تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

مطلب خطبة عبد الله بن الزبير لما سأل الوفد عَنْ مصعب فأثنوا عليه خيراً

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عثمان، عَنِ التوزي، عَنْ أبي عبيدة، قَالَ: قدم وفد العراق على ابن الزبير وهو في المسجد الحرام فسلموا عليه فسألهم عَنْ مصعب، فقالوا: أحسن الناس سيرة، وأقضاه بحق، وأعدله فِي حكم، فلما صلى الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قَالَ:

قد جربوني ثم جربونيمن غلوتين ومن المئين
حتى إذا شابوا وشيبونيخلوا عناني ثم سيبوني

أيها الناس، إني سالت الوفد عَنْ مصعب فأحسنوا الثناء عليه وذكروا ما أحبه، وإن مصعب أطبى القلوب حتى ما تعدل به، والأهواء حتى ما تحول عنه، واستمال الألسن بثنائها، والقلوب بنصحها، والنفوس بمحبتها، فهو المحبوب فِي خاصته، المحمود فِي عامته، بما أطلق الله لسانه من الخير، وبسط يده من البذل، ثم نزل

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قدم أعرابي البصرة فنزل عَلَى قوم من بني العنبر وكان فصيحاً، فكنا نسير إليه فلا نعدم منه فائدة، فجدر ثم برأ فأتيناه يوما فأنشدنا:

ألم ياتها أني تلبست بعدهامفوفة صناعها غير أخرقا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «تعصي الإله وأنت تظهر حبه»
وقد كنت منها عارياً قبل لبسهافكان لباسيها أمر وأعلقا

أعلق: أشد مرارة، وهذه الكلمة أول كلمة سمعتها من أَبِي بَكْرِ بن دريد، دخلت عليه وهو يملى عَلَى الناس، العرب تقول: هذا أعلق من هذا، أي أمر منه، وأنشدنا:

نهار شراحيل بن طودٍ يريبنيوليل أبي ليل أمر وأعلق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

أي أشد مرارة.

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قدم أعرابي من بني ضبة البصرة فخطب امرأة من قومه فشطوا عليه فِي المهر، فأنشأ يقول:

خطبت فقالوا هات عشرين بكرةودرعا وجلبانا فهذا هو المهر
وثوبين مرويين فِي كل شتوةقلت الزنا خير من الجرب القشر

وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أنشدني أَبُو عثمان سعيد بن هارون:

وشعثاء غبراء الفروع منيفةبها توصف الحسناء أو هي أجمل
دعوت بها أبناء ليل كأنهموقد أبصروها معطشون قد انهلوا

يصف نارا وجلها شعثاء لتفرق لهبها.

وغبراء الفروع لدخانها والفروع: الأعالي.

ومنيفة: مرتفعة، يريد أنها عَلَى جبل أو فِي مكان عال.

وقوله: بها توصف الحسناء، أي بها تشبه الجارية، وذلك أن العرب تصف الجارية فتقول: كأنها شعلة نار أو كأنها بيضة أدحيٍّ.

وقوله: دعوت بها أبناء ليل، يعني النار دعا بضوئها أبناء الليل، أي قوما سرورا ليلا فجاورا عَنِ القصد.

وقوله: كأنهم وقد أبصروا معطشون، يعني أنهم من فرحهم بهذه النار كأنهم قوم كانت عطشت إبلهم فأنهلوا، أي رويت إبلهم.

تم الجزء الأول من كتاب الأمالي ويليه الجزء الثاني وأوله وحدثنا أبو بكر قال حدّثنا أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي الخ.

﷽

الجزء الثاني

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، وعبد الرحمن، عَنِ الأصمعي، قَالَ: قدم متمم بن نويرة العراق فأقبل لا يرى قبراً إلا بكى عليه، فقيل له: يموت أخوك بالملا وتبكي أنت عَلَى قبر بالعراق! فقَالَ:

لقد لامني عند القبور عَلَى البكارفيقي لتذراف الدموع السوافك
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
أمن أجل قبرٍ بالملا أنت نائحعَلَى كل قبرٍ أو عَلَى كل هالك
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

ويروي هذا البيت:

فقَالَ أتبكي كل قبر رأيتهلقبرٍ ثوى بين اللوي والدكادك
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، من قصيدة «لقد لامني عند القبور على البكا»
فقلت له إن الشجا يبعث الشجافدعني فهذا كله قبر مالك
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
ألم تره فينا يقسم مالهوتأوي إليه مرملات الضرائك
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، ﵀، لبعض طيئ يرثي الربيع، وعمارة ابني زياد العبسيين، وكانت بينهم مودة:

فإن تكن الحوادث جربتنيفلم أر هالكاً كابني زياد
هما رمحان خطيان كانامن السمر المثقفة الصعاد
تهال الأرض إن يطأ عليهابمثلهما تسالم أو تعادى

ومما قرأت عليه لفاطمة بنت الأحجم بن دندنة الخزاعية:

