تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

شدة بشر بن مروان فِي معاقبة العصاة وما كتب به بعض العشاق إِلَى حبيبته وقد استزارته

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: كان بشر بن مروان شديداً عَلَى العصاة، فكان إذا ظفر بالعاصي أقامه عَلَى كرسيٍّ، وسمر كفيه فِي الحائط بمسمار، ونزع الكرسيّ من تحته فيضطرب معلقاً حتى يموت، وكان فتى من بني عجل مع المهلب وهو يحارب الأزارقة، وكان عاشقاً لابنة عم له، فكتبت إليه تستزيره، فكتب إليها:

لولا مخافة البشر أو عقوبتهأو أن يشد عَلَى كفي مسمار
إذا لطلعت ثغري ثم زرتكمإن المحب إذا ما اشتاق زوار

فكتبت إليه:

ليس المحبّ الذي يخشى العقابولو كانت عقوبته فِي إلفه النار
بل المحب الذي لا شيء يمنعهأو تستقر ومن يهوى به الدار

قَالَ: فلما قرأ كتابها عطّل ثغره وانصرف إليها وهو يقول:

أستغفر الله إذ خفت الأمير ولمأخش الذي منه غير منتصر
فشأن بشر بلحمي فليعذبهأو يعف عفو أمير خير مقتدر
فما أبالي إذا أمسيت راضيةًيا هند ما نيل من شعري ومن بشري

ثم قدم البصرة فما أقام إلا يومين حتى وشى به واشٍ إِلَى بشر، فقَالَ: عَلَى به، فأُتى به فقَالَ: يا فاسق، عطّلت ثغرك! هلموا الكرسي، فقَالَ: أعز الله الأمير، إن لي عذراً، فقَالَ: وما عذرك؟ فأنشده الأبيات، فرّق له وكتب إِلَى المهلب فأثبته فِي أصحابه

وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، لتماضر بنت مسعود بن عقبة أخي ذي الرمة، وكان خرج بها زوجها إِلَى القفّين:

نظرت ودوني القفّ ذو النخل هل أرىأجارع فِي آل الضحى من ذرى الأمل
فيا لك من شوقٍ وجيع ونظرةٍثناها عَلَى القفّ خبلاً من الخبل
ألا حبذا ما بين حزوى وشارعٍوأنقاء سلمى من حزونٍ ومن سهل
لعمري لأصوات المكاكي بالضحىصوت صباً فِي حائط الرمث بالدحل
وصوت شمالٍ زعزعت بعد هدأةٍألاءً وأسباطاً وأرطىً من الحبل
أحب إلينا من صياح دجاجةٍوديكٍ وصوت الريح فِي سعف النخل
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلةبجمهور حزوي حيث رببني أهلي

قَالَ الأصمعي: الأجارع جمع أجرع وجرعاء، وهي الرابية السهلة.

والأمل جمع أميل، والأميل: الرمل المستطيل يكون ميلاً وأكثر من ذلك.

والخبل: الفساد فِي البدن.

والأنقاء جمع نقاً، وهي الرملة المستطيلة ليست بعظيمة.

والمكاكي جمع مكّاء وهو طائر، قَالَ الشاعر:

إذا غرّد المكّاء فِي غير روضةٍفويلٌ لأهل الشاء والحمرات

قَالَ الأصمعي: يُقَال للرمث أول ما يبدو ورقه قبل أن يخرج قد أقمل،

فإذا زاد عَلَى ذلك قيل: قد أدبي،

فإذا ظهرت خضرته قيل: قد بقل،

فإذا ابيض وأدرك قيل: قد أحنط،

فإذا جاوز ذلك قيل: قد أورس، فهو وارس ولا يُقَال مورسٌ.

والألاء: شجر حسن المنظر مرّ المطعم قَالَ بشر:

فإنكم ومدحكم بجيراً أبالجإٍ كما امتدح الألاء
يراه الناس أخضر من بعيدٍوتمنعه المرارة والاباء
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «تعنى القلب من سلمى عناء»

والأسباط جمع سبط، وهو ضرب من الشجر أيضاً.

والحبل: المستطيل من الرمل.

: وقرأت عليه لابنة الحباب:

محا حب يحيى حبّ يعلىفأصبحت ليحيى توالي حينا وأوائله
الا بأبي يحيى ومثنى ردائهوحيث التفت من متن يحيى حمائله
للشاعر شقراء بنت الحباب، اقرأ القصيدة

وقَالَ فيه أيضاً:

أأضرب فِي يحيى وبيني وبينهتنائف لو تسري بها الريح كلت
للشاعر شقراء بنت الحباب، اقرأ القصيدة
ألا ليت يحي يوم عيهم زارناوإن نهلت مني السياط وعلت

وأنشدنا عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيي:

أمن أجل دار بين لوذان فالنقاغداة اللوى عيناك تبتدران
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «خليلى ليس الشوق أن تشحط النوى»

فقلت ألا لا بل قذيت وإنما قذي العين ما هيج الطللان

فيا طلحتى لوذان لا زال فيكما لمن يبتغي ظليكما فننان وإن كنتما هيّجتما لاعج الهوى ودانيتما ما ليس بالمتداني وأنشدنا أيضاً:

ألا يا سيالات الدحائل باللوىعليكنّ من بين السيال سلام
وإني لمجلوبٌ لي الشوق كلماتغرد فِي أفنانكن حمام

وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، لابن الدمينة:

قفي يا أميم القلب نشكو الذي بناوفرط الهوى ثم افعلي ما بدالك
سلي البانة الغّناء بالأجرع الذي بهالبان هل حييت أطلال دارك
وهل قمت فِي أطلالهنّ عشيةًمقامُ أخي البأساء واخترت ذلك
ليهنئك إمساكي بكفي عَلَى الحشيورقراق عيني رهبةً من زيالك
ولو قلت طأ فِي النار أعلم أنههوىً لك أو مدنٍ لنا من نوالك
لقدمت رجلي نحوها فوطئتهاهدىً منك لي أو ضلة من ضلالك
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «قفى يا اميم القلب نقض لبانة»

وأنشدنا أَبُو عمرو المطرز غلام ثعلب، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوي:

فلو كنت أدري أن ما كان كائنٌحذرتك أيام الفؤاد سليم
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «فلو كنت أدرى أن ما كان كائن»
ولكن حسبت الصرم شيئاً أطيقهإذا رمت أو حاولت فيك عزيما
أخا الجن بلغها السلام فإننيمن الإنس مزور الجناب كتوم
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «فلو كنت أدرى أن ما كان كائن»

هكذا أنشدنا: جناب، وهو عندي جناب من قولهم: لجّ فلان فِي جنابٍ قبيح إذا لجّ فِي مجانبة أهله.

أخا الجنّ ما ندري إذا لم يدملنا خليلٌ صفاء الود كيف نديم
ولا كيف بالهجران والقلب آلفٌولا كيف يرضى بالهوان كريم
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «فلو كنت أدرى أن ما كان كائن»

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.