من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر تخطي المنايا عن الميت والعجر عن دفعها
قال أبو تمام:
ما زالت الأيام تخبر سائلاًأن سوف تفجع مسهلاً أو عاقلا
إن المنون إذا استمر مريرهاكانت لها جنن الأنام مقاتلا
ما إن ترى شيئاً لشيء محيياًحتى تلاقيه لآخر قاتلا
من ذاك أجهد أن أراه فلا أرىحقاً سوى الدنيا تسمى باطلا
«فالمسهل»: الذي يأوي السهل، و «العاقل» الذي يأوي المعاقل، وهي الجبال.
وقوله: «من ذاك أجهد أن أراه» من سخيف ألفاظ العوام، وليس من ألفاظ الشعراء، وهو ها هنا يشبه قوله: «فلهذا يجف بعد اخضرار ...».
وقال:
وفاجع موت لا عدواً يخافهفيبقي ولا يلقى صديقاً يجامله
وأي أخي عزاء أو جبريةينابذه أو أي قرن يناضله
إذا ما جرى مجرى دم المرء حكمهوبثت على طرق النفوس حبائله
قوله: «وفاجع موت لا عدو يخافه» من كلام النوائح وتعديدهم وليس من كلام الشعراء، أفتراه لم يسمع قول يحيى بن زياد الحارثي:
دفعنا بك الأيام حتى إذا أتتتريدك لم نسطع لها عنك مدفعا
ولله در الفرزذق إذ يقول في بشر بن مروان:
ولو أن قوماً قاتلوا الموت قبلنابشيء لقاتلنا المنية عن بشر
وقال أبو الخطار الكلبي وأحسن كل الإحسان:
ولو كانت الموتى تباع اشتريتهبكفي وما استثنيت منها أناملي
وقال أبو تمام:
هدمت صروف الدهر أرفع حائطضربت دعائمه على الإسلام
دخلت على ملك الملوك رواقهوتسربت لمقوم القوام
وهذان بيتان جيدان.
وقال البحتري لمحمد بن عبد الله بن طاهر يرثي أخاه وعمه:
أزال حجاب الملك عنه رزيةتهجم أخياس الأسود الخوادر
مسلطة لم يتئر من وقوعهابساع ولم ينجد عليها بناصر
يؤسي الأداني عنه أن ليس عندهمنكير سوى سكب الدموع البوادر
وهذا جيد بالغ.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع