من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب السبعون والمائة فيما قيل فِي المخافة والارتياع
قالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ:
أَتَانِي وَعِيدٌ وَالتَّنَائِفُ بَيْنَنَاسَحَاوِيَةٌ وَالْغَائِطُ الْمُتَصَوِّبُ
فَبِتُّ كَأَنَّ الْعَائِدَاتِ فَرَشْنَنِيهَرَاساً بِه يُعْلَى فِرَاشِي وَيُقْشَبُ
قَالَ أَيْضًا:
وَعِيدُ أَبِي قَابُوسَ فِي غَيْرِ كُنْهِهِأتَانِي وَدُونِي رَاكِسٌ فَالضَّوَاجِعُ
فَبِتُّ كَأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِيلَةٌمِنَ الرُّقْشِ فِي أَنْيَابهَا السُّمُّ نَاقِعُ
فَإنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِيوَإِنْ خِلْتُ أنَّ الْمُنْتأَى عنْكَ وَاسِعُ
خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ مَتِينَةٍتمُدُّ بِهَا أَيْدٍ إِلَيْكَ نَوَازعَ
وَقَالَ أَيْضاً:
وَقَدْ خِفْتُ حَتَّى مَا تَزِيدَ مَخَافَتِيعَلَى وَعِلٍ فِي ذِي الْمُلاءَةِ عَاقِلِ
مَخَافَةَ عَمْرٍو أَنْ تَكُونَ جِيَادُهُيُقَدْنَ إِلَيْنَا بَيْنَ حَافٍ وَنَاعِلِ
وَقَالَ الْقَتَّالُ الْكِلابِيُّ:
كَأَنَّ بِلادَ اللهِ وَهْيَ عَريضَةٌعَلَى الْخَائِفِ الْمَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ
يُؤَدَّى إلَيْهَ أَنَّ كُلَّ ثَنِيَّةٍتَيمَّمَهَا تُوحِي إِلَيْهِ بِقَاتِلِ
وَقَالَ عُبَيْدُة بْنُ رَبِيعَةَ التَّمِيميُّ، وترْوَى لِعُبَيْدِ بْنِ أَيُّوبَ اللِّصِّ:
عَلامُ تُرَى لَيْلَى تُعَذِّبُ بالْمُنَىأخَا قَفْرَةٍ قَدْ كَادَ بالْغُولِ يَأْنَسُ
وَأَضْحَى صَدِيقَ الذِّئْبِ بَعْدَ عَداوَةٍوَبُغْضٍ وَربَتْهُ الْقفَارُ الأَمَالِسُ
تقَدَّدَ عَنْهُ وَاسْتَطَارَ قَمِيصُهُوَقَدْ يَقْطَعُ الْهِندِيُّ والْجَفْنُ دَارِسُ
يَظَلُّ وَمَا يَبْدُو لِشَيْءٍ نَهَارَهُوَلكِنَّمَا يَنْباعُ وَاللَّيْلُ دَامِسُ
فَلَيْسَ بِجِّنِيٍّ فَيُعْرَفَ شَكْلُهُوَلا أَنَسِيٌّ تحتَوِيهِ الْمَجَالِسُ
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ أَيُّوبٍ:
لَقدْ خِفْتُ حَتَّى لَوْ تَمُرُّ حَمَامَةٌلَقُلْتُ عَدُوٌّ أَوْ طَلِيعَةُ مَعْشَرِ
وَخِفْتُ خَلِيلِي ذَا الصَّفَاءِ وَرَابَنِيوَقَالُوا فُلانٌ أَوْ فُلانَةُ فَاحْذَرِ
فَمَنْ قَالَ خَيْراً قُلْتُ هَذَا خَدِيعَةّوَمَنْ قَالَ شرًّا قُلْتُ نُصْحٌ فَشَمِّرِ
فَأَصْبَحْتُ كَالْوَحشِيِّ يَتْبَعُ ما خَلاوَيَتَرُكُ مَوْطُوءَ الْبلادِ الْمُدعْثَرِ
وَقَالَ آخَرُ:
لَقَدْ خِفْتُ حَتَّى كُلُّ نَجْوَى سَمِعْتُهَاأرَى أَنَّنِي مِنْ ذِكْرِهَا بسَبِيلِ
وَحَتَّى لَوَيْتُ السِّرَّ مِنْ كُلِّ صَاحِبٍوَأَخْفَيْتُهُ مِنْ دُونِ كُلِّ خَلِيلِ
وَقَالَ آخَرُ:
تَرَكَتْكَ تحْسِبْ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهَاخَيْلاً تَكُرُّ عَلَيْكُمُ وَرِجَالا
وَقَالَ الْبَعيثُ أَوْ جَرِيرٌ:
وَلَوْ أَنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَهَامُسَوَّمَةَّ تَدْعُو عبِيداً وأَزْنَمَا
وَقَالَ عُبَيدُ بنُ أَيُّوبَ:
لَقَدْ خِفْتُ حَتَّى خِلْتُ أنْ لَيْسَ نَاظِرٌإِلَى أَحَدٍ غَيْري فكِدْتُ أَطِيرُ
وَلَيْسَ فَمٌ إِلاَّ بسِرِّي مُحدِّثٌوَلَيْسَ يَدٌ إلاَّ إِلَيَّ تُشِيرُ
وَقَالَ مُضَرِّسُ بْنُ ربْعِيٍّ الأَسَديُّ:
كَأَنَّ عَلَى ذِي الطِّنْي عَيَّناً بصِيرَةًبمَنْطِقِهِ أَوْ مَنْظَراً هُوَ نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حَتَّى يَحْسِبَ النَّاسَ كَلَّهُمْمِنَ الْخَوْفِ لا تَخْفَى عَلَيْهِمْ سَرَائِرُهْ
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع