْ حَسَبٍوَأَظْلَمِ النَّاسِ طُرًّا لِلْمَسَاكِينِ
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ الأَبْرَصِ الأَسَدِيُّ:

ألِينُ إِذَا لانَ الْغَرِيمُ وَأَلْتَوِيإِذَا اشْتَدَّ حَتَّى يُدْرِكَ الدَّيْنَ قَاتِلِي
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «ألين إذا لان الغريم وألتوي»
وَأَمْطُلُهُ الْعَصْرَيْنِ حَتَّى يَمَلَّنِيوَيَرْضَى بِبَعْضِ الدَّيْنِ فِي غَيْرِ نَائِلِ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «ألين إذا لان الغريم وألتوي»

وَقَالَ وَبْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الأَسَدِيُّ وَكَانَ يُعامِلُ تِجارَ الْمَعْدِنِ وَيَلوِيهِمْ بِحُقُوقِهِم:

أعْدَدْتُ لِلْغُرَمَاء سَيْفاً صَارِماًعِنْدِي وَفَضْلَ هَرَاوَةٍ مِنْ أَرْزَنِ
عَجْرَاءَ ظَاهِرَة الْحُيُودِ مَتِينَةٍأعْدَدْتُهَا لِتِجَارِ أَهْلِ الْمعْدَنِ

وَقَالَ أَيْضاً:

إِنِّي وَجَدِّكَ مَا أَقْضِي الْغَرِيمَ إِذَاحَانَ الْقَضَاءُ وَلا تَأْوِي لَهُ كَبِدِي
إلاَّ عَصَا أَرْزَنٍ طَارَتْ بُرَايَتُهَاتَنُوءُ ضَرْبَتُهَا بِالْكَفِّ وَالْعَضُدِ

كان بالمدينة تاجر يقال لهُ سيَّار بْن الحكَم يُداين الأعراب، فأَخذ منهُ أبو النبَّاش العُقَيْليّ مالاً وأرغبهُ فِي الربْح وانصرف، فغاب عنهُ مدَّةً، ثم دخل المدينة مُستخفيا، واتَّصل خبره بالتاجر فطلبهُ حتى وجده وقبض عليهِ وطالبهُ بِما لهُ عندهُ واستعدى جماعة من التجار عليهِ. فلمَّا رأى ما قد رُفع إِليهِ ولم يقدر على الجحود للصكّ الذي كان عليهِ، وللجماعة الذين اجتمعوا، قال لهم: صيروُا معي إِلى شارع بني فلان، فإِنَّ لي جَلباً أقدّر موافاتهُ، وأدفع المال إِلى صاحبكم من ثمنهِ، ففعلوا. فلمَّا تمكَّنَ من الهرب سبقهم حَضْراً على رجلَيْهِ، وطلبوه فأعْجزَهم، وانصرفوا يتذامرون ويرجعون باللوم على صاحبهم، فقال أبو النبَّاش عند ذلك:

أهْوِنْ عَلَيَّ بِسَيَّارٍ وَضَغْوَتِهِإِذَا جَعَلْتُ صَرَاراً دُونَ سَيَّارِ
التَّابِعِي نَاشِراً عَمْداً صَحِيفَتَهُفِي السُّوقِ وَسْطَ شُيُوخٍ غَيْرِ أَبْرَارِ
قَدْ ضَيَّعُوا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ تِجَارَتهِمْإلاَّ ابْتِغَائِي كَأَنِّي وَسْطَهُمْ شَارِي
يُؤْلُونَ بِاللهِ جَهْداً لا أُزَايِلُهُمْمَا دَامَ يَطْلُبُنِي مِنْهَا بِدِينَارِ
لَمَّا أَبَوْا سَفَهاً إِلاَّ مُلازَمَتِيأَزْمَعْتُ مَكْراً بِهِمْ فِي غَيْرِ إِسْرَارِ
وَقُلْتُ إِنِّي سَيَأْتينِي غَداً جَلَبِيوَإِنَّ مَوْعِدَكمْ دَارُ ابْنِ هَبَّارِ
وَمَا أُوَاعِدُهُمْ إِلاَّ مُخَادَعَةًمِنِّي لِيُفْلِتَنِي نَقْضِي وَإِمْرَارِي
حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنَتْ رِجْلايَ مِنْ هَرَبٍلَمْ آلُ شَدًّا بتَعْدَاءٍ وَتَحْضَارِ
لَمَّا رَأَوْنِي وَقَدْ فُتُّ النَّجَاءَ بِهِمْسَعْياً يُقَصِّرُ عَنْهُ كُلُّ طَيَّارِ
قَالُوا لِصَاحِبِهمْ هَيْهَاتِ تَلْحَقُةُفَارجِعْ بِنَا وَدَعٍ الأَعْرَابَ فِي النَّارِ
إِنَّ الْقَضَاءَ سَيَأْتي دُونَهُ أَمَدٌفَاطْوِ الصَّحِيفَةَ وَاحْفَظْهَا مِنَ الْفَارِ

وَقَالَ أبو الرُّبَيْسِ الكِلابي فِي غريم لهُ يقال لهُ مكحول، كان عند مبايَعتهِ إِيَّاه لمِ يسألهُ عن سِعْر ولا نقصان كَيْل، بل كان يستصلح جميع ما يدفعه إليهِ خديعةً ومكراً، فلمَّا لحق منهُ ما أراد، لحِق بالبادية:

أَمَا رَابَ مَكْحُولاً سَمَاحِي وَأَنَّنِيإِذَا بَلَغَ الْبَيْعُ الْمِكَاسَ أُسَامِحُ
وقَوْلِي وَلَمْ يَبْلُغْ رِضَايَ وَلا دَنَارَضِيتُ وَهذَا منْ شِرَا النَّاسِ صَالِحُ
سَيَعْلَمُ مَكْحُولٌ إِذَا ضَمَّ رُقْعَةًلَهَا طِينَةٌ أَيُّ الْفريقَيْنِ رَابِحُ

النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حماسة البحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.