قد كنت لي جبلاً ألوذ بظلهفتركتني أضحى بأجرد ضاحي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
قد كنت ذات حمية ما عشتلي وكنت أنت جناحي
فاليوم أخضع للذليل وأتقيمنه وأدفع ظالمي بالراح
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
وإذا دعت قمرية شجناً لهايوماً فننٍ دعوت صباح
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة

وأغض من بصري وأعلم أنه قد بان حد فوارسي ورماحي فقَالَ أَبُو بَكْرٍِ، ﵀: هذه الأبيات تمثلت بها عائشة، ﵂، بعد وفاة النَّبِيّ ﷺ

وقرأت عَلَى أبى عبد الله نفطويه، هذه الأبيات فِي قصيدة للنابغة الجعدي وقت قراءتي عليه شعر النابغة:

ألم تعلمي أني رزئت محاربافما لك منه اليوم شيءٌ ولا ليا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»
زمن قبله قد رزئت بوحوحٍوكان ابن أمي والخليل المصافيا
فتىً كملت خيراته غير أنهجواد فما يبقي من المال باقيا
فتى تم فيه ما يسر صديقهعَلَى أن فيه ما يسوء الأعاديا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»

وأنشدني أَبُو محمد بن درستويه النحوي، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس بن يزيد المبرد:

أيا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلةٌولكن دعاني اليأس منك إِلَى الصبر
تصبرت مغلوباً وإني لموجعٌكما صبر الظمآن فِي البلد القفر
للشاعر راشِد بن إسحاق، اقرأ القصيدة

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عبد الله بن المطيحي، قَالَ: قرئ عَلَى قبر بالمدينة:

يا مفرداً سكن الثرى وبقيتلو كنت أصدق إذ بليت بليت
الحي يكذب لا صديق لميتٍلو صحّ ذاك ومت كنت أموت

وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ لكعب بن زهير:

لقد ولى أليته جويٌّ معاشرغير مطلول أخوها
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لقد ولى أليته جؤي»
فإن تهلك جويّ فإن حرباًكظنك كان بعدك موقدوها
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لقد ولى أليته جؤي»
ولو بلغ القتيل فعال قومٍلسرك من سيوفك منتضوها
كأنك كنت تعلم يوم بزتثيابك ما سيلقي سالبوها
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لقد ولى أليته جؤي»

وقرات عليه للأحوص:

إني عَلَى ما قد علمت محسدأنمي عَلَى البغضاء والشنآن
ما تعتريني من خطوب ملمةإلا تشرفني وتعظم شأني
فإن تزول تزول عن متخمطٍتخشى بوادره لدي الأقران
إني إذا خفي الرجال وجدتنيكالشمس لا تخفي بكل مكان

وأنشدني أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، عَنْ أبى العباس أحمد بن يحيى، إلا البيت الأول من هذه الأبيات فإني قرأته عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد:

رأيت رباطاً حين تم شبابهوولي شبابي ليس فِي بره عتب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة
إذا كان أولاد الرجال حزازةًفأنت الحلال الحلو والبارد العذب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة
لنا جانبٌ منه دميثٌ وجانبإذا رامه الأعداء ممتنع صعب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

وروى ابن الأنباري:

لنا جانب منه يلن وجانبثقيلٌ عَلَى الأعداء مركبه صعب
يخبرني عما سألت بهينٍمن القول لا ولا لغب
ولا يبتغي أمناً وصاحب رحلهبخوفٍ إذا ما ضم صاحبه الجنب
سريعٌ إِلَى الأضياف فِي ليلة الطوىإذا اجتمع الشفّان والبلد الجدب
وتأخذه عند المكارم هزةٌ كما اهتزتحت البارح الفنن الرطب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، جافي الكلام قَالَ: أنشدني أَبُو حاتم، عَنْ أبي عبيدة، لأطاة بن سهية، يهجو شبيب ابن البرصاء:

من مبلغٌ فتيان مرة أنههجاناً ابن برصاء العجان شبيب

فلو كنت مرياً عميت فأسهلت كداك ولكن المريب مريب

فسألته عَنْ معنى هذا البيت، فقَالَ: كان ابوه أعمى وجده أعمى وجد أبيه أعمى، يقول: فلو لم تكن مدخول النسب كنت أعمي كآبائك.

أبي كان خير من أبيك ولم يزلجنيباً لآبائي وأنت جنيب
وما زلت خيراً منك مذ عض كارهاًبرأسك عادي النجاد ركوب
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

يقول: ما زلت خيراً منك مذ عض برأسك فعل أمك أي مذ ولدت والعادي: القديم.

والنجاد جمع نجد: وهو الطريق المرتفع.

والركوب: المركوب الموطوء وهو فعول فِي معنى مفعول، وإنما هذا تشبيه جعل ما عض برأسه من فرجها مثل الطريق القديمة المركوبة فِي كثرة من يسلكها، يريد أنه قد ذلل حتى صار كتلك، فيقَالَ: إن شبيباً عمي بعد ما كبر فكان يقول: علم أني مريٌّ.

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.